شهدت المخاوف الأوروبية بشأن السيادة التكنولوجية تصاعدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من هاجس محدود الحضور في النقاشات السياسية إلى قضية محورية تتصدر الأجندة الأمنية والاستراتيجية للقارة. ويعود هذا التحول إلى جملة من التطورات المتسارعة التي كشفت بوضوح حجم الهشاشة الأوروبية في المجال التكنولوجي. ففي يونيو 2026، أعلنت أجهزة الاستخبارات الفرنسية التخلي عن خدمات شركة "بالانتير" الأمريكية المتخصصة في تحليل البيانات، والتي ظلت لسنوات منخرطة بعمق في منظومات الدفاع والأمن الشرطي الأوروبية، لصالح مزود محلي، مبررة القرار صراحة بالحاجة إلى تعزيز "الاستقلال الاستراتيجي".

ولا يقتصر هذا القلق على فرنسا وحدها. إذ تشير التقارير إلى أن الجيش الألماني يستبعد تمامًا الاعتماد على شركة "بالانتير"، في حين تشهد المملكة المتحدة نقاشات برلمانية متصاعدة بشأن عقد مع الشركة تبلغ قيمته ربع مليار جنيه إسترليني. ويستند جانب من هذا الجدل إلى حقيقة مقلقة أبرزتها إحدى الدراسات القانونية بوضوح، مفادها أن البيانات الأوروبية، حتى وإن كانت مخزنة داخل مراكز بيانات تقع في أوروبا، قد تظل خاضعة لإمكانية وصول السلطات الأمريكية إليها بموجب القانون الأمريكي، بصرف النظر عن الضمانات التعاقدية القائمة. وبذلك، لم يعد الحديث عن "سيادة البيانات" مجرد مصطلح متداول في دوائر السياسات العامة، بل أصبح يعكس معضلة استراتيجية حقيقية تتجاوز الاعتبارات التقنية إلى صميم توازنات القوة والسيادة في النظام الدولي.

 

وازدادت هذه المخاوف حدة قبل أيام قليلة من كتابة هذا التحليل، حين أمرت الحكومة الأمريكية شركة "أنثروبيك" بوقف إتاحة الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، "ميثوس"، أمام أي مستخدم لا يحمل الجنسية الأمريكية، مبررة القرار باعتبارات تتعلق بالأمن القومي. وجاء رد الشركة لافتًا؛ إذ فضّلت تعطيل النموذج بالكامل أمام جميع المستخدمين، بمن فيهم الأمريكيون، بدلًا من تطوير آلية فورية للتحقق من الجنسية تسمح بتقييد الوصول خلال فترة زمنية قصيرة.

 

ورغم أن هذه الواقعة لم تستمر سوى بضعة أيام، فإنها لامست جوهر المخاوف الأوروبية بصورة مباشرة. فلم تعد الحدود المتقدمة للذكاء الاصطناعي تقع خارج نطاق السيطرة الأوروبية فحسب، بل أصبحت خاضعة عمليًا لسلطة حكومة واحدة تملك القدرة على تقييد الوصول إليها أو حجبه بقرار أحادي. ومع ذلك، لا يعني كل ما سبق أن على أوروبا الانجرار إلى رد فعل تحركه الهواجس، أو السعي إلى بناء بديل أوروبي كامل لكل شيء من الصفر وبوتيرة متسارعة. فكما تظهر تقديرات الكلفة، فإن محاولة تحقيق استقلال كامل عبر مختلف طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي قد تتطلب إنفاقًا يُقدَّر بتريليونات اليوروهات، وهو ما يتجاوز بكثير حدود الواقعية العملية.

 

ومن ثم، لا تكمن الاستجابة الأكثر عقلانية لأوروبا في السعي إلى امتلاك جميع حلقات المنظومة التكنولوجية، بل في طرح سؤال أكثر جوهرية: ما المجالات التي تستلزم سيادة فعلية؟ وأين يمكن للشراكات أن توفر بديلًا كافيًا عن التملك المباشر؟ وكيف يمكن توظيف مصدر القوة الحقيقي لأوروبا، والمتمثل في ريادتها التنظيمية والتشريعية، بصورة مقصودة وفعالة بدلًا من التعامل معه بوصفه مجرد تعويض عن مواطن الضعف الأخرى؟ وبعبارة أخرى، لا تعني السيادة امتلاك كل شيء، بل تعني الإدراك الدقيق للمجالات التي لا يمكن تحمّل تبعات الاعتماد فيها على الآخرين.

نقاش لا مفر منه

لا بد لأي نقاش حول سيادة الذكاء الاصطناعي أن ينطلق أولًا من الإطار الأوسع الذي تندرج ضمنه، وهو السيادة التكنولوجية. فكثير من المسلّمات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وفي مقدمتها الاعتقاد بإمكانية بناء ترتيبات مستقرة ومفيدة لجميع الأطراف مع مختلف الدول بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية، لم تعد تصمد أمام الواقع كما كانت في السابق.

 

وقد دفعت التحولات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية الأخيرة ببعدٍ من أبعاد المخاطر، ظل لفترة طويلة أقل حضورًا في النقاش العام رغم حضوره داخل دوائر صنع القرار، إلى واجهة المشهد بوضوح. ونتيجة لذلك، أصبحت السيادة التكنولوجية محورًا رئيسيًا في النقاشات الوطنية والدولية.

 

في المقابل، لا تُعد سيادة الذكاء الاصطناعي مفهومًا جديدًا بحد ذاته. فجوهرها يتمثل في تعزيز الاستقلالية والقدرة على التحكم في التكنولوجيا، ما يجعلها امتدادًا لنقاشات أقدم تناولت سيادة الإنترنت، والسيادة السيبرانية، وسيادة البيانات، والسيادة الرقمية. فعلى سبيل المثال، استُخدمت هذه الطروحات لتبرير الاستثمار في شبكات الجيل الخامس الآمنة، وفرض قواعد لتوطين البيانات، وتشديد متطلبات المشتريات، إلى جانب إجراءات مماثلة. ومع ذلك، لم تُفضِ هذه النقاشات إلى بلورة تعريف مستقر ومتفق عليه لما تعنيه “السيادة” فعليًا.

 
tech sovereignty timeline- AR
 

وقد مثّلت هذه الضبابية مصدر فائدة سياسية من جهة، وإشكالية حقيقية من جهة أخرى؛ إذ منحت الدول مساحة لبناء تحالفات واسعة حول أجندات سياسات عامة ممتدة، لكنها وفّرت في الوقت نفسه للحكومات السلطوية إطارًا خطابيًا يُستخدم لتبرير الرقابة والقمع والمراقبة. فعلى سبيل المثال، وظّفت الصين خطاب سيادة الإنترنت وسيادة البيانات، مستندة إلى اعتبارات حماية الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، لتبرير سنّ قوانين تُلزم بتوطين البيانات وتمنح الدولة صلاحيات واسعة للوصول إلى تدفقات المعلومات، وهي إجراءات أسهمت كذلك في ترسيخ منظومات الرقابة والمراقبة المفروضة على مواطنيها.

 

وقد ورث مفهوم سيادة الذكاء الاصطناعي هذه المرونة المفاهيمية ذاتها، إلى جانب التوترات الملازمة لها، وهو ما يجعل من الصعب بلورة تعريف متسق للمفهوم، أو تقييم كلفه ومكاسبه بدقة، فضلًا عن ترجمته إلى سياسات عملية من دون أن ينزلق النقاش إلى مسارات متوازية يفتقد فيها الأطراف إلى أرضية مفاهيمية مشتركة. غير أنه في ظل المكانة المحورية التي بات الذكاء الاصطناعي يحتلها في التفاعلات الجيوسياسية، أصبح السعي إلى بلورة فهم أوضح وأكثر تحديدًا لمفهوم سيادة الذكاء الاصطناعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فمسألة مدى استقلال الحكومات في رسم مساراتها المستقبلية في هذا المجال باتت ترتبط بصورة متزايدة بالحقائق الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة. وفي هذا السياق، تتسارع الحكومات حول العالم نحو تعزيز ما تصفه بـ”سيادة الذكاء الاصطناعي”.

 

وفي ظل تنامي المخاوف من الاعتماد على عدد محدود من الفاعلين المهيمنين في قطاع الذكاء الاصطناعي، مثل “أوبن أيه آي” و”ديب سيك” و”إنفيديا”، إلى جانب القوى الدولية التي تقف خلفهم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، بدأت الحكومات في صياغة استراتيجيات جديدة وتعزيز استثماراتها في القدرات المحلية للذكاء الاصطناعي، بهدف توسيع نطاق سيطرتها على مستقبلها التكنولوجي.

 

وفي الوقت نفسه، أثارت الوتيرة المتسارعة لتطور الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك احتمال ظهور الذكاء الاصطناعي العام، مخاوف متزايدة بشأن مخاطره الأمنية، ومن بينها التهديدات الكيميائية والبيولوجية، فضلًا عن احتمال إزاحة قطاعات واسعة من القوى العاملة بفعل التوسع في الأتمتة. وقد أدى هذا التداخل بين المخاطر والفرص إلى جعل مسألة السيادة واحدة من القضايا المحورية التي ستسهم في تشكيل ملامح عصر الذكاء الاصطناعي.

 

وتتباين مقاربات الدول لمسألة السيادة تبعًا لفهمها لهذا المفهوم. فعلى سبيل المثال، تستثمر كل من تشيلي وتايوان بكثافة في تطوير نماذج محلية مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي سعيًا إلى تعزيز الاستقلال الثقافي. وفي المقابل، تركز فرنسا والبرازيل على بناء قدراتهما التنظيمية والتشريعية، باعتبار ذلك مسارًا نحو ترسيخ سيادة الذكاء الاصطناعي. أما المملكة المتحدة، فقد اتخذت مسارًا مختلفًا عبر إنشاء وحدة سيادية للذكاء الاصطناعي مدعومة بتمويل قدره 500 مليون جنيه إسترليني، بهدف تحفيز النمو الاقتصادي القائم على الذكاء الاصطناعي وتعزيز الأمن القومي على المستوى الداخلي.

 

فما الذي يعنيه تحقيق سيادة الذكاء الاصطناعي عمليًا؟ في ظل الترابط العميق الذي يميز سلاسل الإمداد العالمية، لا يمكن النظر إلى السيادة بوصفها حالة ثنائية صارمة، بحيث تمتلكها الدولة بالكامل أو تفتقر إليها كليًا. بل يتعين على الدول صياغة استراتيجياتها المحلية والدولية في مجال الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من نقاط قوتها ومواطن ضعفها عبر مختلف طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي. وتكشف مكوّنات هذه المنظومة مجتمعة حجم التعقيد الذي يميز النظم البيئية للذكاء الاصطناعي المتقدم، كما توضح لماذا يصعب على أي دولة تحقيق التفوق عبر جميع طبقاتها. ومن ثم، يتعين على صناع السياسات تقييم مواقعهم بدقة داخل هذه المنظومة، وتحديد المجالات التي تستلزم بناء قدرات محلية، وتلك التي يمكن تعويض فجواتها عبر الشراكات، فضلًا عن المجالات التي قد يكون فيها قدر محسوب من الاعتماد على الآخرين خيارًا منطقيًا.

 

فعلى سبيل المثال، يمكن للدول التي تتمتع بوفرة في موارد الطاقة أن تستفيد من انخفاض تكلفة الكهرباء لاستقطاب الاستثمارات في مراكز البيانات الجديدة. وفي المقابل، قد تتمكن الدول التي تمتلك قاعدة قوية من الكفاءات البشرية، إلى جانب أطر تنظيمية داعمة للابتكار، من ترسيخ موقعها كمراكز لتطوير النماذج أو تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي. ومن ثم، فإن بناء السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب من الحكومات إدارة سلسلة معقدة من المقايضات عبر مختلف طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي. فالقرار المتخذ في إحدى الطبقات قد يفتح مسارات جديدة أو يفرض قيودًا على مسارات أخرى في طبقة مختلفة؛ إذ تعتمد القدرة الحاسوبية على إمدادات الطاقة، كما يحدد مستوى الوصول إلى البيانات مدى ملاءمة النماذج وفعاليتها، بينما ترتكز الحوكمة على الكفاءات والمؤسسات القادرة على دعمها وضمان استدامتها. وفي المحصلة، فإن هذه الاعتماديات المتبادلة هي التي ترسم الإطار العملي الذي تتشكل ضمنه الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بسيادة الذكاء الاصطناعي.

 
 

أوروبا واستحالة الاكتفاء التكنولوجي الذاتي

كشفت الضغوط الجيوسياسية، وتعقيدات البيئة التنظيمية، والتشابك العميق في الاعتماد الرقمي المتبادل، عن نقاط ضعف جوهرية في البنية التكنولوجية العالمية، وتبدو أوروبا من بين الأطراف الأكثر عرضة لهذه الهشاشة؛ إذ تستورد أكثر من 80% من منتجاتها وخدماتها الرقمية، فضلًا عن بنيتها التحتية وملكيتها الفكرية. ووفقًا لإطار المنظومة الذي جرى عرضه سابقًا، تعتمد أوروبا على موردين خارجيين عبر معظم طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي، بدءًا من القدرة الحاسوبية والبنية السحابية وصولًا إلى التطبيقات والخدمات، ما يجعل الطبقة التنظيمية واحدة من المجالات القليلة التي لا تزال تحتفظ فيها بقدر فعلي من السيطرة.

 

وفي سبتمبر 2025، دعت أورسولا فون دير لاين إلى ما وصفته بـ”لحظة استقلال أوروبا”، باعتبارها المرحلة التي يتعين فيها على القارة إحكام السيطرة على التقنيات التي يقوم عليها اقتصادها. ولا تقتصر هذه الطموحات على أوروبا وحدها، إذ تتجلى توجهات مماثلة في مناطق أخرى؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى تأمين إنتاج أشباه الموصلات، بينما تواصل الصين تعزيز توجهها نحو الاعتماد على الذات. ويعكس ذلك احتدام سباق استثماري عالمي يهدف إلى حماية البيانات الحساسة، وضمان استمرارية الأعمال، والحفاظ على السيطرة على التقنيات الحيوية.

 

ويأتي هذا التوجه الأوروبي في سياق تحول أوسع في الاستراتيجية الاقتصادية للقارة، تشكّل تحت ضغط التحديات الناجمة عن تموضع أوروبا بين الهيمنة الأمريكية على التكنولوجيا والتفوق الصيني في التصنيع. ففي الربع الأول من هذا العام، سجّل الاتحاد الأوروبي عجزًا تجاريًا مع الصين بلغ نحو 145 مليار يورو، أي ما يعادل قرابة 170 مليار دولار، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى الزيادة الكبيرة في تدفق الآلات والمركبات الكهربائية الصينية إلى الأسواق الأوروبية.

 

وردًا على ذلك، طرحت المفوضية الأوروبية حزمة “السيادة التكنولوجية الأوروبية”، وهي مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز موقع أوروبا في مجالات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والمصادر المفتوحة. وتشمل الحزمة مقترحين تشريعيين هما “قانون الرقائق 2.0” و”قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي”، إلى جانب “استراتيجية المصادر المفتوحة” و”خارطة طريق استراتيجية للرقمنة والذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة”.

 

وعند قراءة هذه الحزمة من خلال منظومة الذكاء الاصطناعي، يتضح أنها تمثل في جوهرها محاولة متزامنة لتعزيز طبقة القدرة الحاسوبية عبر الرقائق، وطبقة البيانات والبنية التحتية عبر الحوسبة السحابية، فضلًا عن أجزاء من طبقتي النماذج والتطبيقات عبر الذكاء الاصطناعي والمصادر المفتوحة. وفي الوقت نفسه، تستند أوروبا إلى طبقة الحوكمة والتنظيم، حيث تمتلك ميزة نسبية واضحة، لتنسيق هذا الجهد وتعزيز فعاليته.

 

وتهدف هذه الإجراءات إلى دعم طموح أوروبا في ترسيخ مكانتها بوصفها قارة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعزيز استقلاليتها الرقمية، والإسهام في بناء مستقبل رقمي أكثر استدامة، إلى جانب توسيع نطاق التقنيات الأساسية المتاحة للشركات والمواطنين والإدارات العامة داخل الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه الحزمة استجابة مباشرة لاستمرار اعتماد أوروبا على موردين من خارج الاتحاد الأوروبي في توفير التقنيات الرقمية الأساسية، وذلك في وقت يشهد فيه الطلب على القدرة الحاسوبية ارتفاعًا حادًا بالتزامن مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي.

 

ويتمثل الهدف في تقليص الاعتماديات الهيكلية وضمان قدرة أوروبا على تطوير التقنيات التي يعتمد عليها مواطنوها، ونشرها، وتأمينها، بما يعكس تحولًا جوهريًا في المقاربة العامة للاتحاد الأوروبي تجاه سياسات التكنولوجيا. غير أن أوروبا، على وجه الخصوص، تحتاج إلى تبني مقاربة براغماتية في هذا المجال بدلًا من السعي إلى نموذج يقوم على الاكتفاء الأقصى. وينبغي أن تستند رؤيتها للسيادة إلى تقييم واضح وصريح لأولوياتها الملحّة: ما الطبقات التي تتطلب فعلًا سيطرة محلية مباشرة؟ وأين يمكن للشراكات، أو لقدر محسوب من الاعتماد على الآخرين، أن يشكلا بديلًا عمليًا ومعقولًا؟

 

 

تنتج أوروبا حاليًا نحو 10% فقط من الرقائق عالميًا، في حين تهيمن الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية والصين على الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي. ووفقًا لمنظور منظومة الذكاء الاصطناعي، تمثل هذه الفجوة أوضح نقاط الضعف الأوروبية في طبقة القدرة الحاسوبية، وهي الأساس الذي تقوم عليه بقية طبقات المنظومة. وفي محاولة لتقليص هذه الفجوة، اقترحت المفوضية الأوروبية “قانون المواد الخام الحيوية”، غير أن حجم الفجوة المطلوب تقليصها لا يزال كبيرًا للغاية

 

ويقتضي تحقيق استقلالية حقيقية إعادة بناء عدة طبقات في آن واحد، لا طبقة واحدة فحسب: طبقة العتاد، وطبقة البرمجيات، وطبقة الخدمات، وربما الأهم من ذلك طبقة الابتكار التي تواصل إنتاج التقنيات الجديدة من الأساس. ويشكل ذلك أوضح دليل حتى الآن على أهمية إطار منظومة الذكاء الاصطناعي؛ فهذه الطبقات مترابطة على نحو وثيق، بحيث إن أي قصور في إحداها، مثل طبقة القدرة الحاسوبية، يفرض قيودًا على ما يمكن تحقيقه في الطبقات الأخرى، مثل النماذج والتطبيقات والخدمات. كما أن محاولة معالجة جميع هذه الفجوات في الوقت نفسه تؤدي إلى تضاعف الكلفة بصورة هائلة.

 

ولتوضيح حجم التحدي، يكفي النظر إلى المتطلبات العملية لبناء كل طبقة من طبقات المنظومة. ويأتي إنشاء مصانع متقدمة لأشباه الموصلات في مقدمة هذه المتطلبات. فقد أنفقت شركة “تي إس إم سي” (TSMC) التايوانية ما لا يقل عن 40 مليار دولار، أي نحو 34 مليار يورو، على منشآتها المتقدمة في ولاية أريزونا وحدها. وبافتراض سعي أوروبا إلى تحقيق استقلالية حقيقية عبر مختلف أنواع الرقائق، فإنها ستحتاج، وفق تقديرات متحفظة، إلى نحو 12 منشأة مماثلة، ما يرفع كلفة إنشاء المصانع وحدها إلى نحو 408 مليارات يورو، أي ما يعادل 480 مليار دولار. ولا تشمل هذه الكلفة منظومات الإمداد المساندة، ومعالجة المواد الخام، ومعدات التغليف والاختبار، وهي عناصر قد تضيف ما لا يقل عن 200 مليار يورو إضافية، أي نحو 233 مليار دولار.

 

وعند الانتقال إلى طبقة البرمجيات، لا يبدو المشهد أقل تعقيدًا. فأنظمة التشغيل وبرمجيات الإنتاجية، مثل “مايكروسوفت أوفيس” و”ويندوز” و”كريتيف سويت” من “أدوبي” وأدوات “جوجل”، تمثل حصيلة عقود من التطور التراكمي والتحسين المستمر، إلى جانب تأثيرات الشبكات التي عززت هيمنتها السوقية، وهو ما يجعل من الصعب إزاحتها أو استبدالها. وحتى في سيناريو متفائل يفترض إطلاق برنامج تعبئة استثنائي يختزل ثلاثين عامًا من التطور الأمريكي في عشر سنوات فقط، تظل الكلفة باهظة للغاية. فشركة “مايكروسوفت” وحدها تنفق سنويًا نحو 30 مليار دولار، أي ما يقارب 26 مليار يورو، على البحث والتطوير، بينما أنفقت خمس من كبرى شركات التكنولوجيا مجتمعة 229 مليار دولار، أي نحو 197 مليار يورو، على البحث والتطوير خلال الفترة الممتدة بين مارس 2023 ومارس 2024.

 

وباحتساب الإنفاق السنوي على البحث والتطوير لشركة واحدة فقط على مدى عقد كامل، فإن كلفة الوصول إلى مستوى تنافسي مماثل قد تبلغ نحو 300 مليار يورو، أي ما يعادل 349 مليار دولار. وتتصاعد الكلفة بصورة أكبر عند الانتقال إلى طبقتي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. فشركات “أمازون ويب سيرفيسز” و”مايكروسوفت أزور” و”جوجل كلاود” تمثل استثمارات رأسمالية تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات، وشبكات الاتصال، والبنية البرمجية. وفي الوقت نفسه، ضخت شركات مثل “جوجل ديب مايند” و”أوبن أيه آي” استثمارات ضخمة مماثلة في البحث واستقطاب الكفاءات، بينما أنفقت “ميتا” وحدها أكثر من 30 مليار دولار، أي نحو 26 مليار يورو، على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في عام 2024. كما أن بناء قدرات أوروبية تضاهي المستوى الأمريكي الحالي في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي سيتطلب ما لا يقل عن 500 مليار يورو، أي نحو 582 مليار دولار، على مدى عقد كامل.

 

ثم تأتي طبقة الخدمات التي تقوم فوق جميع هذه المكونات، وتشمل أدوات الخرائط، ومنصات الفيديو، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، ومحركات البحث. وكل واحدة من هذه الخدمات هي نتاج استثمارات بمليارات الدولارات في التطوير، كما تتطلب إنفاقًا مستمرًا للحفاظ على كفاءتها التشغيلية على نطاق واسع. ويُقدَّر أن تطوير بدائل أوروبية لهذه الخدمات، تكون قادرة فعلًا على جذب المستخدمين وترسيخ حضورها في السوق، سيتطلب 200 مليار يورو إضافية، أي نحو 233 مليار دولار. وفي المحصلة، ستكون الكلفة الإجمالية هائلة.

المسارات المرجحة والتوصيات

في ضوء أن تحقيق استقلالية كاملة يظل خارج المتناول ماليًا، بل إنه ليس أصلًا الهدف الذي تسعى أوروبا إلى تحقيقه، ومع الأخذ في الاعتبار حجم الهشاشة التي يكشف عنها موقعها الحالي، تبرز مجموعة من السيناريوهات باعتبارها المسارات الأكثر ترجيحًا للمضي قدمًا.

 

اتساع الفجوة الأوروبية

في هذا السيناريو، تعجز أوروبا عن تضييق الفجوة في الطبقات التي تمثل أضعف نقاطها، وهي القدرة الحاسوبية، والحوسبة السحابية، والنماذج المتقدمة، وذلك بسبب ضخامة الكلفة والسرعة المطلوبة، بما يفوق مستوى الإرادة السياسية والتمويل المتاح. ونتيجة لذلك، يظل الاتحاد الأوروبي معتمدًا هيكليًا على البنية التحتية الأمريكية والصينية.

 

وفي الوقت نفسه، تبدأ أداته الرئيسية، أي الطبقة التنظيمية، في فقدان فاعليتها تدريجيًا، مع تكيّف الشركات الأمريكية والصينية مع القواعد الأوروبية أو تجاوز آثارها التشغيلية عبر امتصاص كلفتها. وفي نهاية المطاف، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى الامتثال لقواعد تكنولوجية تُصاغ وتُدار خارج حدودها. ويظل هذا السيناريو مرجحًا إذا استمرت مستويات التمويل والالتزام السياسي عند معدلاتها الحالية.

 

سيادة انتقائية قائمة على التخصص: في هذا السيناريو، وبدلًا من السعي وراء استقلالية كاملة عبر جميع طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي، تتبنى أوروبا خيارات استراتيجية مدروسة تركز من خلالها على بناء نقاط قوة حقيقية في عدد محدود من الطبقات التي تمتلك فيها ميزة نسبية فعلية، مثل بعض مجالات تطوير النماذج، أو استضافة القدرة الحاسوبية المرتبطة بتوافر الطاقة، أو تطبيقات محددة للذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي. وفي المقابل، تقبل أوروبا استمرار قدر محسوب ومنظم من الاعتماد على الخارج في الطبقات الأخرى، من خلال الشراكات، والمشروعات المشتركة، والترتيبات التجارية مع الولايات المتحدة أو غيرها.

 

وهذا هو المسار الذي تعكسه ضمنيًا الحزمة الحالية للمفوضية الأوروبية، إذ تقوم على التركيز على عدد محدود من الطبقات التي تبدو فرص تحقيق تقدم ملموس فيها أكبر، بدلًا من محاولة السيطرة على المنظومة بأكملها. ويُعد هذا السيناريو الأكثر اتساقًا مع التوجهات السياسية الراهنة والأهداف المعلنة للاتحاد الأوروبي. غير أن سجل السياسات الصناعية الأوروبية في تحويل الطموحات إلى إنجازات فعلية يبقى متباينًا، ما يجعل هذا السيناريو مرجحًا من الناحية النظرية، لكنه ينطوي عمليًا على مخاطر تنفيذية حقيقية.

 

القيادة التنظيمية بدل الريادة التقنية

في هذا السيناريو، تواصل أوروبا الاستثمار في قدراتها التنظيمية وفي صياغة المعايير، مع توظيف أطر تشريعية مثل “قانون الذكاء الاصطناعي” بوصفها أداتها الرئيسية لممارسة النفوذ عالميًا. غير أنها لا تحقق تقدمًا يُذكر في الطبقات التقنية الأساسية؛ إذ تظل القدرة الحاسوبية، والحوسبة السحابية، والنماذج المتقدمة خارج نطاق سيطرة الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير.

 

ويرتكز النفوذ الأوروبي في هذا السيناريو على قوة الأسواق الأوروبية، وعلى استعداد الشركات الأجنبية للامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي مقابل الحفاظ على إمكانية الوصول إلى هذه الأسواق. غير أن هذا الوضع يظل قابلًا للاستمرار فقط ما دامت أوروبا تحتفظ بثقل تجاري يجعل الاستغناء عنها أمرًا غير عملي. ويظل هذا السيناريو مرجحًا فقط إذا شهد الاستثمار في الطبقات التقنية حالة من الجمود، بالتزامن مع استمرار تصاعد الطموح التنظيمي الأوروبي.

 

وبناءً على ذلك، يُوصى بأن تتجنب بروكسل التعامل مع السيادة بوصفها هدفًا موحدًا ينبغي تحقيقه بصورة متساوية عبر جميع طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي. وبدلًا من ذلك، ينبغي أن تركز أولوياتها على الطبقات التي ينطوي الاعتماد الخارجي فيها على أكبر المخاطر الاستراتيجية، وفي مقدمتها القدرة الحاسوبية والطاقة، نظرًا لأنهما يشكلان الأساس الذي يقيّد كل ما يُبنى فوقهما.

 

وفي السياق نفسه، يجب توظيف الشراكات، سواء مع الولايات المتحدة، أو مع الديمقراطيات المتقاربة في التوجه، أو ضمن التحالفات الصناعية، بصورة استراتيجية ومدروسة لتعزيز القدرات في الطبقات التي لا يبدو تحقيق استقلالية أوروبية كاملة فيها واقعيًا خلال العقد المقبل. ولا ينبغي النظر إلى هذه الشراكات باعتبارها خيارًا احتياطيًا يُلجأ إليه فقط عند تعثر جهود تحقيق الاستقلالية، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا من الاستراتيجية الأوروبية منذ البداية.

 

كذلك، تحتاج أوروبا إلى قدر أكبر من الصراحة في تقييم حدود قيادتها التنظيمية بوصفها بديلًا عن امتلاك القدرات التقنية الفعلية، إذ إن فاعلية القواعد التنظيمية لا تستمر إلا ما دامت الأسواق الأوروبية تحتفظ بثقل تجاري يجعل الشركات الخاضعة لهذه القواعد غير قادرة عمليًا على تجاهلها.

 

وأخيرًا، في ظل التسارع الكبير الذي يشهده كل من التطور التكنولوجي والمشهد الجيوسياسي، تحتاج استراتيجية أوروبا للسيادة التكنولوجية إلى آليات مراجعة وتقييم مستمرة ومُدمجة، بدلًا من الارتكان إلى أهداف جامدة ممتدة لسنوات. فمن شأن ذلك أن يتيح تعديل خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالبناء، أو الشراكة، أو الاعتماد، بما يتلاءم مع التحولات المستمرة في البيئة المحيطة.

المراجع

Brunet, Karine. “Why the Race for Tech Sovereignty Is a Balancing Act.” World Economic Forum, January 13, 2026. Accessed June 11, 2026. https://www.weforum.org/stories/2026/01/race-for-tech-sovereignty-is-a-balancing-act/.

 

Carrera, Sergio, and Marco Stefan. “Digital Sovereignty: Can Europe Afford It?” Center for European Policy Analysis (CEPA). Accessed June 10, 2026. https://cepa.org/article/digital-sovereignty-can-europe-afford-it/.

 

European Commission. “Strengthening Europe’s Tech Sovereignty.” Shaping Europe’s Digital Future. Last modified June 3, 2026. Accessed June 13, 2026. https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/policies/eu-tech-sovereignty.

 

Fleming, Sam, and Chris Yiu. “Sovereignty in the Age of AI: Strategic Choices, Structural Dependencies.” Tony Blair Institute for Global Change. Accessed June 16, 2026. https://institute.global/insights/tech-and-digitalisation/sovereignty-in-the-age-of-ai-strategic-choices-structural-dependencies.

 

“AI Sovereignty’s Definitional Dilemma.” Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI), Stanford University. Accessed June 8, 2026. https://hai.stanford.edu/news/ai-sovereigntys-definitional-dilemma.

 

Yang, Guangshi, and co-authors. “Technological Sovereignty and Innovation Performance.” Research Policy 52, no. 6 (2023): Article 104767. Accessed June 12, 2026. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0048733323000495.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *