كتب بواسطة

نادراً ما يواجه النظام الغذائي العالمي صدمتين هيكليتين متزامنتين بهذه الدرجة من التأثير. ففي فبراير 2026، أدى إغلاق مضيق هرمز، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى تعطيل أحد أهم الشرايين العالمية لتدفقات الطاقة والأسمدة والسلع الغذائية، بما هدد سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها عدد كبير من الدول المستوردة. وفي الوقت نفسه، كانت ظاهرة "النينيو" تتجه نحو مرحلة أكثر حدة، وهي ظاهرة مناخية دورية تنجم عن ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤدي إلى اضطراب أنماط الطقس العالمية، بما في ذلك موجات الجفاف، وضعف الرياح الموسمية، وتراجع الظروف الملائمة للإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من العالم. وتشير التقديرات المناخية إلى أن مسار تطورها الحالي قد يجعلها من بين أقوى موجات "النينيو" المسجلة منذ بدء الرصد المناخي.

 

ويكفي أي من هذين الاضطرابين، منفرداً، لفرض اختبار بالغ الصعوبة على منظومة الغذاء العالمية. غير أن تزامنهما يخلق نمطاً مختلفاً من المخاطر، إذ تتفاعل الصدمة الجيوسياسية مع الصدمة المناخية في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط أصلاً من هشاشة هيكلية تحد من قدرته على امتصاص الاضطرابات الخارجية. ويزداد هذا المشهد تعقيداً في عام 2026 مع تراكب هاتين الصدمتين على أزمة ممتدة في أسواق الأسمدة العالمية، وهو اقتران لم تشهده موجات "النينيو" السابقة. ومن ثم، لم يعد التحدي يقتصر على تقدير الآثار المنفصلة لكل من اضطراب هرمز أو ظاهرة "النينيو"، بل أصبح يتمثل في فهم الكيفية التي قد يؤدي بها تفاعلهما إلى مضاعفة الضغوط على الأمن الغذائي الإقليمي، وإلى أي مدى تستطيع دول الشرق الأوسط احتواء تداعيات صدمة مركبة بهذا الحجم.

الصدمة الأولى: اضطراب مضيق هرمز وسلسلة التأثيرات على الأمن الغذائي

يُختزل مضيق هرمز، في كثير من الأحيان، في كونه أهم نقطة اختناق لتجارة الطاقة العالمية، إلا أن هذا التصور لا يعكس سوى جانب من أهميته الاستراتيجية. فالمضيق لا يقتصر دوره على نقل النفط والغاز، بل يمثل أيضاً حلقة محورية في منظومة الأمن الغذائي العالمي، نظراً لارتباطه بتدفقات الطاقة والأسمدة والسلع الغذائية في آن واحد. ويعبره نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى ما يصل إلى 30% من تجارة الأسمدة العالمية، وهي مدخل إنتاج أساسي لا يقل أهمية عن الطاقة في الحفاظ على استقرار الإنتاج الزراعي والإمدادات الغذائية.

 

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الترابط في أن هذه التدفقات لا تعمل بصورة مستقلة، بل ترتبط ضمن سلسلة سببية مترابطة. فارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكلفة إنتاج الأسمدة، وارتفاع تكلفة الأسمدة ينعكس على إنتاجية المحاصيل، لينتقل الأثر في نهاية المطاف إلى أسعار الغذاء وتوافره. ومن ثم، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز لا يؤدي إلى تعطيل ثلاثة أسواق منفصلة، بل يطلق سلسلة مترابطة من التأثيرات تنتقل تدريجياً عبر حلقات الإنتاج والنقل والتوزيع، بما يضاعف أثر الصدمة كلما امتدت عبر سلسلة الإمداد الغذائي.

 

أعاد الصراع الدائر في الشرق الأوسط تعريف الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، بعدما تحوّل من نقطة اختناق رئيسة في تجارة الطاقة إلى نقطة إخفاق حرجة في منظومة الأمن الغذائي العالمي. فقد أدى إغلاق المضيق إلى تراجع حركة ناقلات الشحن بأكثر من 95%، معطلاً تدفق ملايين الأطنان من الأسمدة شهرياً، ومحدثاً صدمة حادة في أحد أهم مدخلات الإنتاج الزراعي على المستوى العالمي.

 

وتزداد خطورة هذه الصدمة لأنها تختلف جوهرياً عن أزمة الطاقة العالمية في عام 2022. ففي حين أمكن آنذاك الحد جزئياً من آثار نقص الإمدادات عبر السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وإعادة توجيه التدفقات التجارية، يواجه قطاع الأسمدة قيوداً هيكلية أشد تعقيداً. فإنتاج الأسمدة يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات مستمرة للغاز الطبيعي والمواد الخام، كما يفتقر إلى احتياطيات استراتيجية منسقة على المستوى الدولي، الأمر الذي يقلص قدرة الأسواق على تعويض النقص في الإمدادات أو احتواء آثاره في الأجل القصير. ونتيجة لذلك، لا تقتصر آثار اضطراب هرمز على تعطيل جانب العرض، بل تمتد لتقويض القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي، بما يضاعف الضغوط على أسواق الغذاء العالمية.

 

ولا يتوقف أثر اضطراب مضيق هرمز عند تعطل تدفقات الطاقة والأسمدة، بل يمتد عبر سلسلة من التأثيرات الاقتصادية والمعيشية التي تعيد تشكيل بيئة الأمن الغذائي في الشرق الأوسط وخارجه. فعلى مستوى الإمدادات، تواجه دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تعتمد على الواردات لتلبية ما بين 70% و90% من احتياجاتها من السلع الغذائية الأساسية، مخاطر تزامن انقطاع الواردات الغذائية مع تعطل صادرات الأسمدة الخليجية، بما يضاعف الضغوط على جانبي العرض والإنتاج الزراعي في آن واحد.

 

وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، لتنتقل الضغوط سريعاً إلى أسعار السلع الأساسية وتكاليف المعيشة. كما يفضي الارتفاع المتزامن في أسعار الأسمدة والوقود إلى تقليص هوامش ربح المزارعين، بما يحد من قدرتهم على الحفاظ على مستويات الإنتاج في المواسم اللاحقة. ولا تقتصر التداعيات على ذلك، إذ يسهم تباطؤ النشاط الاقتصادي الإقليمي في تقليص تحويلات العاملين إلى أسرهم في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، وهو ما يضيف ضغوطاً معيشية جديدة على ملايين الأسر التي تعتمد على هذه التحويلات لتأمين احتياجاتها الأساسية.

 

وتتضاعف تداعيات هذه الأزمة لأن آثارها لا ترتبط بحجم النقص في الإمدادات فحسب، بل بتوقيت وقوعه أيضاً. فالاستخدام الزراعي للأسمدة يخضع لنوافذ زمنية محددة تفرضها مواسم الزراعة، وأي تعطّل في توفيرها خلال هذه الفترات لا يمكن تعويضه لاحقاً، حتى وإن عادت الإمدادات إلى طبيعتها، إذ ينعكس مباشرة في انخفاض إنتاجية المحاصيل خلال الموسم الزراعي بأكمله.

 

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى انخفاض دخول منتجي الحبوب بما يصل إلى 5% خلال عام 2026، مع امتداد آثارها حتى عام 2030. وفي حال استمرار اضطراب الإمدادات، فإن التداعيات لن تقتصر على تراجع الإنتاج الزراعي، بل ستمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، إذ يحذر برنامج الأغذية العالمي من احتمال انزلاق نحو 45 مليون شخص إضافي إلى براثن الجوع الحاد.

 

وتنعكس هذه الصدمة بصورة متفاوتة على دول المنطقة، لكنها تصيب جميعها في نقطة ضعف مشتركة تتمثل في الاعتماد المرتفع على الواردات الغذائية ومحدودية القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. ففي لبنان، يواجه نحو 874 ألف شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يعاني أكثر من 17 مليون شخص في اليمن بالفعل من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وهي أوضاع تقلص إلى حد كبير قدرة الفئات الأكثر هشاشة على التكيف مع أي ارتفاع جديد في أسعار الغذاء أو أي تراجع إضافي في الإمدادات. وفي المقابل، تواجه اقتصادات أكبر، مثل مصر والأردن والسودان، ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات الغذائية والطاقة، في وقت تتعرض فيه احتياطيات النقد الأجنبي لضغوط مستمرة تحد من قدرتها على امتصاص هذه الزيادة في التكاليف.

 

وفي منطقة يعتمد عدد كبير من دولها على الواردات لتلبية أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، لم يعد اضطراب تدفقات الطاقة والأسمدة يمثل أزمة قطاعية أو تحدياً يقتصر على أسواق الوقود، بل تحول إلى صدمة هيكلية تمتد آثارها عبر التجارة والإنتاج الزراعي والأسعار ومستويات المعيشة في آن واحد، بما يعيد تشكيل معادلة الأمن الغذائي الإقليمي في ظل بيئة تتسم بتزايد المخاطر المركبة وترابطها.

الصدمة الثانية: "النينيو" وسلسلة التأثيرات المتعاقبة على الزراعة

لا تقتصر خطورة ظاهرة “النينيو” على كونها تقلباً مناخياً دورياً، بل تكمن في قدرتها على إعادة تشكيل الظروف المناخية التي يقوم عليها الإنتاج الزراعي العالمي. وتنشأ هذه الظاهرة نتيجة ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، بما يؤدي إلى اضطراب أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة وحركة الرياح الموسمية في مناطق واسعة من العالم، فتتعرض بعض المناطق لموجات جفاف ممتدة، بينما تواجه مناطق أخرى فيضانات شديدة واضطرابات مناخية متكررة.

 

ولا تمثل هذه الاختلالات أحداثاً مناخية منفصلة، بل حلقات مترابطة في سلسلة من التأثيرات التي تبدأ بتراجع الإنتاج الزراعي، ثم تمتد إلى اضطراب أسواق الحبوب والسلع الغذائية، قبل أن تنعكس في نهاية المطاف على الأسعار والأمن الغذائي، ولا سيما في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء لتلبية احتياجاتها الأساسية.

 

وتشير المؤشرات المناخية إلى أن العالم لا يواجه مجرد عودة دورية لظاهرة “النينيو”، بل موجة مرشحة لأن تكون من بين الأشد منذ عقود. ففي 11 يونيو 2026، أعلنت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) رسمياً تحقق ظروف الظاهرة، بعد تجاوز درجات حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي مستوى 0.5 درجة مئوية فوق متوسطها التاريخي لعدة أشهر متتالية، مع توقع استمرارها خلال الأشهر اللاحقة.

 

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأن التوقعات لا تقتصر على استمرار الظاهرة، بل تشير إلى احتمال يبلغ 63% لبلوغها مستوى “النينيو شديد جداً” بحلول خريف عام 2026، مع تجاوز درجات حرارة سطح البحر درجتين مئويتين فوق خط الأساس المناخي، وهو ما قد يجعلها من أقوى موجات “النينيو” المسجلة منذ عام 1950. ويعزز هذا التقدير ما أعلنته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التي ترجح بنسبة تتجاوز 90% استمرار ظروف الظاهرة حتى نوفمبر على الأقل، بما يزيد احتمالات استمرار الضغوط المناخية على الإنتاج الزراعي خلال موسم زراعي كامل، بدلاً من بقائها اضطراباً عابراً قصير الأمد.

 

ولا يترك السجل التاريخي لظاهرة “النينيو” مجالاً للتقليل من حجم المخاطر التي تنطوي عليها. فقد تسببت موجة “النينيو” خلال عامي 1991-1992 في موجة جفاف حادة اجتاحت جنوب القارة الأفريقية، وأدت إلى تراجع إنتاج الحبوب في المنطقة إلى ما يقارب النصف، كما ضاعفت احتياجاتها من الواردات الغذائية، وتركت نحو 18 مليون شخص يواجهون ظروفاً تقترب من المجاعة. أما موجة “النينيو” خلال عامي 1997-1998، التي لا تزال تمثل المعيار المرجعي لموجات “النينيو” شديدة القوة، فقد أسفرت عن وفاة ما يقدر بنحو 21 ألف شخص، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية قُدرت بنحو 36 مليار دولار على مستوى العالم.

 

أما موجة “النينيو” خلال عامي 2015-2016، وهي الأقوى منذ ذلك الحين، فقد امتدت آثارها إلى شرق أفريقيا وجنوبها، وأمريكا الوسطى، وأوقيانوسيا. ففي إثيوبيا وحدها، احتاج أكثر من 10.2 مليون شخص إلى مساعدات غذائية طارئة، فيما صُنّف أكثر من ثلث مناطق البلاد ضمن بؤر أزمات الأمن الغذائي وسوء التغذية. وفي الوقت نفسه، أتت موجات الجفاف على المحاصيل والمراعي في مناطق واسعة عبر عدة قارات، لتدفع ملايين الأشخاص إلى براثن الجوع، وتجبر أعداداً كبيرة منهم على النزوح بحثاً عن الغذاء. ومع ذلك، فإن جميع هذه الأزمات وقعت في ظل منظومة إمدادات عالمية كانت تعمل بصورة طبيعية. وعلى المستوى العالمي، خلّفت تلك الموجة أكثر من 60 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأطلقت نداءات إغاثة تجاوزت قيمتها خمس مليارات دولار في 23 دولة.

Source: International Research Institute for Climate and Society

 

وقد أدت عولمة منظومة الغذاء العالمية إلى زيادة هشاشتها في مواجهة مثل هذه الصدمات. فعندما تضرب ظاهرة “النينيو”، لا تواجه المحاصيل موجات الجفاف والإجهاد المائي فحسب، بل يتزامن ذلك مع شح إمدادات الأسمدة، وارتفاع تكاليف الوقود بما يربك شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وتأجيل المزارعين قرارات الزراعة، فيما تبدأ سلاسل الإمداد، المثقلة أصلاً بالضغوط، في فقدان قدرتها على الصمود. وعندئذ، لا تقتصر التداعيات على ارتفاع أسعار الغذاء، بل تمتد لتغذي دوامة من الجوع والنزوح والاضطرابات الاجتماعية في أكثر مناطق العالم هشاشة. كما أثبتت التجارب السابقة أن كلاً من هاتين الصدمتين، على حدة، كان كفيلاً بفرض ضغوط كبيرة على منظومة الغذاء العالمية. غير أن السؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه في عام 2026 لم يعد يدور حول قدرة العالم على احتواء أي منهما منفردة، بل حول ما قد يترتب على تزامنهما. وهنا يجد الشرق الأوسط نفسه في قلب هذا التقاطع بين الأزمتين، إذ تقع الدول الأكثر اعتماداً على استيراد الغذاء، في الوقت نفسه، ضمن النطاقات الجغرافية الأكثر عرضة للاضطرابات المناخية المتوقعة بفعل ظاهرة “النينيو”. ويضع هذا التداخل المنطقة أمام تراكب غير مسبوق بين هشاشة سلاسل الإمداد الخارجية وتفاقم الضغوط المناخية الداخلية.

البعد الإقليمي: حيث تتقاطع الصدمتان

لا توجد منطقة في العالم تواجه هذا التلاقي بين الأزمتين بدرجة من الهشاشة الهيكلية تفوق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما لا تمتلك أي منطقة هامشاً أضيق لاستيعاب تداعياته. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى شح إمدادات الأسمدة في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع استعداد المزارعين في العديد من الدول لبدء مواسم زراعية جديدة تعتمد على توافر هذه المدخلات في الوقت المناسب. ورغم إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب، في 14 يونيو، إعادة فتح المضيق جزئياً، فإن هذه الخطوة لم تحقق سوى انفراجة محدودة، إذ جاءت بعد أن كان كثير من المزارعين قد اتخذوا بالفعل قراراتهم بشأن مواسم الزراعة، في حين لا تزال حالة عدم اليقين تقوض ثقة الأسواق وتحد من قدرة الإمدادات على التعافي.

 

ولا تقتصر تداعيات هاتين الصدمتين على دول بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف أنحاء المنطقة. ففي مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، تتصاعد الضغوط مع الارتفاع الحاد في تكلفة الواردات، في وقت تتعرض فيه احتياطيات النقد الأجنبي لضغوط متزايدة. أما الأردن وتونس، اللذان يفتقران إلى هوامش مالية كافية لامتصاص الصدمات، فيواجهان تسارعاً في تضخم أسعار الغذاء. وفي المقابل، تجد كل من اليمن والسودان، اللتين ترزحان أصلاً تحت وطأة أزمات إنسانية ممتدة، نفسيهما أمام واقع لا يترك لهما أي قدرة فعلية على استيعاب مزيد من الاضطرابات في الإمدادات الغذائية.

 

تحتل منطقة الشرق الأوسط موقعاً بالغ الهشاشة في قلب هذه الأزمة، إذ تواجه الصدمتين في آن واحد، بينما تمثل في الوقت نفسه ممراً رئيساً تنتقل عبره تداعياتهما إلى بقية المنطقة. وهي هشاشة هيكلية لا تستطيع الثروات السيادية، مهما بلغ حجمها، أن تعوضها بالكامل. فالصدمة الأولى تعطل تدفقات الغذاء، في حين تقلص الثانية حجم الإمدادات المتاحة للنقل. ومع تزامنهما، تتعرض منظومتا الإمداد والتوزيع لضغوط متزامنة، فلا يبقى سوى هامش بالغ الضيق للعثور على بدائل قابلة للتطبيق.

 

ويمثل الاعتماد على استيراد الغذاء سمة هيكلية راسخة في منظومة الأمن الغذائي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فدول مجلس التعاون الخليجي تستورد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، بينما تعتمد مصر، إحدى أكبر الدول استيراداً للقمح في العالم، على الأسواق الدولية لتوفير نحو نصف استهلاكها منه. ولا يختلف الوضع كثيراً في الأردن ولبنان، اللذين يعتمدان بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية لتلبية الطلب المحلي. كما يمر أكثر من 70% من واردات دول مجلس التعاون الخليجي الغذائية عبر مضيق هرمز، بما يجعل المنطقة شديدة التأثر بأي اضطراب يصيب هذا الممر البحري الحيوي. ورغم وجود موانئ ومسارات بديلة، فإنها لا تستطيع، في الأمد القصير، تعويض الطاقة الاستيعابية للمضيق وكفاءته التشغيلية بسهولة.

 

في أعقاب أزمة الغذاء العالمية عام 2008، أعادت عدة دول خليجية صياغة استراتيجياتها للأمن الغذائي، فتراجعت عن الإنتاج الزراعي المحلي كثيف الاستهلاك للمياه، واعتمدت بصورة متزايدة على استيراد الغذاء، وبناء المخزونات الاستراتيجية، والاستثمار في الأراضي والمشروعات الزراعية خارج حدودها. وقد بدا هذا النموذج، لسنوات، خياراً عملياً وفعالاً لتعزيز الأمن الغذائي، إلا أنه يواجه اليوم اختباراً غير مسبوق مع تزامن الاضطرابات الجيوسياسية وتصاعد المخاطر المرتبطة بتغير المناخ.

 

وتزداد تعقيدات هذا المشهد مع اشتداد ظاهرة “النينيو”. فالمنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء من دول تُعد، في الوقت نفسه، من بين الأكثر عرضة للاضطرابات المناخية المرتبطة بهذه الظاهرة. فالهند، أكبر مورّد للأرز إلى المنطقة، يُتوقع أن تشهد موسماً مطرياً دون معدلاته المعتادة، فيما أظهرت القيود التي فرضتها على صادرات الأرز عام 2023 كيف يمكن للضغوط التي يتعرض لها الإنتاج المحلي أن تنتقل سريعاً من الأسواق الوطنية إلى الأسواق العالمية، لتفضي إلى تشديد المعروض العالمي من الغذاء.
أما أستراليا، وهي من أبرز موردي القمح إلى المنطقة، فتواجه مخاطر متزايدة للتعرض للجفاف مع اشتداد ظاهرة “النينيو”. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن تشهد أجزاء واسعة من جنوب شرق آسيا، التي تعد مصدراً رئيسياً للأرز وزيت النخيل والسكر، ظروفاً أكثر جفافاً من المعتاد، بما قد ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي. وإلى جانب ذلك، يفرض اضطراب إمدادات الأسمدة الناجم عن عدم الاستقرار في مضيق هرمز ضغوطاً إضافية على إنتاجية المحاصيل.

 

وقد حذر عدد من محللي الأسواق من أن النقص الحاد في إمدادات الأسمدة قد يؤدي، في أسوأ السيناريوهات، إلى تراجع كبير في إنتاج الأرز، بما يفاقم خسائر الإنتاج الناجمة عن الاضطرابات المناخية. وتتمثل المحصلة في تراكب المخاطر، إذ تعطل الاضطرابات الجيوسياسية حركة الغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي، بينما تقلص ظاهرة “النينيو” كميات الغذاء المتاحة لدى عدد من أبرز موردي المنطقة. ويقوض هذا التزامن قدرة دول الشرق الأوسط على تنويع مصادر وارداتها، في وقت تتعرض فيه الأسواق العالمية لضغوط متزايدة. وفي حين بدأت ندرة الأسمدة وموجات الجفاف بالفعل في خفض إنتاجية المحاصيل التي يُحصد جزء منها حالياً في جنوب شرق آسيا، فمن المرجح أن يشهد الموسم الزراعي المقبل تراجعاً أكبر في الإنتاج.

 

 

وتتمثل المحصلة في أثر مضاعف لا تستطيع أي من الصدمتين إحداثه منفردة. فاضطراب مضيق هرمز يرفع تكلفة الغذاء المتاح للمنطقة، ويقيد في الوقت نفسه حجم الواردات التي يمكنها تأمينها، بينما تؤدي ظاهرة “النينيو” إلى تقليص الإمدادات القادمة من الدول التي يُفترض أن تسد هذا النقص. وقد بدأت بوادر هذه الضغوط تظهر بالفعل، مع ارتفاع أسعار الفواكه والخضراوات في دول الخليج ومناطق أخرى من الشرق الأوسط، إلى جانب اضطرابات ملحوظة في أسواق الأسماك المحلية، وهي مؤشرات أولية على ضغوط مرشحة للتصاعد في مختلف أنحاء المنطقة. وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات الأسمدة الخليجية، وفي الوقت نفسه أعاق تدفق الواردات الغذائية التي كان من المفترض أن تمولها عائدات تلك الصادرات. واليوم، تهدد ظاهرة “النينيو” بتقليص الإمدادات العالمية التي يُعوَّل عليها لتعويض هذا النقص. وهكذا، لا يقتصر أثر الصدمتين على مجرد التراكم، بل يتفاعل كل منهما مع الآخر على نحو يضاعف من تداعياته.

 

ويقتضي استشراف تلاقي هاتين الصدمتين متابعة المؤشرات المناخية والجيوسياسية في آن واحد. ومن أبرز هذه المؤشرات اشتداد ظاهرة “النينيو”، وتراجع معدلات الأمطار الموسمية عن مستوياتها المعتادة في جنوب آسيا، وتزايد احتمالات الجفاف في أستراليا وجنوب شرق آسيا، وارتفاع الأسعار العالمية للقمح والأرز، وقفزات أسعار الأسمدة، ولجوء الدول الرئيسة المنتجة للغذاء إلى فرض قيود على صادراتها. وفي المقابل، تنذر التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، مثل تصاعد النشاط العسكري، وارتفاع أقساط التأمين على الشحن، وتحويل مسارات ناقلات النفط، وتعطل حركة التجارة البحرية، بتفاقم المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد. ويتيح تتبع هذه المؤشرات بوصفها عناصر مترابطة، لا مؤشرات منفصلة، للحكومات هامشاً ثميناً للإنذار المبكر، بما يمكنها من تفعيل المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، واتخاذ تدابير استباقية قبل أن تتبلور أزمة واسعة النطاق في الأمن الغذائي.

الاستعداد: التحرك قبل انغلاق نافذة الفرصة

يفرض تزامن هاتين الصدمتين بناء منظومة استجابة لم تنجح أي حكومة أو مؤسسة، حتى الآن، في تطويرها بالصورة المطلوبة. غير أن العنصر الأكثر إيجابية يتمثل في أن الأدوات، والأطر المؤسسية، وأنظمة الإنذار المبكر اللازمة للتحرك متوافرة بالفعل. ولم تعد المشكلة في نقص القدرات، بقدر ما أصبحت في سرعة توظيفها قبل انحسار نافذة الفرصة.

 

وعلى صعيد ظاهرة “النينيو”، يتيح نظام مؤشر الإجهاد الزراعي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، بالاستناد إلى 41 عاماً من بيانات الأقمار الصناعية، إعداد خرائط دقيقة للمناطق الأكثر عرضة لتأثيرات الجفاف على المحاصيل والمراعي. ويوفر ذلك للحكومات وشركائها أساساً لتحديد المناطق التي تستوجب التدخل أولاً، وترتيب أولويات الدعم الأكثر إلحاحاً، وتوجيه الموارد إلى المجتمعات الأقل قدرة على تحمل موسم زراعي آخر ينتهي بالفشل.

 

واستجابةً لهذه المخاطر، أطلقت (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي نداءً مشتركاً للتحرك الاستباقي، يهدف إلى جمع 202 مليون دولار لحماية 8.8 مليون شخص في 22 دولة تُصنف ضمن الفئات الأكثر عرضة للخطر. ويُخصص هذا التمويل لتنفيذ حزمة من التدخلات التي أثبتت فعاليتها، وتشمل التحويلات النقدية، وتوفير البذور المقاومة للجفاف، ودعم الثروة الحيوانية، وإنشاء أنظمة لتخزين المياه.

 

وأكدت بيث بيشدول، نائبة المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، أن التجارب المتراكمة أثبتت مراراً أن التحرك قبل وصول الأزمات إلى نقطة الانفجار أكثر فاعلية وأقل تكلفة بكثير من الاستجابة لها بعد وقوعها. وتدعم تجربة ظاهرة “النينيو” خلال عامي 2023 و2024 هذا الاستنتاج، إذ مكّنت الإجراءات الاستباقية التي نفذتها منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي من تقديم الدعم لأكثر من ثلاثة ملايين شخص، ووصلت المساعدات إليهم قبل أشهر من بلوغ الأزمة ذروة آثارها.

 

وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، طرح المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إطاراً للاستجابة يقوم على ثلاثة آفاق زمنية. ويشمل الأفق الأول إجراءات فورية، من بينها تطوير مسارات تجارية بديلة، وتعزيز مراقبة الأسواق، وتجنب فرض قيود على صادرات الطاقة والأسمدة، وتقديم الدعم المالي للمزارعين. أما الأفق الثاني، فيركز على تنويع مصادر الاستيراد، ودعم الدول الأكثر هشاشة عبر المساعدات الغذائية الطارئة. بينما يمنح الأفق الثالث الأولوية لتعزيز الزراعة المستدامة والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، بوصفهما ركيزتين لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية.

 

وفعّلت (الفاو) أيضاً نظاماً آنياً لمراقبة سلاسل الإمداد، وتعمل بالتنسيق مع حكومات المنطقة للحيلولة دون اندلاع موجات متزامنة من الشراء بدافع الذعر. ومع ذلك، يبقى ضيق الوقت العامل الأكثر إثارة للقلق. إذ تتوقع المنظمة ألا تتجاوز نافذة التحرك المتاحة ثلاثة أشهر قبل أن تتفاقم المخاطر بصورة كبيرة، بما قد يؤثر في قرارات الزراعة على مستوى العالم خلال عام 2026 وما بعده. ولا تصبح أنظمة الإنذار المبكر أداة فعالة للوقاية ما لم تُترجم إلى قرارات سريعة وحاسمة. وما سيؤول إليه هذا المشهد يتوقف، في المقام الأول، على سرعة اتخاذ تلك القرارات. ومع استمرار اشتداد ظاهرة “النينيو” خلال فصل الخريف، وبقاء أزمة مضيق هرمز من دون تسوية، لم تعد نافذة التحرك مجرد إطار زمني لصنع السياسات، بل غدت سباقاً مع الزمن.

 

وهكذا، لم يعد تزامن اضطراب مضيق هرمز مع ظاهرة “النينيو” مجرد سيناريو افتراضي للمخاطر، بل أصبح واقعاً يتكشف بالفعل، فيما تقف منطقة الشرق الأوسط عند أكثر نقاطه هشاشة. فقد صُممت المخزونات الاستراتيجية لمواجهة الصدمات المنفردة، وصُممت شبكات الاستيراد على افتراض بيئة جيوسياسية مستقرة، ووُضعت منظومات الدعم على أساس احتواء تقلبات الأسعار ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. غير أن أياً من هذه الهوامش الوقائية لم يُصمم للتعامل مع التزامن غير المسبوق للضغوط الذي يشهده عام 2026. فأسواق الأسمدة دخلت بالفعل مرحلة الأزمة، والدول الموردة التي تعتمد عليها المنطقة تواجه ضغوطاً مناخية متصاعدة، أما الممر البحري الذي يعبره الجزء الأكبر من وارداتها الغذائية، فلم يستعد سوى جزء من قدرته التشغيلية، ولا يزال يكتنفه قدر كبير من عدم اليقين. إن ما تتطلبه هذه اللحظة ليس مزيداً من الاستجابة الطارئة، بل حوكمة استباقية. فمؤشرات الإنذار المبكر واضحة، وخريطة المخاطر باتت معروفة، والأطر المؤسسية اللازمة للتحرك قائمة بالفعل. ولم يبق سوى متغير واحد: الإرادة السياسية. أما ثمن التأخير، فلا يُقاس بدورات صنع السياسات، بل بالمحاصيل التي فُقدت، وباتساع رقعة الجوع يوماً بعد يوم.

المراجع

Arab News. 2026. “GCC States ‘Face Reliance on Saudi Arabia for Food Imports.’” Arab News. Arabnews. March 6, 2026. https://www.arabnews.com/node/2635430/middle-east.

 

“Climate Prediction Center: ENSO Diagnostic Discussion.” 2026. Www.cpc.ncep.noaa.gov. June 11, 2026. https://www.cpc.ncep.noaa.gov/products/analysis_monitoring/enso_advisory/ensodisc.shtml.

 

“El Niño / La Niña Phenomena.” 2022. World Meteorological Organization. December 16, 2022. https://wmo.int/topics/el-nino-la-nina-phenomena.

 

FAO. 2026. “FAO Cereal Supply and Demand Brief | Food and Agriculture Organization of the United Nations.” WorldFoodSituation. July 3, 2026. https://www.fao.org/worldfoodsituation/csdb.

 

Lenssen, Nathan J. L., Lisa Goddard, and Simon Mason. 2020. “Seasonal Forecast Skill of ENSO Teleconnection Maps.” Weather and Forecasting 35 (6): 1–60. https://doi.org/10.1175/waf-d-19-0235.1.

 

OECD (2026), Policies for the Future of Farming and Food in Egypt, OECD Agriculture and Food Policy Reviews, OECD Publishing, Paris, https://doi.org/10.1787/cab0cefd-en.

 

Safty, Sarah El, and Maha El Dahan. 2026. “Gulf Food Strategy Tested as Iran War Snarls Shipping Routes.” Reuters, March 5, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/gulf-food-strategy-tested-iran-war-snarls-shipping-routes-2026-03-05/.

 

Thukral, Naveen, and Panarat Thepgumpanat. 2026. “From Surplus to Strain: World Rice Supply Threatened by Iran War, El Nino.” Reuters, April 30, 2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/surplus-strain-world-rice-supply-threatened-by-iran-war-el-nino-2026-04-30/.

 

“UN World Food Programme (WFP).” 2026. Wfp.org. March 17, 2026. https://www.wfp.org/news/wfp-projects-food-insecurity-could-reach-record-levels-result-middle-east-escalation.

 

Zahedi, Kaveh. 2026. “El Niño Is Coming. At the FAO We Know Where Drought Will Hit Hardest.” Reuters, June 29, 2026. https://www.reuters.com/sustainability/el-nio-is-coming-fao-we-know-where-drought-will-hit-hardest–ecmii-2026-06-29/.

 

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *