سراب الجغرافيا الآمنة: كيف أصبحت المناطق العازلة عبئاً عسكرياً على إسرائيل
الإصدارات

سراب الجغرافيا الآمنة: كيف أصبحت المناطق العازلة عبئاً عسكرياً على إسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات عميقة في طبيعتها الأمنية والجيوسياسية عقب الأحداث الكبرى التي بدأت مع السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ وامتدت وتيرتها حتى عام ٢٠٢٦. وفي قلب هذه التغيرات، برز تحول جذري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية. فبعد أن كانت إسرائيل تعتمد لسنوات طويلة على الهجمات الاستباقية السريعة والتقنيات العالية للدفاع عن بُعد دون الحاجة للسيطرة الدائمة على أراضٍ جديدة، تسببت الاختراقات غير المسبوقة لحدودها في تغيير هذه الاستراتيجية تماماً. فقد اتجهت إسرائيل اليوم نحو السيطرة الفعلية والمادية على أجزاء من الأراضي العربية، وبدأت في بناء حزام واسع ومتصل من المناطق العازلة، شمل قطاع غزة في الجنوب، وجنوب لبنان في الشمال، وصولاً إلى هضبة الجولان السورية.   تاريخياً، كانت المناطق العازلة تُعرف بأنها مساحات هادئة ومنزوعة السلاح تهدف إلى الفصل بين الأطراف المتنازعة لمنع الاحتكاك. لكن إسرائيل أعادت صياغة هذا المفهوم كلياً، وحوّلت هذه المناطق إلى أدوات للسيطرة الأمنية المطلقة. وتهدف من خلال ذلك إلى خلق مساحات عسكرية محصنة تمنحها عمقاً استراتيجياً، وتقضي على التهديدات الحدودية والأنفاق، وتُبعد ساحة المعركة تماماً عن مدنها ومراكزها السكانية. ورغم وضوح هذه الأهداف، إلا إن هذا التوجه يضع المخططين العسكريين الإسرائيليين أمام ورطة حقيقية؛ فإبقاء قوات كبيرة من المشاة والمدرعات بشكل دائم داخل مناطق معادية ومضطربة، يهدد بتحويل هذه الأحزمة التي يُفترض بها أن تكون آمنة إلى ساحات استنزاف عسكري مستمر ومكلف. وينطلق هذا التحليل ليطرح تساؤلاً جوهرياً ومحورياً: هل تُمثل هذه الأشرطة الحدودية طوق أمان حقيقي يضمن بقاء إسرائيل وأمنها على المدى الطويل، أم أنها تحولت بالفعل إلى فخ يستنزف قدراتها يوماً بعد يوم؟