كتب بواسطة

مع انقضاء إطار الستين يوماً الذي حددته مذكرة التفاهم، تجد منطقة الشرق الأوسط نفسها أمام فراغ جيوسياسي شديد التعقيد، وذلك إثر الإخفاق في بلورة اتفاق استراتيجي ينهي حالة الاحتقان أو يُفضي إلى إعادة الفتح الكامل لمضيق هرمز. هذا الانقضاء لا يعبر بالضرورة عن انهيار دراماتيكي مفاجئ للمفاوضات، بل يفرض تساؤلاً استراتيجياً جوهرياً حول طبيعة المرحلة المقبلة. يبدو المشهد وكأنه انتقال تكتيكي ومدروس من مسارات الدبلوماسية التقليدية نحو مرحلة مريرة من سياسة عض الأصابع وحرب الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران، وهو ما يضع أمن الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم - والذي يمر عبره نحو ٢١ مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل ٢٠٪من الاستهلاك العالمي للنفط، بالإضافة إلى نحو ٢٠٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال - تحت رحمة الحسابات السياسية المتقلبة.

 

وتتطلب قراءة السلوك الأمريكي في هذا الملف تفكيكاً دقيقاً لزاويتين تبدوان متناقضتين ظاهرياً لكنهما تتكاملان في تفسير المشهد الراهن؛ إذ يمكن قراءة تصريحات الرئيس ترامب - التي أكد فيها غياب أي جدول زمني ضاغط لمعالجة الأزمة - كجزء من عقيدة المناورة التكتيكية. تراهن واشنطن في هذه المساحة على سلاح الزمن لتطبيق خنق اقتصادي ممنهج، مستندة إلى استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وتكثيف حزم العقوبات. الهدف الاستراتيجي هنا هو دفع الاقتصاد الإيراني نحو نقطة الانكسار، وإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية دون اضطرار الولايات المتحدة للانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة. غير أن قراءة موازية وعميقة تشير إلى أن هذا الهدوء التكتيكي يغلف معضلة كلاسيكية تقيد الخيارات الأمريكية؛ فاللجوء إلى التصعيد العسكري الشامل سيفرض تكلفة أمنية ومادية باهظة، قد تدفع بأسعار التأمين البحري وعقود الطاقة الآجلة إلى قفزات ثنائية الخانات، مما يهدد سلاسل الإمداد العالمية. وفي الوقت ذاته، فإن الخضوع لشروط طهران يعني تسليم الملاحة الدولية للإرادة الإيرانية، مما يجعل الجمود الحالي مجرد تجميد قسري يعكس إحباطاً مؤسسياً من غياب الحلول الجراحية الفعالة.

 

على الجانب الاستراتيجي المقابل، لم تقف طهران في موقع المتلقي السلبي للضغوط، بل هندست استراتيجية مضادة تعتمد على إعادة تعريف قواعد الاشتباك وتوظيف تسليح الجغرافيا كرافعة تفاوضية شديدة الوطأة. في خطوة بالغة الدلالة، نجحت إيران في إزاحة ثقل الاهتمام الدولي مؤقتاً عن تعقيدات طموحاتها النووية ومسارات تخصيب اليورانيوم، لتستثمر في نقاط الاختناق البحري (Choke points) كأداة ضغط فوري. لقد حوّلت طهران مسألة السيطرة على حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز إلى ورقة تفاوضية حاسمة، لتثبت قدرتها على إرباك الحسابات الجيواقتصادية العالمية. وتجلت ملامح سياسة حافة الهاوية الإيرانية في الشروط الجذرية التي وضعتها لفتح المضيق؛ حيث لم تكتفِ بالمطالبة برفع الحصار، بل صعدت سقف مطالبها ليشمل سحب القوات الأمريكية، ودفع تعويضات مالية، وصولاً إلى التمسك بالسيطرة الأمنية الحصرية على الممر المائي والتلويح بفرض رسوم عبور سيادية. هذا التصعيد المفرط لا يعكس بالضرورة رغبة في تحقيق مكاسب فورية ودفعة واحدة، بل يهدف إلى هندسة أمر واقع جيوسياسي جديد يمنح المفاوض الإيراني هوامش مقايضة أوسع ويضع الإدارة الأمريكية في مربع الدفاع.

تقاطع المناورة مع الإحباط الاستراتيجي

لتفكيك شيفرة السلوك الاستراتيجي الأمريكي في التعاطي مع أزمة مضيق هرمز ومرحلة ما بعد انقضاء المهلة الزمنية، يتحتم علينا تجاوز التحليلات الظاهرية التي تميل إلى وضع الأمور في قوالب حدية مبسطة. إن القراءة المتأنية لآليات صنع القرار في واشنطن تتطلب الغوص في مساحات رمادية بالغة الدقة، تتقاطع فيها إرادة المناورة التكتيكية مع واقع الإحباط الاستراتيجي. مما يضع المشهد أمام زاويتين تبدوان في ظاهرهما متناقضتين تماماً، إلا أنهما، في التحليل المعمق للسياسة الواقعية، تتكاملان معاً لتشكيل مشهد جيوسياسي معقد يفسر حالة اللاحسم الراهنة وتفاعلات ديناميكيات القوة في المنطقة.

 

من الزاوية الأولى، يمكن استيعاب تصريحات الإدارة الأمريكية، وتحديداً تأكيدات الرئيس ترامب بأنه ليس في عجلة من أمره وبأن الأزمة تدار بمنأى عن أي جدول زمني ضاغط، بوصفها تطبيقاً حرفياً لعقيدة المناورة التكتيكية المدروسة. في هذا الإطار، لا تنظر واشنطن إلى الوقت كعامل استنزاف لها، بل تعمد إلى تحويل الزمن ذاته إلى سلاح جيواقتصادي فتاك. تعتمد هذه الاستراتيجية على استدامة سياسة الضغوط القصوى وإحكام الخنق الاقتصادي الممنهج من خلال إعلان باليوم الاقتصادي الحاسم (D-Day) والتي ينظر إليها على أنها أقرب إلي الإنذار التمهيدي من حملة عقوبات جديدة تكون أشد صرامة وحدة كما أنها لم تتضمن أي إجراءات محددة ضد دول أو شركات بعينها، عبر توظيف الحصار البحري غير المعلن، وتضييق الخناق على حركة الموانئ الإيرانية التي تعد بمثابة العصب الحيوي للتجارة الإيرانية. بالتوازي مع ذلك، يتم تكثيف حزم العقوبات الموجهة ضد شرايين الاقتصاد الكلي في طهران لضرب قطاعات الطاقة والمصارف المركزية. وتدعم البيانات هذا التوجه؛ فتقليص صادرات النفط الإيرانية إلى مستويات حرجة، وتآكل احتياطيات النقد الأجنبي، وتضاعف معدلات التضخم، فضلاً عن تعميق العزلة التكنولوجية والمالية، هي أدوات ترتكز عليها الإدارة الأمريكية في رهانها على دفع بنية الاقتصاد الإيراني نحو نقطة الانكسار الهيكلي.

 

إن الهدف الاستراتيجي لواشنطن من وراء هذا المسار البطيء يتجاوز مجرد العقاب المرحلي؛ إذ تسعى واشنطن من خلاله لهندسة بيئة ضاغطة ومستدامة تجبر صانع القرار في طهران على التراجع التدريجي وتقديم تنازلات جوهرية وحاسمة تمس صلب العقيدة الأمنية الإيرانية. وتتجلى براعة هذا الخيار في محاولته تحقيق أهداف استراتيجية عليا تعادل في نتائجها الكلية تحقيق انتصار عسكري كاسح، ولكن دون الاضطرار إلى إطلاق رصاصة واحدة، أو الانزلاق نحو مستنقع مواجهة عسكرية مفتوحة في مسرح عمليات بحري وبري شديد التعقيد، وهو ما يجنب واشنطن استنفاد رصيدها السياسي، وتعبئة مواردها في حرب استنزاف غير محسوبة العواقب.

 

في المقابل، وعلى النقيض من سردية الهيمنة والسيطرة المطلقة، تبرز قراءة موازية وأكثر حذراً وعمقاً، تفيد هذه المقاربة بأن هذا الهدوء التكتيكي والتأني المفرط قد لا يكون سوى ستار شفاف يخفي وراءه تقييداً حقيقياً ومقلقاً لخيارات صانع القرار الأمريكي. وفقاً لهذه الرؤية، لا تدير واشنطن الأزمة من موقع فائض القوة المريحة التي تسمح لها بفرض الإملاءات المتطابقة مع تصوراتها، بل تجد نفسها محاصرة داخل معضلة أمنية كلاسيكية لا تقدم أي بدائل ذات تكلفة صفرية.

 

تتضح معالم هذه المعضلة الاستراتيجية عند وضع خيارات التدخل على طاولة التشريح الجيوسياسي وحسابات التكلفة والعائد. فاللجوء إلى خيار التصعيد العسكري الشامل – أو حتى توجيه ضربات جراحية وقائية للبنية التحتية العسكرية الإيرانية – سيفرض تكلفة أمنية ومادية وعالمية باهظة لا يمكن احتواؤها بسهولة. إن إشعال مواجهة مباشرة في محيط جغرافية الاختناقات البحرية الحساسة كمضيق هرمز لن يستنزف الموارد العسكرية الأمريكية فحسب، بل سيضع البنية التحتية الحيوية للحلفاء الإقليميين تحت تهديد ترسانة متطورة من الطائرات المسيرة والصواريخ، ناهيك عن احتمالية استهداف شبكات الكابلات البحرية للاتصالات، وتكبيد الاقتصاد العالمي فاتورة فادحة جراء انقطاع إمدادات الطاقة، وهو ما ستترجمه الأسواق فوراً إلى قفزات تاريخية في أسعار النفط وتكاليف التأمين البحري وتكاليف الشحن واللوجستيات.

 

وفي الوقت ذاته، وعلى الطرف الآخر من المعادلة المأزومة، فإن الاستجابة لشروط طهران – التي توظف سيطرتها الجغرافية كرافعة تفاوضية وأداة للضغط المباشر – تعني عملياً الرضوخ للهندسة الأمنية الإيرانية، وتسليم أمن الملاحة في أحد أهم الشرايين البحرية التي تغذي عروق التجارة الدولية للوصاية الإيرانية. هذا السيناريو يمثل تراجعاً استراتيجياً يضرب هيبة الردع الأمريكي، ولا يمكن لواشنطن، كضامن تاريخي لأمن الملاحة الحرة، أن تتحمل تبعاته أو تبرره لنظام التحالفات الدولي التابع لها.

 

واستناداً إلى هذا التقاطع المعقد بين الرغبة في خنق الخصم اقتصادياً، والعجز عن الحسم العسكري المباشر دون تحمل تكاليف كارثية تصيب الاقتصاد العالمي بالشلل، يمكن فهم الطبيعة الحقيقية للمشهد الحالي. إن الجمود الذي يغلف أزمة المضيق اليوم ليس نتاج خطة محكمة تمتلك زمام المبادرة المطلقة في كل مفاصلها، بل هو أقرب ما يكون إلى تجميد قسري للصراع. هذا التجميد يعكس في جوهره إحباطاً مؤسسياً عميقاً داخل أروقة صنع القرار الأمريكي، نتيجة لغياب الخيارات الجراحية الفعالة والسريعة القادرة على تفكيك العقدة دون التسبب في ارتدادات جيوسياسية واقتصادية مدمرة، مما يبقي مسار اللاحسم أداة اضطرارية، بل الخيار الوحيد المتاح لإدارة الأزمة حتى يطرأ متغير طارئ يعيد تشكيل توازنات القوة.

تسليح الجغرافيا وسياسة حافة الهاوية

على الجانب الآخر من رقعة الشطرنج الاستراتيجية، لم تقف طهران في مربع المتلقي السلبي لارتدادات الضغوط الأمريكية المتتالية، بل سارعت إلى هندسة استراتيجية مضادة وشاملة تعتمد في جوهرها على إعادة تعريف القواعد التقليدية للاشتباك. لقد أدرك صانع القرار الإيراني أن الاكتفاء بالدفاع التكتيكي ومحاولة التكيف البطيء مع آلة العقوبات سيعجل بالوصول إلى نقطة الانهيار الاقتصادي، مما دفعه نحو تبني مقاربة هجومية غير متماثلة توظف مبدأ تسليح الجغرافيا (Weaponization of Geography) كرافعة تفاوضية شديدة الفعالية. في هذا السياق، لم تعد الممرات المائية ونقاط الاختناق البحري مجرد خطوط ملاحية دولية لمرور التجارة، بل تحولت إلى خطوط تماس متقدمة في معركة كسر العظم؛ حيث تستغل طهران تموضعها الجيوسياسي الحاكم لتحييد التفوق العسكري والمالي لخصومها، محولةً مكامن ضعفها الاقتصادية إلى تهديد وجودي وفوري لاستقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

 

وفي خطوة تكتيكية بالغة الدلالة، تعكس مرونة وبراغماتية العقل الاستراتيجي الإيراني، نجحت طهران في إحداث انزياح متعمد لمركز ثقل الاهتمام الدولي، مزيحةً إياه مؤقتاً عن التعقيدات التقنية البطيئة لطموحاتها النووية ومسارات تخصيب اليورانيوم، لتستثمر بكثافة في الجغرافيا كأداة ضغط فوري ولا مفر منه. كما حوّلت إيران مسألة السيطرة على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة المارة عبر مضيق هرمز – والذي يمثل الشريان الأبهر للاقتصاد الصناعي العالمي – إلى ورقة تفاوضية حاسمة وضاغطة. هذا الانتقال الذكي من التهديد الاستراتيجي المؤجل (برنامج الأسلحة النووية) إلى التهديد الجيواقتصادي اللحظي (خنق الشرايين البحرية) أثبت قدرة طهران البنيوية على إرباك الحسابات الماكرو-اقتصادية العالمية متى شاءت، موجّهة رسالة صارمة مفادها أن أمن الاقتصادات الكبرى يظل مرتهناً بالاستقرار السياسي في المياه التي تطل عليها وتتحكم في مفاصلها التاريخية.

 

وقد تجلت الملامح العميقة لسياسة حافة الهاوية (Brinkmanship) الإيرانية بشكل لا لبس فيه في طبيعة الشروط الجذرية التي وضعتها القيادة الإيرانية كمتطلب أساسي لفتح المضيق وإنهاء حالة الاستعصاء الملاحي. فلم تكتفِ طهران بالمطالبة التقليدية برفع الحصار البحري والاقتصادي الخانق، بل عمدت إلى تصعيد سقف مطالبها بصورة هندسية غير مسبوقة؛ لتشمل انسحاباً كاملاً للقوات الأمريكية من الإقليم، ودفع تعويضات مالية سيادية عن الخسائر الجسيمة التي تكبدتها قطاعاتها الحيوية جراء العمليات العسكرية وحزم العقوبات. ولم يقف التصعيد عند هذا الحد، بل امتد ليصل إلى التمسك المطلق بحقها الحصري في السيطرة الأمنية والعملياتية على الممر المائي، مع التلويح المستمر والمستفز بفرض رسوم عبور سيادية على السفن التجارية، في تحدٍ صريح ومحسوب للأعراف والقوانين المنظمة لحرية الملاحة الدولية.

 

بيد أن القراءة الاستراتيجية المتأنية لهذا التصعيد المفرط في المطالب تكشف أنه لا يعكس بالضرورة رغبة إيرانية واهمة في تحقيقها دفعة واحدة، أو توقعاً لاستسلام أمريكي وشيك يتنازل عن عقود من الهيمنة في الشرق الأوسط. على العكس من ذلك، يمثل هذا النهج تطبيقاً متقدماً لنظرية الإرساء التفاوضي (Anchoring Bias) في علم إدارة الأزمات؛ حيث تهدف طهران من خلال بناء هذا السقف المرتفع إلى خلق أمر واقع جيوسياسي جديد يُعيد تشكيل بيئة التفاوض ذاتها. كما يمنح وضع هذه الشروط التعجيزية المفاوض الإيراني مساحة أوسع بكثير للمقايضة والمناورة في أي مسارات دبلوماسية مقبلة، مما يتيح له التنازل التكتيكي عن مكاسب هامشية من أجل الاحتفاظ بالمكاسب الجوهرية.

الرمزية السياسية لانقضاء المهلة

نادراً ما تشكل المهل الزمنية المحددة سلفاً – كتلك التي نصت عليها مذكرة التفاهم – نقطة انكسار حاسمة أو تحولاً دراماتيكياً يقلب موازين القوى بين ليلة وضحاها. بل إنها تتحول، في سيرورة الصراع، إلى محطات ذات كثافة رمزية وسياسية موجهة للاستهلاك التكتيكي أكثر من كونها حدوداً فاصلة بين مسارات السلم ومزالق التصعيد. وعلى هذا الأساس الحاكم، لا يمكن قراءة تاريخ انقضاء مهلة الستين يوماً الخاصة باحتواء أزمة مضيق هرمز باعتبارها صدمة استراتيجية أربكت الحسابات المؤسسية في واشنطن أو طهران. إن هذا الانقضاء لم يكن سوى تجلٍ حتمي ونهاية متوقعة لمسار تفاوضي وُلد مثقلاً بالتناقضات الهيكلية، وتحول مع مرور الوقت إلى مساحة لإعادة التموضع وكسب الوقت، بدلاً من أن يكون جسراً متيناً للعبور نحو تسوية مستدامة.

 

إن المراقبين المدققين لهندسة ديناميكيات التفاوض وتفاعلاتها الميدانية يدركون تماماً أن البنود الحاكمة لمذكرة التفاهم لم تَنْهَرْ فجأة في اليوم الستين، بل كانت تتآكل تدريجياً وبشكل عملي ومنهجي قبل أسابيع طويلة من بلوغ خط النهاية. هذا التآكل الهيكلي لم يكن ناتجاً عن سوء فهم عابر أو خطأ لوجستي، بل كان انعكاساً دقيقاً لاتساع الفجوة العميقة بين هندسة النص الدبلوماسي المرن في الغرف المغلقة، والواقع العملياتي الخشن على الأرض وفي المياه الإقليمية. فبينما كانت الساعات تقترب من نقطة الصفر، كانت المؤشرات الميدانية والتحركات الاستباقية لكلا الطرفين تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الالتزام ببنود التهدئة كان التزاماً شكلياً ومرحلياً، يهدف إلى استكمال الاستعدادات اللوجستية وتعبئة الأوراق السياسية لمرحلة ما بعد انهيار الاتفاق، أكثر من كونه سعياً حقيقياً لبناء تدابير ثقة متبادلة.

 

وبناءً على هذه المعطيات الواقعية، فإن لحظة انقضاء المهلة لم تشكل أي نوع من المفاجأة الاستخباراتية لأي من العاصمتين. فالأجهزة الحاكمة لقرار الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة وإيران تمتلك من أدوات الاستشراف وتقييم المخاطر ما يكفي لإدراك أن هذه الهدنة المؤقتة كانت تفتقر منذ يومها الأول إلى آليات التنفيذ الصارمة والضمانات السياسية الكفيلة بحمايتها من تقلبات المزاج السياسي ومناورات مراكز القوى الداخلية. لقد جاء هذا الانقضاء تتويجاً طبيعياً ومنطقياً لانسداد الأفق المتبادل، حيث وصل كلا الطرفين إلى قناعة استراتيجية راسخة بأن مساحة المساومة المتاحة داخل هذا الإطار الزمني الضيق غير قادرة على استيعاب المطالب الراديكالية المتضاربة، وأن استمرار التعويل على هذه المذكرة لم يعد سوى عملية تجميل سياسي لواقع جيوسياسي يتجه بخطى ثابتة نحو المزيد من الاستقطاب.

 

ختاماً، تحولت مهلة الستين يوماً من أداة ضغط لتسريع وتيرة الحل الدبلوماسي إلى مرآة كاشفة لحجم المأزق الاستراتيجي الذي يعيشه الإقليم. كما إن الرمزية السياسية الأهم لهذا الانقضاء تكمن في كونه قد نزع الغطاء الأخير الذي كان يواري قصور الأدوات الدبلوماسية التقليدية، وأسقط وهم إمكانية ترويض الصراعات الجيوسياسية المعقدة بمسكنات زمنية قصيرة الأجل. لقد أنهت هذه المحطة مرحلة من التفاؤل الحذر وأسست لانتقال قسري من إطار إدارة الأزمة إلى إطار إدارة الصراع، حيث سقطت القيود الزمنية الوهمية، لتترك الساحة الإقليمية مُشْرَعةً أمام صراع إرادات طويل الأمد وحرب استنزاف مفتوحة، تتحكم فيهما قواعد اشتباك جديدة تُكتب فصولها المعقدة الآن في مياه الخليج، بعيداً تماماً عن أروقة الدبلوماسية ووعودها المؤجلة.

المراجع

Caitlin Talmadge, “Closing Time: Assessing the Iranian Threat to the Strait of Hormuz,” International Security 33, no. 1 (Summer 2008): 82–117.

 

Eisenstadt, Michael. “Iran’s Gray Zone Strategy: Cornerstone of Its Asymmetric Way of War.” PRISM 9, no. 2 (2021). https://ndupress.ndu.edu/Media/News/News-Article-View/Article/2541911/irans-gray-zone-strategy-cornerstone-of-its-asymmetric-way-of-war/.

 

Eisenstadt, Michael. Operating in the Gray Zone: Countering Iran’s Asymmetric Way of War. Policy Focus 162. Washington, DC: The Washington Institute for Near East Policy, 2020. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/operating-gray-zone-countering-irans-asymmetric-way-war.

 

Freedman, Lawrence. Strategy: A History. Oxford: Oxford University Press, 2013.

 

George, Alexander L. Forceful Persuasion: Coercive Diplomacy as an Alternative to War. Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 1991.

 

Haghshenass, Fariborz. Iran’s Asymmetric Naval Warfare. Policy Focus 87. Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 2008. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/irans-asymmetric-naval-warfare

 

James Kraska, “The Legal Vortex in the Strait of Hormuz,” Virginia Journal of International Law 54, no. 2 (2014): 323–350.

 

O’Rourke, Ronald. U.S. Role in the World: Background and Issues for Congress. CRS Report R44891. Washington, DC: Congressional Research Service, 2021.

 

Richard Nephew, The Art of Sanctions: A View from the Field (New York: Columbia University Press, 2018), 1–15.

 

Schelling, Thomas C. Arms and Influence. New Haven, CT: Yale University Press, 1966.

 

Thomas C. Schelling, Arms and Influence (New Haven, CT: Yale University Press, 1966), 1–34.

 

U.S. Energy Information Administration, “The Strait of Hormuz Is the World’s Most Important Oil Transit Chokepoint,” June 20, 2024.

 

Zartman, I. William, and Guy Olivier Faure, eds. Escalation and Negotiation in International Conflicts. Cambridge: Cambridge University Press, 2005.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *