كتب بواسطة

أظهرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمًا واضحًا على إعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، باعتبارها إحدى الدوائر الرئيسة في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، عادت كوبا إلى واجهة المشهد بوصفها إحدى أبرز بؤر التوتر في المنطقة. ومع التوسع المتواصل للنفوذ الاقتصادي والاستراتيجي لكل من بكين وموسكو في هافانا، تحولت كوبا إلى ساحة رئيسة للتنافس بين القوى الكبرى، تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا. وانطلاقًا من اعتبار هذا الحضور المتنامي تهديدًا مباشرًا، صعّدت واشنطن من حدة خطابها تجاه الجزيرة. والأهم أن الإدارة وصفت كوبا صراحة بأنها "دولة فاشلة"، وهو توصيف لا يسلط الضوء على عمق أزماتها الداخلية فحسب، بل يعكس أيضًا قناعة واشنطن بأن التدخل الاستباقي والحاسم بات ضرورة للحيلولة دون تفاقم حالة عدم الاستقرار في جوارها المباشر.

 

ويعكس هذا الانخراط الأمريكي المتزايد في نصف الكرة الغربي توجهًا راسخًا نحو إحكام السيطرة الإقليمية والحد من تمدد المنافسين الجيوسياسيين. ولا ينفصل هذا التوجه عن الإرث الاستراتيجي لعقيدة مونرو، التي قامت تاريخيًا على تكريس الهيمنة الأمريكية في القارة الأمريكية ورفض أي نفوذ خارجي داخلها. وفي خضم هذا التصعيد المتنامي، يبرز تساؤل استراتيجي محوري: هل باتت الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى التدخل العسكري المباشر لحسم الملف الكوبي، أم ستواصل انتهاج سياسة "الضغط الأقصى"، بالاعتماد على أدوات قسرية تشمل العقوبات الاقتصادية المشددة، والعزلة الدبلوماسية، والضغط السياسي، من أجل تحقيق أهدافها بعيدة المدى؟

كوبا كهدف استراتيجي دائم

احتلت كوبا موقعًا ثابتًا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر. ففي عام 1898، ساعدت الولايات المتحدة الجزيرة على نيل استقلالها من إسبانيا، غير أن ذلك انتهى عمليًا إلى خضوعها للنفوذ والسيطرة الأمريكية حتى عام 1902. وخلال العقود التالية، شهدت كوبا أنماطًا متعاقبة من التدخل الأمريكي المباشر وغير المباشر، في إطار سعي واشنطن إلى ترسيخ هيمنتها والحفاظ على نفوذها في نصف الكرة الغربي.

 

ويستند هذا التوجه إلى مرتكز أوسع يتمثل في مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام 1823. فبينما استهدف المبدأ في بداياته ردع التدخلات الأوروبية في شؤون القارة الأمريكية، تحول تدريجيًا إلى مرجعية استندت إليها الولايات المتحدة لتبرير تدخلها في شؤون دول أمريكا اللاتينية، بل وفي نصف الكرة الغربي على نطاق أوسع.

 

وعلى مر العقود، أُعيد تفسير هذا المبدأ مرارًا لتوفير غطاء سياسي للتدخل الأمريكي، ولا سيما خلال الحرب الباردة في ستينيات القرن العشرين، حين انحازت كوبا إلى الاتحاد السوفيتي، وأقدمت الحكومة الاشتراكية على تأميم الأصول الأمريكية، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى فرض حصار شامل على الجزيرة. ومع مرور الوقت، انتقلت أدوات الضغط الأمريكية من التدخل العسكري المباشر إلى الحصار الاقتصادي، والعقوبات، والرسوم الجمركية المرتفعة، والعزلة الدبلوماسية.

 

وفي الوقت الراهن، يسعى ترامب إلى تشديد عزلة كوبا عبر استهداف مصدرها الرئيس للنفط، وهو فنزويلا، من خلال إحكام الضغوط عليها وفرض رسوم جمركية على أي دولة تزود الجزيرة بالنفط. كما يعمل على إحكام الحصار بحرمان كوبا من إمدادات الوقود، وتوسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات الطاقة والتمويل والأعمال. وتعتقد الإدارة الأمريكية أن افتعال أزمات اقتصادية ومعيشية حادة من شأنه زيادة الضغوط على الحكومة الكوبية، بما يسهل تعزيز النفوذ الأمريكي في الجزيرة. ونتيجة لذلك، تعاني البلاد من اضطرابات واسعة في الخدمات العامة الأساسية، شملت المستشفيات، إلى جانب تعطل كبير في قطاع الطيران، ونقص في الغذاء، وتصاعد الضغوط السياسية.

 

إحياء مبدأ مونرو

سعى ترامب إلى إعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، وهو ما انعكس في تحركاته تجاه فنزويلا، وكذلك في تصريحاته بشأن ضم جرينلاند. فقد أبدى اهتمامًا بضم الجزيرة، مبررًا ذلك باعتبارات تتعلق بالأمن القومي والثروات المعدنية، كما أذن بتنفيذ عملية عسكرية استهدفت القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

 

وفي هذا السياق، برز مصطلحا “عقيدة دونرو” (Donroe Doctrine) و”ملحق ترامب” (Trump Corollary) لوصف التوجهات التي تبنتها إدارة ترامب الثانية تجاه الأمريكتين، والتي تقوم على إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي وتقليص نفوذ القوى الخارجية، وفي مقدمتها الصين وروسيا وإيران. ويتجسد هذا النهج في توسيع الحضور العسكري والبحري الأمريكي، وممارسة ضغوط اقتصادية على الحكومات الخصمة، واستهداف الأنظمة التي تُعد حليفة لمنافسي الولايات المتحدة.

 

ويستند هذا التوجه إلى مقاربة أمنية تصوّر بعض دول المنطقة باعتبارها مصدرًا لتهديدات عابرة للحدود، أبرزها الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات، بما يمس الأمن القومي الأمريكي. ومن ثم، يُستخدم هذا التصور لتبرير التدخل الأمريكي، عبر تقديمه بوصفه ضرورة لاحتواء تلك التهديدات ومنع امتدادها إلى داخل الولايات المتحدة.

 

وفي هذا الإطار، وجّه ترامب أنظاره إلى كوبا في أكثر من مناسبة خلال العام الجاري. ففي 29 يناير 2026، أعلنت الإدارة الأمريكية أن الحكومة الكوبية تمثل “تهديدًا استثنائيًا” للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، مؤكدة أنها ستفرض رسومًا جمركية على أي دولة تزود كوبا بالنفط أو تبيعه لها. وفي 5 مارس 2026، صرّح ترامب بأن كوبا تمثل الهدف التالي على أجندة إدارته بعد الحرب مع إيران.

 

ثم عاد، في 13 أبريل 2026، ليلمح إلى أن الولايات المتحدة قد تتجه إلى كوبا بعد الانتهاء من إيران. ومنذ ذلك الحين، كثفت واشنطن ضغوطها على الحكومة الكوبية بهدف دفعها إلى طاولة المفاوضات. وفي هذا السياق، سعت الولايات المتحدة إلى تعميق الأزمة الاقتصادية في الجزيرة عبر فرض حصار نفطي وتشديد أشكال أخرى من الحظر والعقوبات، وذلك قبل الإقدام على أي عمل عسكري مباشر.

 

وتشير هذه التطورات إلى تحول ملحوظ في النهج الأمريكي، من سياسة الاحتواء الصارم إلى مقاربة أكثر هجومية. ومع تزايد النظر إلى نصف الكرة الغربي باعتباره مجالًا حيويًا للنفوذ الأمريكي، يبرز تساؤل محوري حول ما إذا كانت إدارة ترامب قد تلجأ إلى غزو شامل لكوبا، أم أنها ستواصل الاعتماد على استراتيجيات ضغط بديلة لتحقيق أهدافها.

كوبا في صدارة الأولويات الاستراتيجية الأمريكية

قد يؤدي التحول في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية إلى إعادة صياغة نهج واشنطن تجاه كوبا. ففي ظل سعي إدارة ترامب إلى تقليص انخراطها في الساحات الخارجية مرتفعة الكلفة، تتجه بوصلة الاهتمام الأمريكي بصورة متزايدة نحو نصف الكرة الغربي، باعتباره المجال الأكثر ارتباطًا بالمصالح الاستراتيجية المباشرة للولايات المتحدة.

 

ورغم خصوصية البيئة السياسية والأمنية في كوبا، فإنها تمتلك سمة تجعلها تحظى باهتمام خاص في الحسابات الأمريكية، تتمثل في وجود مؤسسة ذات طابع عسكري تهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتتمتع بنفوذ متجذر داخل بنية النظام السياسي. وتؤدي هذا الدور في كوبا “مجموعة إدارة الأعمال” (GAESA)، التي تُعد إحدى الركائز الرئيسة للنظام الحاكم، الأمر الذي يجعل تقويض نفوذها أو تفكيك بنيتها مهمة شديدة التعقيد.

 

غير أن هذا النهج ينطوي على مخاطر تتمثل في احتمال أن تقع إدارة ترامب في سوء تقدير مشابه لذلك الذي وقعت فيه في تعاملها مع إيران. ففي الحالة الإيرانية، قللت الإدارة من عمق الترابط بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية الحاكمة، وافترضت أن استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي سيدفع الشارع الإيراني إلى الانتفاض ضد نظام الجمهورية الإسلامية، بما يؤدي إلى تقويض نفوذ الحرس الثوري، ومن ثم انهيار النظام بأكمله.

 

غير أن هذا التقدير استند إلى قراءة تأثرت إلى حد كبير برؤية أطراف المعارضة الإيرانية التي غادرت البلاد عقب الثورة الإسلامية، أكثر مما استند إلى الواقع الداخلي للمجتمع الإيراني. وأفضى ذلك إلى فهم غير دقيق لتوازنات الداخل الإيراني وتعقيدات المشهد السياسي، وهو ما حال دون تحقيق الهدف المعلن المتمثل في إسقاط النظام، كما أفضى إلى إخفاق الإدارة في بلوغ الأهداف الأولية التي اعتقدت أنها قابلة للتحقق.

 

وينطبق قدر من هذا المنطق على الحالة الكوبية. فمجموعة إدارة الأعمال (جايسا) تمثل المؤسسة المهيمنة في قلب المنظومة الاقتصادية والسياسية في كوبا. وبدعم من القوات المسلحة الثورية الكوبية، يُقدَّر أنها تسيطر على أكثر من 70% من الاقتصاد الوطني، ونحو 95% من النظام المالي، وهو ما يجعلها أحد الأعمدة الرئيسة لعملية صنع القرار في البلاد. ومن ثم، فإن تقويض نفوذها أو تفكيك بنيتها المؤسسية يظل هدفًا بالغ التعقيد بالنسبة للإدارة الأمريكية.

 

ويعزز هذا التحدي أن شريحة واسعة من الكوبيين الذين غادروا بلادهم قبل الثورة واستقروا في ولاية فلوريدا، ومن بينهم والدا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تنتمي إلى طبقة رجال الأعمال التي عارضت حكومة فيدل كاسترو خشية فقدان ممتلكاتها. إلا أن هذا الواقع يختلف عن المشهد داخل كوبا، حيث لا تزال المعارضة الداخلية محدودة التأثير، بينما يترك نظام الحزب الواحد هامشًا ضيقًا للغاية أمام نشوء قوة سياسية موحدة قادرة على تقديم بديل للنظام القائم. وفي المقابل، ورغم معاناة المواطنين من الأوضاع الاقتصادية والسياسية، فإن قطاعًا واسعًا منهم يرفض أي تدخل عسكري أمريكي ويتمسك بالدفاع عن سيادة البلاد.

 

وعلاوة على ذلك، أظهرت الحرب مع إيران أن العمل العسكري ليس بالضرورة الخيار الأكثر فاعلية. فقد واجهت الولايات المتحدة ردًا استراتيجيًا من جانب طهران استهدف قواعدها العسكرية وسفنها في مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من تداعيات إنسانية واقتصادية جسيمة. وتشير هذه التجربة إلى أن أدوات الضغط القسرية الأخرى قد تحقق نتائج أكبر بكلفة أقل من اللجوء إلى الخيار العسكري المباشر.

 

إلى جانب ذلك، تختلف كلفة أي عمل عسكري محتمل ضد كوبا بصورة جوهرية عن الحالة الإيرانية. فالقرب الجغرافي للجزيرة من الولايات المتحدة يزيد احتمالات اندلاع موجات هجرة جماعية، بما قد يفاقم حالة عدم الاستقرار الإقليمي ويفرض أعباءً مالية وسياسية إضافية على الإدارة الأمريكية. كما يُرجح أن يفضل ترامب تجنب تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إدارته نتيجة الانخراط في ثلاث حروب خلال ولاية رئاسية واحدة.

هل تكون كوبا الهدف التالي؟

من غير المرجح أن تنخرط الولايات المتحدة في تدخل عسكري مباشر في كوبا، نظرًا لما ينطوي عليه هذا الخيار من تكاليف عسكرية واقتصادية ودبلوماسية باهظة، فضلًا عن غياب بديل واضح لمرحلة ما بعد النظام. وفي ضوء هذه المعطيات، قد تفضل واشنطن المضي نحو تسوية اقتصادية تعيد رسم مستقبل العلاقات الأمريكية الكوبية، بدلًا من اللجوء إلى الخيار العسكري المباشر.

 

ولا توجد ضرورة استراتيجية ملحة تدفع نحو عمل عسكري ضد كوبا، إذ لا تمثل الجزيرة تهديدًا عسكريًا مباشرًا أو وشيكًا للأمن القومي الأمريكي، بخلاف موقعها خلال الحرب الباردة. كما أنها تفتقر إلى الثقل الاستراتيجي الذي قد يبرر الكلفة المالية والسياسية الباهظة لأي تدخل عسكري. ومن ثم، فإن هذا الاختلال بين محدودية المكاسب المحتملة وارتفاع الكلفة المتوقعة يُرجح أن يحدد ملامح السياسة الأمريكية المقبلة تجاه كوبا، وأن يحد من خياراتها في التعامل مع الجزيرة.

 

وعلاوة على ذلك، تشير التجارب إلى أن العمليات العسكرية ليست دائمًا خيارًا يمكن التحكم في مساره أو ضمان نتائجه، بل قد تفضي إلى اضطرابات جيوسياسية أوسع أو تداعيات اقتصادية غير محسوبة. كما أن ما بدا أنه “انتصار سريع” في فنزويلا لا ينبغي اعتباره نموذجًا يمكن تعميمه. فعلى خلاف كاراكاس، تفتقر كوبا إلى معارضة سياسية موحدة تمتلك القدرة على إدارة البلاد في مرحلة ما بعد النظام.

 

وعلاوة على ذلك، تُبدي القيادة الكوبية استعدادًا للتفاوض بشأن حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، تشمل السماح باستثمارات الكوبيين المقيمين في الخارج، وتعزيز قطاع السياحة، والإفراج عن السجناء السياسيين، وملف الهجرة. غير أنها ترفض تقديم أي تنازلات تمس جوهر السيادة، وفي مقدمتها التخلي عن السلطة. وفي ضوء ذلك، تبدو فرص توصل واشنطن إلى تفاهم قائم على التنازلات المتبادلة أكبر من احتمالات لجوئها إلى الخيار العسكري.

 

ومن المرجح أن يفضل ترامب تشديد سياسة الخنق الاقتصادي عبر توسيع نطاق العقوبات والقيود التجارية، بدلًا من الإقدام على غزو عسكري تقليدي. كما يبدو أن السعي إلى إحداث تغيير في النظام من خلال ضغوط غير مباشرة ودعم مسارات التحول السياسي يمثل خيارًا أكثر انسجامًا مع رغبته في تحقيق “انتصار سريع” من دون تحمل كلفة التدخل العسكري ومخاطره. وإلى جانب ذلك، فإن أي تدخل عسكري مباشر في كوبا قد يفضي إلى موجات هجرة واسعة باتجاه الولايات المتحدة، وهو سيناريو تحرص الإدارة على تجنبه، ولا سيما في ظل تبنيها سياسات متشددة تجاه الهجرة.

 

لا يتمثل الهدف من تصعيد الضغوط الاقتصادية بالضرورة في إسقاط الحكومة الكوبية على نحو فوري، بقدر ما يتمثل في دفع هافانا إلى إعادة تقييم حساباتها بشأن كلفة المواجهة وجدواها. فكلما تفاقمت الأزمة الاقتصادية، ازدادت الكلفة التي تتحملها الحكومة الكوبية إلى مستويات يصعب الاستمرار في تحملها. ومن هذا المنطلق، قد تسعى واشنطن إلى دفع السلطات الكوبية إلى الجلوس على طاولة المفاوضات من موقع أضعف، وبشروط تميل بدرجة كبيرة إلى خدمة المصالح الأمريكية. وبهذا المعنى، لا تصبح العقوبات والحصار النفطي غاية في حد ذاتهما، بل ورقتي ضغط تفاوضيتين تتيحان للإدارة الأمريكية استخدام الرفع التدريجي والانتقائي للعقوبات مقابل الحصول على تنازلات اقتصادية ذات طابع هيكلي.

 

وفي نهاية المطاف، قد تُفضي هذه المقاربة إلى التوصل إلى تسوية اقتصادية بين الحكومتين، تقوم على تخفيف واشنطن تدريجيًا للعقوبات وتشجيع تدفق الاستثمارات، مقابل إقدام كوبا على تنفيذ إصلاحات هيكلية تشمل خصخصة عدد من الشركات المملوكة للدولة لتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار الأجنبي، ولا سيما الاستثمارات الأمريكية، خاصة في قطاعي النفط والتعدين. وفي المقابل، قد تسمح الولايات المتحدة لهافانا بالحصول على احتياجاتها من الطاقة والتكنولوجيا، بالتوازي مع إرساء إطار للتعاون بين البلدين في الحد من الهجرة غير النظامية إلى الولايات المتحدة.

 

وتبرز معضلة أساسية عند الانتقال إلى مرحلة التنفيذ؛ إذ إن مجموعة إدارة الأعمال “جايسا” متغلغلة بعمق في بنية النظام، ما يجعل تفكيكها أمرًا بالغ الصعوبة. ومن ثم، قد تقبل واشنطن باستمرار هيمنتها بدلًا من السعي إلى إقصائها، شريطة أن تتحول إلى الجهة المؤسسية المسؤولة عن إدارة الاستثمارات الأجنبية. وفي هذه الحالة، يُرجح أن تتخذ الخصخصة أشكالًا جزئية وتدريجية، من بينها إنشاء مشروعات مشتركة، والسماح بتملك الأجانب حصصًا أقلية، أو تحرير قطاعات محددة، بدلًا من تفكيك الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية تفكيكًا كاملًا.

 

ومن شأن مثل هذا الاتفاق أن يعيد توجيه ارتباط الاقتصاد الكوبي تدريجيًا نحو الولايات المتحدة، على حساب ما تنظر إليه إدارة ترامب بوصفه نفوذًا خارجيًا تمارسه كل من الصين وروسيا. وانطلاقًا من هذا التصور، قد تسعى واشنطن إلى إحلال الاستثمارات الأمريكية والأوروبية محل الاستثمارات الروسية والصينية في كوبا، ولا سيما في القطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة، والاتصالات، والسياحة، والموانئ.

 

غير أن هذا المسار المحتمل قد يصطدم بتوجهات ماركو روبيو، الذي يقود حاليًا المفاوضات مع المسؤولين الكوبيين، ويتبنى موقفًا يدعو إلى إسقاط النظام الشيوعي في كوبا، ويربط أي انفتاح اقتصادي أو تدفق للاستثمارات بتحقق هذا التغيير. وبناءً على ذلك، فإن أي انتقال من سياسة الإكراه إلى مسار تفاوضي لن يخلو من معارضة داخل إدارة ترامب نفسها. كما قد يحمل كلفة سياسية للرئيس على صعيد تأييد الأمريكيين من أصول كوبية، الذين يرى قطاع واسع منهم أن التدخل العسكري الأمريكي يظل السبيل الوحيد لإحداث تغيير في النظام، بينما يستبعدون المسار الاقتصادي بوصفه بديلًا مجديًا.

 

وخلاصة القول، أنه رغم أن التدخل العسكري الأمريكي المباشر في كوبا يبدو مستبعدًا في المدى المنظور، فإن القضية تثير تساؤلات أوسع بشأن مستقبل مبدأ سيادة الدول. فالمسألة لا تقتصر على احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية، بل تمتد إلى ما إذا كانت مثل هذه الممارسات ستغدو أكثر قبولًا داخل الخطاب الاستراتيجي الأمريكي في عهد ترامب، بما قد يفضي إلى إضفاء قدر من المشروعية على توظيف أدوات الإكراه في العلاقات بين الدول الكبرى والدول التي تُصنَّف على أنها “دول فاشلة”. وفي هذا السياق، فإن استهداف الدول التي تنتهج سياسات أو تتبنى توجهات لا تنسجم مع المصالح والأجندة الأمريكية ينطوي على مخاطر حقيقية تهدد بتقويض مبدأ السيادة، بوصفه أحد المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي.

المراجع

——. “Addressing Threats to the United States by the Government of Cuba.” The White House. January 29, 2026. https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2026/01/addressing-threats-to-the-united-states-by-the-government-of-cuba/

 

——. “Cuba on the brink | GZERO World with Ian Bremmer.” GZERO Media. April 27, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=WTLPWMjnJ2c

 

——. “The Monroe Doctrine: Two hundred years too long.” Cuba Solidarity Campaign. April 19, 2023. https://cuba-solidarity.org.uk/news/article/4463/the-monroe-doctrine-two-hundred-years-too-long

 

 

Buschschlüter, Vanessa. “Why has Trump attacked Venezuela and taken Maduro?.” BBC. January 3, 2026. https://www.bbc.com/news/articles/c93n4nx5yqro

 

Chambers, Francesca. “Inside Marco Rubio’s Cuba gamble as Trump pushes a ‘friendly takeover’.” USA Today. March 30, 2026. https://www.usatoday.com/story/news/politics/2026/03/23/marco-rubio-cuba-talks-trump/89007087007/

 

Forsans, Nicolas. “The US is starving Cuba of fuel – here’s what a deal between them could look like.” The Conversation. February 12, 2026. https://theconversation.com/the-us-is-starving-cuba-of-fuel-heres-what-a-deal-between-them-could-look-like-275765

 

Landale, James and Rachel Hagan. “Trump says US ‘has to have’ Greenland after naming special envoy.” BBC. December 23, 2025. https://www.bbc.com/news/articles/ckgmd132ge4o

 

León, Lourdes Dávalos. “Cuba undergoes a far-reaching transformation of its economic system. Notes for international business.” Chambers. June 22, 2026. https://chambers.com/articles/cuba-undergoes-a-far-reaching-transformation-of-its-economic-system-notes-for-international-busines

 

Morales, Emilio. (2025). “GAESA: Kleptocratic State.” Cuba Siglo 21, no. 41. https://cubasiglo21.com/gaesa-kleptocratic-state/

 

Shea, Cécile. “Why Trump Is Focused on Cuba.” The Chicago Council on Global Affairs. March 18, 2026. https://globalaffairs.org/commentary/analysis/why-trump-focused-cuba

 

Tercan, Canan. “Cuba as the next target: Inside America’s regime change model.” Daily Sabah. April 1, 2026. https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/cuba-as-the-next-target-inside-americas-regime-change-model

 

Tharoor, Ishaan. “The year of the ‘Donroe Doctrine’.” The Washington Post. December 31, 2025. https://www.washingtonpost.com/world/2025/12/31/year-donroe-doctrine/

 

The While House. “National Security Strategy of the United States of America.” Seal of the president of the United States. (Washington, DC: December, 2017). https://trumpwhitehouse.archives.gov/wp-content/uploads/2017/12/NSS-Final-12-18-2017-0905.pdf

 

Wang, Philip. “Rolling Blackouts, Hospital Shortages: How the U.S. Oil Blockade Is Impacting Cuba.” Time. February 9, 2026. https://time.com/7373215/cuba-us-blockade-oil-venezuela/

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *