كتب بواسطة

فرضت التعقيدات الجيوسياسية والأمنية للحدود البرية في الشرق الأوسط واقعاً استراتيجياً وضع إسرائيل في خانة "اقتصاد الجزيرة" رغم اتصالها باليابسة. فهذا العزل البري لم يترك للاقتصاد الإسرائيلي خياراً سوى الاعتماد شبه المطلق على الممرات البحرية لتأمين شرايين التجارة، والواردات الحيوية، وتدفق الصادرات. ولذا، لم يعد البحر مجرد مجال جيوسياسي وعسكري إضافي، بل تحول إلى الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الإسرائيلي. ومن هنا، تحولت الجغرافيا من درع دفاعي محتمل إلى نقطة ضعف هيكلية، حيث أصبح أي مساس بحرية الملاحة أو أمن السواحل يمثل تهديداً وجودياً لدورة رأس المال واستقرار الأسواق.

 

وتتعمق جذور هذه الهشاشة الاستراتيجية بالنظر إلى التوزيع الديموغرافي والاقتصادي داخل الدولة، حيث يمثل الشريط الساحلي مركز الثقل الحقيقي الذي تتكدس فيه الكثافة السكانية، والمراكز المالية، والبنية التحتية اللوجستية، والموانئ الرئيسية. هذا التركز يجعل الساحل واجهة هشة؛ إذ إن أي اضطراب أمني في المجال البحري لا يقتصر تأثيره على حركة الملاحة فحسب، بل يضرب مباشرة في عمق الحياة اليومية وعصب الأنشطة التجارية. وقد أدركت الفواعل المسلحة دون الدولة هذه المعادلة، ووجدت في استهداف الفضاء البحري فرصة ذهبية لخلق حالة من الشلل الاقتصادي بتكلفة متدنية للغاية، متجاوزة بذلك الحاجة إلى اختراق منظومات الدفاع الجوي والبري المعقدة.

 

ولم يعد مفهوم البنية التحتية البحرية مقتصراً على السفن والموانئ، بل امتد ليشمل أصولاً سيادية تمثل ركائز الأمن القومي المعاصر. فحقول الغاز الطبيعي المستقرة في أعماق شرق المتوسط باتت تشكل حجر الزاوية في استقلالية قطاع الطاقة، وأي تهديد يطال منصات الاستخراج أو خطوط الأنابيب ينعكس فوراً على تكلفة الإنتاج الصناعي واستقرار الشبكة الكهربائية. وعلى صعيد موازٍ، تبرز كابلات الاتصالات البحرية كشريان حياة لاقتصاد المعرفة الرقمي؛ إذ يعتمد قطاع التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية كلياً على سلامة هذه الكابلات لضمان تدفق البيانات عالمياً. وعليه، فإن حماية هذه الأصول المغمورة تجاوزت البعد التقني لتصبح في صلب العقيدة الأمنية الرامية لحماية الاقتصاد من الانهيار في أوقات الأزمات.

 

ويضع هذا الانكشاف البحري المؤسسة العسكرية أمام معضلة استراتيجية مزدوجة تتمثل في اتساع فجوة الحماية بين الساحل القريب والممرات الدولية البعيدة. فعلى المستوى التكتيكي القريب، تتصاعد التحديات المتعلقة بتأمين المنشآت الساحلية من التهديدات غير النمطية كالزوارق المفخخة أو الطائرات المسيّرة، وهو ما يتطلب استنزافاً مالياً هائلاً لتشغيل أنظمة اعتراضية وسفن حربية باهظة التكلفة، في مقابل أدوات هجومية رخيصة الثمن يمتلكها الخصوم. أما على المستوى الاستراتيجي الأبعد، فتتجسد الأزمة في حماية خطوط التجارة الحيوية المارة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يؤدي أي اضطراب هناك إلى خنق ميناء إيلات، وتعطيل سلاسل الإمداد القادمة من آسيا، ورفع تكاليف التأمين والشحن البحري، وهو ما يوجه ضربة قاصمة لثقة المستثمرين وبيئة الأعمال الكلية.

حين يصبح البحر شريان البقاء

يتجلى الانكشاف في بنية التجارة الخارجية؛ إذ يمر حوالي ٩٨٪ من حجمها وقيمتها بحراً عبر شرق المتوسط. وفي عام ٢٠٢٤ بلغ إجمالي التبادل التجاري ١٥٣,٢ مليار دولار، موزعاً بين واردات قدرها ٩١,٥ مليار دولار وصادرات بلغت ٦١,٧ ملياراً. وبينما تمنح صادرات الدوائر المتكاملة والأجهزة الطبية إسرائيل موقعاً داخل سلاسل توريد مرتفعة القيمة، تكشف الواردات اعتماداً حرجاً على السلع الأساسية والطاقة القادمة من الصين والولايات المتحدة وأوروبا. وبهذا، يصبح الاقتصاد حساساً ليس فقط لإغلاق الموانئ، بل لأي اضطراب في نقاط الاختناق التي تسبق وصول السفن إليها.

 

كشف إغلاق باب المندب أمام الملاحة المرتبطة بإسرائيل حجم هذه الحساسية؛ فقد اضطرت السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، مضيفة ما بين ٣٠٠٠ و٣٥٠٠ ميل بحري إلى الرحلة، وما بين ٨ و١٥ يوماً إلى زمن العبور. ورفع طول المسار استهلاك الوقود مما أضاف نحو ٢٠٠ إلى ٣٠٠ ألف دولار إلى رحلة سفينة حاويات نمطية، بينما قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب من قرابة ١٠ آلاف دولار إلى أكثر من ٥٠٠ ألف، بما قد يقتطع ما يصل إلى ١٪ من قيمة الشحنة. وهكذا، تحولت المسافة الجغرافية إلى ضريبة مباشرة على المنتج والمستورد والمستهلك.

 

كانت النتيجة الأكثر وضوحاً انهيار وظيفة ميناء إيلات، البوابة الجنوبية لواردات السيارات وصادرات الفوسفات. فقد تراجعت حركة الشحن فيه بنسبة ٨٥٪، ولم ترسُ به أي سفينة خلال ثمانية أشهر من عام ٢٠٢٤، في حين هبطت الإيرادات من ٢١٢ مليون شيكل إلى ٤٢ مليوناً مليون دولار فقط. أي بنحو ٨٠٪. وفي يوليو ٢٠٢٥، أُعلن إفلاس الميناء وتوقفه عن العمل بعد تجميد حساباته المصرفية بسبب الضرائب المتراكمة. ولا تكمن دلالة هذه الحالة في خسارة منفذ واحد فحسب، بل في إثبات أن فاعلاً لا يمتلك أسطولاً تقليدياً يستطيع تعطيل عقدة اقتصادية بعيدة عبر تقويض الثقة في الطريق المؤدي إليها.

 

ويمتد الخطر من التجارة إلى أنظمة دعم الحياة عبر ما يمكن وصفه بفخ الاعتماد المتبادل بين الغاز والمياه. إذ توفر خمس محطات تحلية ساحلية توفر نحو ٨٠٪ من مياه الشرب وتنتج قرابة ٦٠٠ مليون متر مكعب سنوياً، ويأتي مجمع سوريك في مقدمتها. لكن تشغيل هذه المحطات يعتمد على شبكة كهرباء يولد الغاز نحو ٧٠٪ من طاقتها، فيما تختزن حقول تمار وليفياثان وكاريش قرابة ٩٠٠ مليار متر مكعب. وبسبب الاعتماد على التدفق المتواصل من المنصات البحرية، لا يظل استهداف حقل غاز حادثاً قطاعياً؛ بل يمكن أن ينتقل أثره خلال وقت قصير إلى الكهرباء ثم إلى المياه في التجمعات الكبرى، وفي مقدمتها غوش دان.

 

 

وتظهر نقطة اختناق موازية تحت سطح البحر، حيث ترتبط إسرائيل بالعالم عبر كابلات ألياف ضوئية تمتد حتى ٢٠٠ ميل بحري عن الساحل. وقد سعت إلى تنويع المسارات عبر نظام “بلو-رامان” بقيادة جوجل، بتكلفة ٤٠٠ مليون دولار وسعة ٢١٨ تيرابت في الثانية، وعبر مشروع “TEAS” العابر للقارات بتكلفة ٩٠٠ مليون دولار. إلا أن التهديدات في البحر الأحمر وارتفاع التأمين عطلا مسار رامان، بينما جمّد التردد الجيوسياسي لبعض الشركاء تقدم”TEAS”. وبذلك يظل الاقتصاد الرقمي، رغم تقدمه، مرتبطاً بممرات مادية يمكن أن تتأثر بالصراع والتحالفات مثلما تتأثر خطوط التجارة والطاقة.

 

ولا تنتقل الصدمة البحرية إلى الاقتصاد في صورة خسارة شحن فقط، بل عبر حلقات أبطأ وأكثر اتساعاً. فزيادة زمن الرحلة تجبر الشركات على الاحتفاظ بمخزون أكبر ورأس مال عامل أعلى، وتؤخر وصول المكونات التي تحتاجها الصناعات المتقدمة، بينما تنعكس أقساط التأمين والوقود على أسعار السلع وهوامش الربح. كما أن اضطراب التصدير يهدد موثوقية الشركات داخل سلاسل القيمة الدولية حتى عندما تظل المصانع نفسها قادرة على الإنتاج. وعندما يتحول الخطر من حادث مؤقت إلى توقع دائم، تصبح الكلفة الأهم هي علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمر والممول وشركة الملاحة. عندئذ ينجح الضغط البحري في إصابة الدورة الاقتصادية من دون حصار كامل؛ إذ يكفي أن يجعل كل معاملة أبطأ وأغلى وأقل قابلية للتنبؤ.

أسطول أصغر من المهمة

تاريخياً، بقيت البحرية الإسرائيلية أقل تمويلاً ونفوذاً من القوات الجوية وأجهزة الاستخبارات، وانحصرت عقيدتها زمناً طويلاً في الدفاع الساحلي. لكن اكتشاف الغاز، واتساع المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتزايد التهديدات البعيدة حمّلتها مهامَّ تتجاوز تصميمها العددي. ففي عام ٢٠٢٤ استند العمود الفقري للأسطول السطحي إلى سبع طرادات صاروخية: ثلاثة من فئة “ساعر ٥” وأربعة من “ساعر٦”، مدعومة بثمانية زوارق هجومية من “ساعر ٤,٥” وست غواصات ديزل من طراز “دولفين”. ومع الصيانة وراحة الطواقم وأزمنة الانتقال، ينخفض العدد الجاهز فعلياً، فتظهر فجوات زمنية ومكانية يصعب سدها في مسرحين منفصلين.

 

أظهرت أحداث السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ الجانب الساحلي من هذه الفجوة. فبينما انصب الاهتمام على انهيار الدفاعات البرية، تمكنت زوارق بسيطة منخفضة البصمة الرادارية من اختراق الحدود البحرية، كاشفة قصور الوعي بالمجال الساحلي القريب. وأثبت الاختراق أن فرقاطات ساعر ٦، على الرغم من قدرتها على مواجهة التهديدات النظامية وحماية المنشآت البعيدة، لا تستطيع بمفردها مراقبة كل ميل ساحلي على نحو متصل. فالتفوق في جودة المنصة لا يعوض غياب شبكة موزعة وكثيفة من المستشعرات والدوريات القادرة على اكتشاف أدوات رخيصة ومتاحة تجارياً.

 

في البحر الأحمر تصبح المشكلة أكثر تعقيداً. فاستراتيجية الحوثيين لا تستهدف خوض معركة بحرية تقليدية، بل فرض حصار وظيفي يرفع المخاطر ويغيّر حسابات شركات الملاحة. ومن خلال إخفاء منصات الإطلاق داخل التضاريس اليمنية واستخدام الصواريخ والمسيّرات، استطاعت الجماعة ممارسة شكل من أشكال التمرد البحري دون امتلاك أسطول. وهذا يجبر إسرائيل وحلفاءها على انتشار دفاعي طويل ومكلف، ويجعل أمن الممر مرتبطاً أيضاً باستمرار الإرادة السياسية والعملياتية للقوى الدولية المشاركة في حمايته.

 

تبلغ معادلة الاستنزاف ذروتها في تبادل التكلفة. فالطائرات المسيّرة وصواريخ كروز الإيرانية التصميم قد تتراوح كلفتها بين ٢٠٠٠ و٢٠ ألف دولار، بينما تبلغ كلفة صاروخ اعتراض من طراز “SM-2″ أو ” SM-6″ ما بين ٢,٢ و٤,٣ مليون دولار. وقد يصل التفاوت إلى ١:١٠٠، بل يتجاوز ١:١٠٠٠ في بعض الحالات. وحتى نظام ” C-Dome ” البحري، الذي يخفض تكلفة الاعتراض إلى نحو ٥٠ ألف دولار، لا يلغي خطر الإغراق العددي. فالخصم لا يحتاج إلى إصابة سفينة رئيسية؛ يكفيه دفع المدافع إلى استهلاك مخزونه ورفع الإنفاق وتطبيع الاعتقاد بأن الممرات المرتبطة بإسرائيل غير آمنة.

 

لذلك تتجاوز معضلة الحماية الحساب العسكري المباشر. فالأسطول مطالب بمرافقة التجارة وتأمين آلاف الأميال المربعة من المنطقة الاقتصادية، وحماية حقول الغاز والكابلات والموانئ، وتنفيذ مهامَّ استخباراتية وردعية في الوقت نفسه. وكل قطعة تُسحب إلى مهمة مرافقة أو دفاع ثابت تقلل المرونة المتاحة لمهمة أخرى. ومن هنا يتحول التهديد منخفض الكلفة إلى أداة لإعادة توزيع القوة الإسرائيلية قسراً، بحيث يفرض الخصم عليها أن تحمي كل شيء تقريباً، بينما يحتفظ هو بحرية اختيار الزمان والمكان والأداة.

 

وتكشف هذه الصورة عن فجوتين مختلفتين لا يمكن علاجهما بالأداة نفسها. فالساحل القريب يحتاج إلى مراقبة مستمرة وقدرة على تمييز أهداف صغيرة وسط حركة مدنية كثيفة، بينما تحتاج الممرات البعيدة إلى بقاء طويل ومرافقة واعتراض ودعم لوجستي. استخدام طرّادات المتقدمة في الحراسة الموضعية يهدر ميزتها ويزيد ساعات تشغيلها، لكن ترك المنشآت لوسائل خفيفة وحدها يعرضها للتهديدات الأعقد. وفي البحر الأحمر تصبح المسافة ذاتها عاملاً ضاغطاً، لأنها تطيل خطوط الإمداد والصيانة وتزيد الاعتماد على القواعد والشركاء. ومن ثم ليست الأزمة نقصاً عددياً مجرداً، بل عدم تطابق بين تكوين القوة وتعدد الوظائف المطلوبة منها، وهو ما يفسر الانتقال إلى منظومة موزعة بدلاً من الاكتفاء بشراء عدد محدود من السفن الأكبر.

الأسطول الهجين.. الرهان الإسرائيلي على الردع الذكي

تسعى إسرائيل إلى كسر هذه المعادلة عبر أسطول هجين يدمج القطع المأهولة، بوصفها منصات قيادة وسيطرة وردع، بأسراب من الأنظمة غير المأهولة على السطح وفي الأعماق. والهدف هو توزيع المخاطر وتوسيع المراقبة وإبعاد الطواقم عن البيئات الساحلية وتحت المائية الخطرة، مع الاحتفاظ بالقطع الثقيلة للمهام التي لا تستطيع المنصات الصغيرة تنفيذها. كما يحمل هذا التحول بعداً صناعياً؛ إذ يمكن تحويل الخبرة العملياتية إلى صادرات للدول التي تواجه تحديات مشابهة في هرمز أو البحر الأحمر، فتغدو التكنولوجيا البحرية أداة تجمع بين الأمن القومي والعائد الاقتصادي والنفوذ الدفاعي.

 

تجسد غواصة ” بلو ويل” ELI-3325، التي طورتها الصناعات الجوية الإسرائيلية بالتعاون مع أطلس إلكترونيك، هذا الاتجاه. وعلى السطح، تؤدي مركبة “سيغول “، مهام المراقبة ومكافحة الألغام والغواصات، ويمكنها الانتقال من الرصد إلى إطلاق طوربيد خفيف، مما يسمح بتشكيل دوريات كثيفة حول ليفياثان ومداخل الموانئ بكلفة تشغيل أدنى من الدوريات المأهولة.

 

ولا تقتصر الحماية على المركبات المتحركة. فتقنية الاستشعار الصوتي الموزع ” DAS”تحول كابلات الألياف الضوئية التجارية إلى مصفوفات تضم آلاف المستشعرات الافتراضية. ومن خلال تحليل الارتداد العكسي لنبضات الليزر، يمكن التقاط اهتزازات مراسي السفن أو المركبات غير المأهولة أو الغواصين قبل وصولهم إلى كابلات حساسة مثل “بلو-رامان”. وتكمن قيمة هذه التقنية في أنها تعيد توظيف بنية مدنية قائمة بوصفها شبكة إنذار مبكر، فتزيد كثافة المراقبة دون نشر عدد مماثل من أجهزة الاستشعار المستقلة في قاع البحر.

 

تشغيلياً، يمنح الانتشار الموزع القوات البحرية قدرة على الاحتفاظ بالمنصات الأعلى ثمناً خارج منطقة الخطر، ودفع المستشعرات والمركبات القابلة للاستبدال إلى الأمام. كما يسمح بتغيير كثافة الحماية وفق مستوى التهديد؛ فتزداد الدوريات حول منصة غاز أو مدخل ميناء دون سحب طرّاد كامل من مهمة أخرى. لكن هذه المرونة تفترض توافر اتصالات مأمونة ومعايير موحدة لتبادل البيانات وقدرة سريعة على الصيانة والاستبدال. وهي تفرض أيضاً رقابة بشرية واضحة على قرارات استخدام القوة، خصوصاً في بيئة تعج بالسفن التجارية والصيادين. لذلك، لا تكمن قيمة الأسطول الهجين في عدد المسيّرات وحده، بل في قدرة المنظومة على تحويل انتشارها العددي إلى وعي ميداني موثوق وقرار اشتباك منضبط.

 

شكل (١): هيكل الأسطول البحري الإسرائيلي الهجين وشبكة (C4I)

لكن المستشعرات والمسيّرات لا تعمل بفاعلية دون شبكة عصبية تجمع بياناتها. ولهذا، انتقلت منظومة (C4I) نحو بيئة رقمية موحدة، مع تأسيس قسم الذكاء الاصطناعي “بينا” ونشر أنظمة قيادة مثل “تزايد ومايسترو”. وقد عالجت هذه الأنظمة في النزاعات الأخيرة أكثر من ٨٥٠ ألف عملية رصد، ودمجت بيانات الأقمار الصناعية والرادارات و”بلو ويل” و”سيغول: في صورة عملياتية مشتركة. ويختصر هذا الدمج حلقة الاستشعار والاشتباك؛ إذ يمكن لتنبيه صادر عن كابل يستخدم تقنية (DAS) أن يوجه مركبة غير مأهولة أو بطارية صواريخ إلى التهديد بسرعة وبقدر أقل من التدخل البشري.

 

الجغرافيا لا تُلغى بالذكاء الاصطناعي

مع ذلك، لا تمثل المنصات الذاتية بديلاً نهائياً عن الأسطول التقليدي. فهي مقيدة بسعة البطاريات وقدرتها على تحمل البحر، ومعرضة للتشويش الإلكتروني وفقدان الملاحة عند تعطيل (GPS)، كما أن تدفق بياناتها قد يتحول إلى عبء إذا تعطلت الاتصالات أو أخطأت الخوارزميات في التصنيف. وتبقى فاعليتها مرتبطة بمنظومة أوسع تضم الاستخبارات والرصد الجوي والقطع الثقيلة والحرب الإلكترونية والقرار البشري. فالاستقلالية توسع مجال الرؤية وتخفض التعرض البشري، لكنها لا تلغي الحاجة إلى قوة قادرة على الحضور والاعتراض والردع في البيئات التي تتعرض فيها الشبكات الرقمية للهجوم.

 

والأهم من ذلك، أن التكنولوجيا تعالج نقص التغطية أكثر مما تعالج نقص البدائل. فهي تستطيع اكتشاف تهديد لمنصة غاز أو كابل، لكنها لا تخلق ميناءً بديلاً لإيلات، ولا تفكك اعتماد الكهرباء على الغاز أو التحلية على الكهرباء، ولا تنقل الكتلة السكانية والاقتصادية بعيداً عن الساحل. ومن ثم سيقاس نجاح الاستراتيجية البحرية بقدرتها على الجمع بين الردع والمرونة: توزيع المستشعرات والمنصات، وبناء احتياطيات ومسارات بديلة، وتقليل كلفة الاعتراض، والحفاظ على حرية الملاحة بالتعاون مع الحلفاء. وحتى يتحقق ذلك، سيظل البحر الرئة التي يتنفس منها “اقتصاد الجزيرة”، وفي الوقت نفسه الخاصرة التي يستطيع الخصوم الضغط عليها دون خوض حرب بحرية تقليدية.

 

بهذا المعنى، لا يُقاس نجاح الخصم بعدد السفن التي يغرقها، كما لا يُقاس نجاح إسرائيل بعدد المقذوفات التي تعترضه؛ فالمعيار الأعمق هو أي الطرفين يستطيع تحمل الزمن والكلفة والمحافظة على حرية القرار. فإذا ظل الاعتراض أعلى تكلفةً بكثير من الهجوم، وبقيت الموانئ والمنصات والكابلات مركزة في عقد محدودة، فإن كل جولة، حتى دون إصابات كبيرة، تراكم ضغطاً على الميزانية والمخزون والتأمين وثقة المستثمرين. أما إذا نجحت إسرائيل في توزيع وظائف الحماية، وتوفير بدائل تشغيلية، وخفض كلفة التعامل مع التهديدات الصغيرة، فسيتراجع مردود الاستنزاف. ومن هنا، تصبح معركة البحر منافسة على الصمود الاقتصادي وهندسة الشبكات بقدر ما هي منافسة على النيران، وتغدو الجغرافيا عاملاً يمكن إدارة مخاطره، لا قيداً يمكن للتكنولوجيا محوه بالكامل. وتفرض هذه الخلاصة تغيير معيار التخطيط من حماية المنصة منفردة إلى ضمان استمرار الوظيفة التي تؤديها؛ فالمهم ليس بقاء ميناء أو كابل أو حقل غاز خارج مرمى التهديد في كل لحظة، وهو هدف غير واقعي، بل قدرة الدولة على امتصاص التعطيل وتحويل التدفقات إلى بدائل واستعادة الخدمة قبل أن تتحول الصدمة إلى أزمة وطنية. وعند هذه النقطة يلتقي الدفاع البحري بالتخطيط الاقتصادي وإدارة الطوارئ والسياسة الخارجية، ويصبح الصمود مسؤولية منظومة الدولة كلها لا مهمة القوات البحرية وحدها.

 

وفي الختام، تكشف التجربة منذ أواخر عام ٢٠٢٣ أن جوهر الهشاشة الإسرائيلية لا يكمن في احتمال إغراق سفينة كبيرة، بل في قدرة خصم منخفض الكلفة على تعطيل الوظائف التي يحملها البحر: التجارة، والطاقة، والمياه، والاتصال. وقد أثبتت أزمة إيلات أن الضغط على طريق الملاحة قد يشل ميناءً دون مهاجمته مباشرة، كما يبين ترابط الغاز والكهرباء والتحلية أن إصابة عقدة واحدة يمكن أن تنتج آثاراً متسلسلة. لذلك، لا ينبغي قياس الأمن البحري بعدد القطع أو نسب الاعتراض وحدها، بل بقدرة الدولة على استمرار الخدمة تحت الضغط واستعادتها سريعاً.

 

وتقود هذه الخلاصة إلى التحول الـمطلوب من حماية المنصات منفردة إلى هندسة الصمود: توزيع المستشعرات والقواعد، وتوفير موانئ ومسارات واحتياطيات بديلة، وخفض كلفة الاعتراض، وحماية الكابلات والمنشآت المدنية ضمن صورة عملياتية واحدة، وتعميق التعاون مع الشركاء لضمان حرية الملاحة. فالمنصات الذاتية والذكاء الاصطناعي يوسعان مجال الرؤية ويقللان التعرض البشري، لكنهما لا يصنعان بديلاً جغرافياً ولا يعوضان نقص المخزون والخيارات. وعليه، ستُحسم المنافسة البحرية بقدرة كل طرف على تحمل الزمن، والكلفة، والمحافظة على حرية القرار. ويمكن لإسرائيل إدارة فخ الجغرافيا، لكنها لا تستطيع إلغاءه بالتكنولوجيا وحدها.

المراجع

Bikash, Koley. Google Cloud. “Announcing the Blue and Raman Subsea Cable Systems.” . July 29, 2021. Available on: https://cloud.google.com/blog/products/infrastructure/announcing-the-blue-and-raman-subsea-cable-systems

 

Bueger, Christian, and Timothy Edmunds. Understanding Maritime Security. Oxford: Oxford University Press, 2024. Available on: https://global.oup.com/academic/product/understanding-maritime-security-9780197767146?cc=ae&lang=en&

 

Center for Strategic and International Studies, Missile Defense Project. “Iron Dome (Israel).” Missile Threat, July 13, 2021. Available on: https://missilethreat.csis.org/defsys/iron-dome/

 

Cinturion Group. The Network: TEAS—Trans Europe Asia System. Herndon, VA: Cinturion Group, n.d. Available on: https://www.cinturiongroup.com/the-network

 

Elbit Systems. Seagull USV: Multi-Mission Unmanned Surface Vessel. Haifa: Elbit Systems, n.d. Available on: https://www.elbitsystems.com/unmanned/maritime/unmanned-surface-vessel/seagull-usv

 

Fabian, Emanuel. “Navy’s Sixth Dolphin 2-Class Submarine, Drakon, on Its Way to Israel.” Times of Israel, September 1, 2026. Available on: https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/navys-sixth-dolphin-2-class-submarine-drakon-on-its-way-to-israel/

 

Germond, Basil. The Maritime Dimension of European Security: Seapower and Securing Sea Lanes. London: Palgrave Macmillan, 2015. Available on: https://link.springer.com/book/10.1057/9781137017819

 

Helfont, Samuel. “Victory at Sea? The Israeli Navy’s Gains and Gaps Since October 7.” Hoover Institution, June 10, 2025. Available on: https://www.hoover.org/research/victory-sea-israeli-navys-gains-and-gaps-october-7

 

Jewish Institute for National Security of America. U.S. Must Defeat Houthis’ Asymmetric Warfare Strategy. Washington, DC: JINSA, 2024. Available on: https://jinsa.org/jinsa_report/u-s-must-defeat-houthis-asymmetric-warfare-strategy/

 

Mimran, Tal, Magda Pacholska, Gal Dahan, and Lena Trabucco. “Beyond the Headlines: Combat Deployment of Military AI-Based Systems by the IDF.” Articles of War, February 2, 2024. Available on: https://lieber.westpoint.edu/beyond-headlines-combat-deployment-military-ai-based-systems-idf/

 

Monaghan, Sean, Michael Darrah, Eskil Jakobsen, and Otto Svendsen. “Red Sea Cable Damage Reveals Soft Underbelly of Global Economy.” Center for Strategic and International Studies, March 7, 2024. Available on: https://www.csis.org/analysis/red-sea-cable-damage-reveals-soft-underbelly-global-economy

 

Nuclear Threat Initiative. “Israel Submarine Capabilities.” August 15, 2024. Available on: https://www.nti.org/analysis/articles/israel-submarine-capabilities/

 

Reuters. “Israel’s Eilat Port Sees 85% Drop in Activity amid Red Sea Houthi Attacks.” December 21, 2023. Available on: https://www.reuters.com/world/middle-east/israels-eilat-port-sees-85-drop-activity-amid-red-sea-houthi-attacks-2023-12-21/

 

Reuters. “Red Sea War Insurance Rises with More Ships in Firing Line.” January 16, 2024. Available on: https://www.reuters.com/business/finance/red-sea-war-insurance-rises-with-more-ships-firing-line-2024-01-16/

 

Sabbagh, Dan. “Israeli Command System Identified 850,000 Targets in Gaza and Lebanon Wars, Says Supplier.” Guardian, July 6, 2026. Available on: https://www.theguardian.com/world/2026/jul/06/israel-command-system-identified-850000-targets-gaza-lebanon-war-supplier-elbit-systems

 

Till, Geoffrey. Seapower: A Guide for the Twenty-First Century. 4th ed. Abingdon: Routledge, 2018. Available on: https://www.routledge.com/Seapower-A-Guide-for-the-Twenty-First-Century/Till/p/book/9781032877341

 

United Nations Conference on Trade and Development. Navigating Troubled Waters: Impact to Global Trade of Disruption of Shipping Routes in the Red Sea, Black Sea and Panama Canal. Geneva: United Nations, 2024. Available on: https://unctad.org/publication/navigating-troubled-waters-impact-global-trade-disruption-shipping-routes-red-sea-black

 

United Nations Statistics Division. UN Comtrade Database: Israel, Merchandise Trade, 2024. New York: United Nations, 2025. Available on: comtrade.un.org

 

Weisbrod, Noam. “Israel Water Resources and Desalination.” Interview by Todd Votteler. Talk+Water Podcast, September 7, 2023. Available on: https://podcasts.apple.com/us/podcast/talk-water/id1450729314

 

Zagrizak, Assaf. “Debt of NIS 10 Million: Behind the Threat to Close Eilat Port.” Globes, July 16, 2025. Available on: https://en.globes.co.il/en/article-debt-ridden-eilat-port-to-close-sunday-1001516171

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *