منذ مغادرة الدبلوماسي المصري بطرس غالي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة عام ١٩٩٦، بسبب اعتراض -فيتو- أمريكي منع تجديد ولايته، غاب الحضور العربي عن هذا المنصب الرفيع لقرابة ثلاثة عقود. هذا الغياب الطويل ليس مجرد صدفة، ولا يعود لغياب الكفاءات والخبرات الدبلوماسية العربية كما يعتقد البعض. بل هو في الحقيقة نتيجة لتقاطع إجراءات الترشح المٌعقدة داخل الأمم المتحدة مع حسابات القوى العالمية، والتي تشكل معاً حاجزاً يمنع وصول مرشحين عرب جدد لقيادة المنظمة.
وتعود جذور هذه المشكلة إلى طريقة التقسيم الداخلي للأمم المتحدة وقواعد التناوب بين القارات. فالنظام الانتخابي لا يتعامل مع الدول العربية ككتلة جغرافية واحدة، بل يقسمها بين "المجموعة الأفريقية" و"مجموعة آسيا والمحيط الهادئ". هذا التقسيم يضعف القوة التصويتية للعرب؛ فعندما يحين دور إفريقيا أو آسيا لتولي المنصب، يضطر المرشح العربي لمنافسة دول كبرى ذات ثقل سياسي وتعداد سكاني ضخم داخل هاتين القارتين، مما يجعل من الصعب الحصول على الدعم والإجماع الإقليمي اللازم لنجاحه.
إلى جانب هذا التقسيم الداخلي، تلعب الخلافات بين القوى الكبرى في مجلس الأمن دوراً حاسماً. فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد ساحة رئيسية لتنافس هذه القوى، مما يجعل أي مرشح عربي خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة ومشددة من قبل الدول الخمس دائمة العضوية. وبما أن الفوز بالمنصب يتطلب بالضرورة تجنب استخدام أي من هذه الدول لحق "الفيتو"، يصبح من الصعب جداً إيجاد مرشح يحظى برضا جميع الأطراف المتنافسة، خاصة وأن كل مرشح يُقيَّم بناءً على علاقات دولته وتحالفاتها العالمية. لذا، يسعي هذا التحليل إلى تفكيك شيفرة هذا الغياب الممتد فهل يُعد إحجام العواصم العربية عن خوض سباق الترشح خلال العقود الأخيرة تراجعاً واعترافاً بالعجز الدبلوماسي، أم أنه يمثل في واقعه انسحاباً تكتيكياً وقراراً استراتيجياً مدروساً لتجنب خوض معارك انتخابية صُممت قواعدها مسبقاً لاستبعاد مرشحي مناطق التماس الجيوسياسي المشتعلة؟
في البداية، قد تبدو جامعة الدول العربية، التي تضم ٢٢ دولة، قوة دبلوماسية قادرة على دعم مرشحها والتأثير في المحافل الدولية. لكن بالنظر إلى النظام الداخلي للأمم المتحدة، يتراجع هذا التأثير بشكل كبير. وتكمن المشكلة في أن المنظمة، بهدف تنظيم التمثيل والتنسيق، تقسم دولها إلى خمس مجموعات إقليمية رئيسية (أفريقيا، وآسيا والمحيط الهادئ، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، وأوروبا الشرقية، وأوروبا الغربية ودول أخرى). ورغم أن ميثاق الأمم المتحدة لا يفرض قانونياً مبدأ تناوب المناصب بين هذه القارات، إلا أن الجمعية العامة تشجع دائماً على مراعاة التناوب الجغرافي كعرف سياسي ومبدأ للتمثيل العادل وفقاً للفقرة ٥٩ من القرار ٧٧/٣٣٥؛ وهو ما يفسر، على سبيل المثال، تصاعد المطالبات بمنح مجموعة أمريكا اللاتينية فرصة أكبر في انتخابات عام ٢٠٢٦ نظراً لمحدودية تمثيلها تاريخياً.
وفي ظل قواعد هذا العرف السياسي، لا يعامل النظام الانتخابي الأممي الدول العربية ككتلة إقليمية مستقلة، بل يوزعها بين “المجموعة الأفريقية” و”مجموعة آسيا والمحيط الهادئ”. هذا التقسيم يضعف القوة التصويتية العربية ويحرمها من ميزة التكاتف؛ فعندما يحين دور أفريقيا أو آسيا لتقديم مرشحيهما، يجد المرشح العربي نفسه مضطراً لمنافسة دول كبرى ذات ثقل سياسي وتعداد سكاني ضخم داخل هاتين القارتين. والنتيجة الطبيعية لهذا النظام هي أن المرشح العربي يضطر لخوض منافسة صعبة داخل مجموعته أولاً لإثبات أحقيته، مما يضعف فرصه في الحصول على الدعم الإقليمي المبكر، والذي يُعد الخطوة الأولى نحو قيادة الأمم المتحدة.
وإذا كان نظام المجموعات الإقليمية يمثل العقبة الأولى، فإن تجاوزها يضع المرشح العربي أمام التحدي الأكبر والحاسم: مجلس الأمن الدولي. فمهما بلغت قوة المطالبات السياسية بالتناوب الإقليمي، فإنها لا تتفوق على شرط التوافق داخل المجلس. وبحسب المادة ٩٧ من ميثاق الأمم المتحدة، تُعين الجمعية العامة الأمين العام بناءً على توصية حصرية من مجلس الأمن؛ مما يجعل موافقة الدول الخمس دائمة العضوية، وتجنب استخدام أي منها لحق النقض “الفيتو”، العامل القانوني والفعلي الأهم في الاختيار.
وفي هذه المرحلة الحاسمة، لا يُقيَّم المرشح بناءً على سيرته الذاتية أو كفاءته فحسب، بل يُنظر إلى مدى قدرته على طمأنة القوى الكبرى بأن وجوده لن يهدد مصالحها. وهنا يتحول الموقع الاستراتيجي للمنطقة العربية إلى عبء دبلوماسي؛ فالشرق الأوسط يُعد ساحة رئيسية لتنافس قوى كبرى مثل، واشنطن، وموسكو، وبكين. هذا التداخل المعقد يجعل من الصعب جداً تقديم مرشح عربي يُنظر إليه على أنه “محايد” تماماً، إذ يُربط تلقائياً بالتحالفات الخارجية لدولته. فأي مرشح من دولة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب سيواجه رفضاً مباشراً (بالفيتو) من المعسكر الشرقي، والعكس صحيح تماماً في حال التقارب مع روسيا أو الصين.
ونتيجة لهذه التعقيدات، تشكك الدول دائمة العضوية في استقلالية المرشح العربي وتراه جزءاً من صراعاتها، مما يدفعها دائماً إلى تفضيل مرشحين يمثلون حلاً وسطاً لا يزعج أي طرف. وتعتمد هذه السياسة على استبعاد الشخصيات القادمة من مناطق النزاعات، والبحث عن دبلوماسيين من دول أكثر استقراراً وبعداً عن الخلافات العالمية الكبرى. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان إدارة المنظمة دون الإخلال بتوازن القوى الدقيق، وهو ما يفسر بوضوح بقاء المرشح العربي خارج الحسابات النهائية لقيادة الأمم المتحدة.
وإذا كانت عقبة “الفيتو” وتدخلات القوى الكبرى في مجلس الأمن تمثل حاجزاً قوياً أمام الطموحات العربية، فإن تجاوز هذا الحاجز يصطدم بمشكلة أخرى داخلية تتمثل في غياب التوافق الإقليمي. فمواجهة ضغوط الدول الخمس الكبرى تتطلب بالضرورة دعماً دبلوماسياً قوياً يستند إلى إجماع عربي متماسك. وهنا تظهر المشكلة؛ فضعف التنسيق العربي المشترك يمنح الدول الكبرى عذراً سهلاً لاستبعاد المرشحين العرب، بحجة أنهم لا يحظون بدعم وإجماع منطقتهم قبل أن يطلبوا ثقة المجتمع الدولي.
ويتضح هذا الضعف في غياب أي آلية ملزمة للتنسيق داخل جامعة الدول العربية، وذلك على عكس تكتلات إقليمية أخرى تنجح في توحيد صفوفها. فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يدير تحركاته في المنظمات الدولية بخطوات واضحة لدعم مرشحيه، وكذلك الاتحاد الإفريقي الذي طوّر طرقاً عملية لتسوية الخلافات الداخلية واختيار “مرشح قاري واحد” تدعمه جميع الدول الأعضاء. في المقابل، تفتقر المنظومة العربية إلى هذه الأدوات؛ إذ تعتمد طريقة عمل الجامعة العربية غالباً على القرارات الفردية، مما يمنع تحويل قوة المنطقة البشرية والسياسية والاقتصادية إلى كتلة تصويتية موحدة قادرة على التخطيط لدعم “مرشح عربي واحد”.
هذا الغياب للتنسيق المسبق يؤدي إلى مسارين كلاهما لا يخدم المصالح العربية. المسار الأول هو تقديم عدة مرشحين عرب يتنافسون في نفس الانتخابات، مما يؤدي تلقائياً إلى تشتيت الأصوات وإضعاف الموقف العربي. أو يمنح هذا الانقسام المرشحين المنافسين -سواء من آسيا أو من الدول الإفريقية غير العربية- فرصة سهلة لجمع الأصوات المطلوبة والفوز بالمنصب مستغلين التشتت العربي.
أما المسار الثاني، والذي أصبح توجهاً للعديد من الدول العربية في العقود الثلاثة الماضية، فيتمثل في الامتناع المسبق عن تقديم مرشحين من الأساس. وهذا التراجع لا يعني غياب الكفاءات والقدرات الدبلوماسية العربية، بل هو قرار سياسي مدروس؛ يهدف في الأساس إلى تجنب الإحراج الدبلوماسي، وعدم إهدار الجهد والوقت في منافسات يصعب الفوز بها مسبقاً، سواء بسبب غياب التكاتف العربي الداخلي، أو لصعوبة التغلب على عقبات التقسيم الجغرافي واعتراضات الدول الكبرى.
إن هذا التراجع والابتعاد عن ترشيح شخصيات عربية للمنصب -والذي يعود إلى ضعف التنسيق العربي المشترك كما ذكرنا سابقاً- قد أدى دون قصد إلى ظهور واحدة من أكثر المفاهيم الخاطئة في الأوساط الدبلوماسية، وهي فكرة “نقص الكفاءة”. فبسبب عدم وجود مرشحين عرب يتنافسون بقوة على مقعد الأمين العام، تميل بعض التحليلات إلى الاستنتاج بأن هذا الغياب سببه افتقار العالم العربي للكوادر والخبرات الدبلوماسية والإدارية القادرة على قيادة منظمة مٌعقدة مثل الأمم المتحدة. هذا الاستنتاج ليس فقط غير دقيق، بل يتناقض تماماً مع الواقع والبيانات التاريخية التي تثبت الحضور الفاعل للعرب في قيادة مؤسسات المنظمة الدولية.
وعند النظر إلى الحقائق، نجد أن الكفاءات الدبلوماسية العربية طالما تولت قيادة وإدارة أكثر الوكالات التابعة للأمم المتحدة تعقيداً وحساسية؛ وهي وكالات تتطلب مهارات إدارية وقدرات تفاوضية قد تفوق تلك المطلوبة في منصب الأمين العام نفسه. على سبيل المثال، نجحت القيادات العربية في إدارة وكالات ذات طابع أمني واستراتيجي دقيق، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك في أصعب فترات التوتر العالمي. كما شمل هذا الحضور البارز إدارة صناديق التنمية الكبرى، وقيادة مهام حفظ السلام، وتوجيه المنظمات المتخصصة في التنمية والبيئة. إن نجاح هذه الكفاءات في حل الأزمات وإدارة مؤسسات دولية فنية وتقنية معقدة، يُبطل تماماً فكرة وجود عجز في الخبرات أو القدرات الدبلوماسية العربية.
ختاماً، يتضح أن غياب الصوت العربي عن قيادة الأمم المتحدة منذ عهد الدكتور بطرس غالي عام 1996، ليس مجرد صدفة تاريخية، ولا يعكس بأي حال نقصاً في الكفاءات أو القدرات الدبلوماسية العربية. بل هو نتيجة لحسابات سياسية معقدة، وليس إلى نقص في الكفاءة. فالعالم العربي يمتلك بالفعل كفاءات بشرية مؤهلة لقيادة المنظمات الدولية، لكن هذه الكفاءات تصطدم بحواجز هيكلية قوية؛ فالمشكلة سياسية بامتياز وتتعلق بنظام التصويت، واعتراضات الدول الكبرى (الفيتو)، وعدم وجود جبهة عربية موحدة تدعم المرشح. بعبارة أخرى، المشكلة ليست في قدرة المرشح العربي على القيادة، بل في النظام الأممي المُصمم بطريقة تستبعد الشخصيات القادمة من مناطق النزاعات الكبرى من الوصول إلى قمة المنظمة.
علاوة علي، نظام التصويت داخل الأمم المتحدة، الذي يوزع أصوات الدول العربية بين قارتين، مما يضعف قوتها وتأثيرها. وعندما يضاف إلى ذلك حق “الفيتو” الذي تملكه الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، تصبح فرص فوز مرشح عربي مسألة بالغة الصعوبة، نظراً للتعقيدات والخلافات الدولية التي تحيط بمنطقة الشرق الأوسط.
بناءً على ذلك، يمكن فهم الأسباب الحقيقية وراء ابتعاد الدول العربية عن الدفع بمرشحين جدد خلال العقود الأخيرة. فهذا التراجع ليس دليلاً على العجز، بل هو “قرار سياسي مدروس”. فالقيادات تدرك أن الدخول في منافسة غير متكافئة، تفتقر إلى إجماع عربي موحد وتصطدم بالخلافات الدولية، سيمثل جهداً دبلوماسياً ضائعاً. لذا، كان تفضيل الابتعاد خطوة لتجنيب الكفاءات العربية الوقوع في دائرة المساومات والحسابات الخاصة بالقوى الكبرى.
ورغم ذلك، فإن هذا الوضع قابل للتغيير، خاصة وأن العالم يشهد اليوم تحولات متسارعة نحو نظام جديد تشارك فيه قوى متعددة تسعى لتطوير قواعد العمل الدولي. في ظل هذه التغيرات، لن يكفي تقديم مرشحين يمتلكون سيراً ذاتية ممتازة وخبرات واسعة فقط؛ بل يتطلب الأمر من الدول العربية التغلب على حالة التشتت وبناء جبهة دبلوماسية متماسكة. إن طريق العودة إلى قمة الأمم المتحدة يمر حتماً عبر وضع آلية عمل تخلق إجماعاً عربياً حقيقياً، مما يجعل دعم “المرشح العربي الموحد” خياراً ضرورياً لضمان التوازن الدولي، ويفرضه على طاولة مجلس الأمن كحق أصيل ومستحق، وليس كمجرد تسوية سياسية عابرة.
غالي، بطرس بطرس. خمس سنوات في بيت من زجاج. القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1999.
الأمم المتحدة. ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. نيويورك: إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة، 1945.
عبد الله، أحمد. “الديناميكيات الإقليمية وتأثيرها على العمل العربي المشترك.” مجلة السياسة الدولية، 54، العدد 212 (2018): 45-62.
Chesterman, Simon, Secretary or General: The UN Secretary-General in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.
Fasulo, Linda. An Insider’s Guide to the UN. 3rd ed. New Haven: Yale University Press, 2015.
Fawcett, Louise. International Relations of the Middle East. 5th ed. Oxford: Oxford University Press, 2019.
Sievers, Loraine, and Sam Daws. The Procedure of the UN Security Council. 4th ed. Oxford: Oxford University Press, 2014.
Tharoor, Shashi. “The UN Secretary-General: A Role in Need of Redefinition”. Global Governance, 13, no. 4 (2007): 495–500.
Terhalle, Maximilian. “Understanding the P5: The Veto Power and the Geopolitics of the Middle East”, International Affairs 91, no. 1 (2015): 133-151.
تعليقات