وسائل التواصل الاجتماعي والميمز كساحة صراع موازية
البرامج البحثية
4 مايو 2026

وسائل التواصل الاجتماعي والميمز كساحة صراع موازية

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على ميادين القتال التقليدية، بل باتت تتحرك عبر مسارح متعددة تتبدّل أدواتها وأنماطها بوتيرة متسارعة. وفي سياق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تَصدّرت المسيّرات والأدوات الاقتصادية واجهة الاشتباك المباشر بين الأطراف، مع تصاعد احتمالات الانزلاق إلى المجال البحري عقب إعلان الرئيس دونالد ترامب فرض حصار بحري على مضيق هرمز. وبينما ظل المجال الجوي الساحة الأكثر كثافة في العمليات، مع مؤشرات على اقتراب فتح جبهة في مياه الخليج، برز مسرح موازٍ لا يقل تأثيرًا، يتمثل في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه ساحة أكثر انسيابية وأقل تقليدية. فمنذ اللحظة الأولى للصراع، لم تكتفِ الولايات المتحدة وإيران بإدارة المواجهة عبر الأدوات العسكرية والاقتصادية، بل وسّعتا نطاق الاشتباك إلى المجال الرقمي، موظّفتين الميمز ومنصات مثل "إكس" و"إنستجرام" كأدوات ضغط دعائي موجّهة. وفي هذا الإطار، لم يعد الهدف مقتصرًا على تقويض مصداقية الخصم، بل امتد إلى إعادة هندسة سردية الحرب ذاتها، والتأثير في اتجاهات الرأي العام عبر تعبئة جماهير أوسع وتحويل التفاعل الرقمي إلى رافعة استراتيجية مكمّلة لمسار العمليات.   ينطلق هذا التحليل من تفكيك الكيفية التي تحوّل بها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والميمز إلى ساحة صراع موازية بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع المواجهة في فبراير 2026، وما ترتب على ذلك من تداعيات. ويستند إلى فرضية مفادها أن توظيف هذه الأدوات لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أعاد تشكيل موقع الفرد من متلقٍ سلبي إلى فاعل منخرط في التفاعل مع مجريات الصراع، بالتوازي مع إضفاء طابع اعتيادي على مظاهر العنف عبر السخرية. وعلى هذا الأساس، لم يعد تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة مجرد امتداد تقني للحرب، بل أفضى إلى إعادة صياغة مفهومها ذاته، عبر تقديمها في قالب جمالي مُؤنسن، لا سيما من خلال الاستخدام المكثف لوسائل التواصل والميمز من قبل المؤسسة العسكرية الأمريكية والبيت الأبيض، بما يعيد تشكيل إدراك الحرب وحدودها في الوعي العام.
هل يُعاد تشكيل الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل؟
البرامج البحثية
30 أبريل 2026

هل يُعاد تشكيل الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل؟

شهدت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا، مدفوعًا في الأساس بالحرب على غزة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. وقد بدأ هذا التحول في صورة حالة من التوجّس المتصاعد، قبل أن يتبلور تدريجيًا في تراجع واضح في مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل عبر القارة الأوروبية، حيث اتجه قطاع متزايد من الرأي العام إلى اعتبار ردّها العسكري مفرطًا في حدّته. غير أن هذا التحول في المزاج العام لم يواكبه انتقال موازٍ على المستوى السياسي، إذ واصل القادة الأوروبيون تبنّي مقاربة حذرة ذات طابع دبلوماسي، ساعين إلى تحقيق توازن دقيق بين التعبير عن القلق والحفاظ على التزامات راسخة، في مقدمتها التأكيد المستمر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا في الآونة الأخيرة. فقد أدّى التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران إلى فرض ضغوط اقتصادية واستراتيجية مباشرة على أوروبا، ما دفع صُنّاع القرار إلى تبنّي استجابة أكثر حزمًا، وإن ظلت مضبوطة ضمن إطارها العام. وفي الوقت ذاته، تعكس التحولات السياسية داخل القارة، بما في ذلك بروز قيادات أقل انحيازًا تقليديًا لإسرائيل، مثل رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار، مسارًا تدريجيًا لإعادة معايرة المواقف، لا قطيعة مفاجئة في السياسة.   وقد تجلّى هذا التحول بوضوح لافت في أواخر أبريل 2026، عندما برزت داخل الاتحاد الأوروبي مناقشات حول تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ورغم أن المقترح لم يحظَ بالتوافق اللازم للمضي فيه، في ظل عرقلة دول محورية مثل ألمانيا وإيطاليا، فإنه كشف في الوقت ذاته عن انتقال خيارات كانت تُعد سابقًا خارج نطاق التصوّر إلى صلب النقاش السياسي. وفي حين أن تعليق الاتفاقية قد يترتب عليه آثار اقتصادية ملموسة بالنسبة لإسرائيل، فإن تفعيله يظل محكومًا بتوازنات داخلية معقّدة داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن تعذّر المضي في هذا المسار لا يعني غياب أدوات التأثير؛ إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بطيف من الآليات البديلة القادرة على إحداث ضغط فعّال على إسرائيل.   بلغت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل أدنى مستوياتها منذ تأسيس الدولة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، في انعكاس لتحوّل واضح ومستمر في المناخين السياسي والمجتمعي عبر القارة. وفي هذا السياق، بدأ هذا التحوّل يتبلور مع اندلاع الحرب على غزة، التي نظر إليها قطاع واسع من الأوروبيين باعتبارها مفرطة في حدّتها، ما دفع إلى إعادة تقييم مواقف كانت راسخة لعقود. ومع تتابع التطورات، تكرّس هذا الاتجاه في صورة تراجع أوسع في مستويات التأييد، الأمر الذي يشير إلى أن التحوّل لم يعد ظرفيًا، بل يعكس تغيرًا أعمق وأكثر استدامة في بنية الاتجاهات السائدة.     غير أن تطوّر القيادة السياسية لم يعكس هذا التحوّل المجتمعي بالوتيرة ذاتها. فعلى مدار معظم العام الماضي، واصل غالبية القادة الأوروبيين تبنّي الخطاب الحذر المألوف، مع التعبير عن القلق إزاء السياسات الإسرائيلية، بالتوازي مع التأكيد المتكرر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". وفي هذا الإطار، ظل هذا التوازن الخطابي، الذي شكّل سمة راسخة في الدبلوماسية الأوروبية لعقود، قائمًا إلى أن بدأ يتصدّع في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، وبينما خرج عدد محدود من القادة عن هذا النمط في وقت مبكر، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بقيت الغالبية متمسكة بالمواقف التقليدية إلى أن برز عامل أكثر مباشرة دفع نحو إعادة التموضع. وفي هذا السياق، جاء هذا العامل المحفِّز مع التصعيد المرتبط بإيران. فعلى خلاف الحرب على غزة، التي أعادت تشكيل الرأي العام في المقام الأول، بدأت المواجهة الإقليمية الأوسع تؤثر بصورة مباشرة في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لأوروبا. وتكتسب هذه المفارقة أهمية محورية في فهم مسار التحوّل، إذ بينما تحرّك المزاج العام بدوافع إنسانية وأخلاقية، تبدو استجابات القيادات السياسية مدفوعة بضغوط ملموسة تمس الاستقرار وأمن الطاقة والمرونة الاقتصادية. وعلى هذا الأساس، يشير التحوّل في مواقف القادة الأوروبيين إلى أن تغيّر السياسات يرتبط بدرجة أوثق بحسابات المصالح المادية، لا بالقيم العامة وحدها.   وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح أكبر تحت وطأة البعد الاقتصادي للأزمة، الذي برز بوصفه عاملًا حاسمًا في توجيه مسار التفاعلات. ففي هذا السياق، تفاعلت أسواق الطاقة سريعًا مع التصعيد، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 72–73 دولارًا للبرميل قبل اندلاع المواجهة إلى ما يقارب 120 دولارًا عند ذروتها، قبل أن تستقر لاحقًا عند حدود 93 دولارًا عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار. وعلى المنوال ذاته، سلكت أسعار الغاز مسارًا مماثلًا، إذ صعدت من نحو 35.5 يورو لكل ميجاواط/ساعة إلى مستويات تجاوزت 60 يورو، قبل أن تستقر عند قرابة 44 يورو. ورغم أن أوروبا لا تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة المباشرة عبر مضيق هرمز، فإن ارتباطها الأوسع بأسواق الطاقة العالمية يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.   وفي امتداد لهذه الضغوط، أسهمت تقلبات أسعار الصرف، بحكم تسعير النفط بالدولار الأمريكي، في تضخيم الكلفة الإجمالية، ما فرض أعباء إضافية على الاقتصادات الأوروبية والمستهلكين على حد سواء. ولم تقتصر هذه التداعيات على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت إلى قطاعات أخرى، من بينها الطيران. فقد بدأت بالفعل ارتفاعات كلفة وقود الطائرات والقيود على الإمدادات في إرباك العمليات التشغيلية، حيث اتجهت شركات الطيران إلى تعديل الأسعار، بل وإلغاء بعض الرحلات في حالات معينة قبيل فترات الذروة السياحية. وفي المحصلة، تعزّز هذه التطورات إدراك صُنّاع القرار الأوروبيين بأن عدم الاستقرار الإقليمي يخلّف آثارًا داخلية مباشرة، ما يسرّع بدوره الحاجة إلى إعادة تقييم مواقف السياسة الخارجية.   وبالتوازي مع ذلك، تكشف التحولات السياسية داخل أوروبا عن مسار تدريجي لإعادة ضبط المواقف. ففي المجر، يعكس انتخاب رئيس الوزراء بيتر ماجيار انتقالًا نحو تبنّي مقاربة أكثر توازنًا مقارنة بالموقف الداعم لإسرائيل دون تحفظ، الذي طبع مرحلة سلفه. ومع تأكيده استمرار اعتبار إسرائيل شريكًا اقتصاديًا مهمًا، أوضح ماجيار أن قرارات الاتحاد الأوروبي ستُقيَّم مستقبلًا على أساس كل حالة على حدة، بدلًا من عرقلتها بصورة تلقائية. وفي هذا الإطار، تعكس مواقفه الداعية إلى إعادة الانخراط في الأطر القانونية الدولية توجّهًا نحو مواءمة سياسات هنغاريا بشكل أوثق مع المعايير الأوروبية الأوسع، بدلًا من مواصلة النهج الانعزالي الذي ساد في المرحلة السابقة.   وفي امتداد لهذه التحولات، أسهمت التوترات الإقليمية في توسيع الفجوة السياسية داخل المواقف الأوروبية. فقد اتسمت ردود الفعل الأوروبية تجاه الضربات الإسرائيلية في لبنان، ولا سيما في دول مثل فرنسا وبلجيكا، بقدر أكبر من النقد، بما يعكس تنامي حالة عدم الارتياح داخل العواصم الأوروبية. ويشير ذلك إلى أن هذا التحول لم يعد محصورًا في الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل بات يتعزز بصورة متزايدة بفعل تطورات جيوسياسية تضع التوازنات الدبلوماسية القائمة أمام اختبارات متصاعدة.   وفي المحصلة، تعكس هذه الديناميكيات مسار تحوّل يقوم على مستويين متداخلين ومتوازيين. فقد بادر الرأي العام الأوروبي إلى التغيّر أولًا، مدفوعًا بتداعيات الحرب على غزة وأبعادها الإنسانية، بينما جاءت استجابة القيادات السياسية لاحقًا، تحت وطأة الانعكاسات الاستراتيجية والاقتصادية للتصعيد الإقليمي الأوسع. ومن خلال هذا التفاعل، يتبلور اتجاه نحو إعادة توجيه تدريجية لكنها واضحة في موقف أوروبا تجاه إسرائيل، تتشكل عبر تراكم ضغوط مجتمعية، وتزايد الهشاشة الاقتصادية، وإعادة تموضع جيوسياسي، بما يجعل هذا التحول أقرب إلى مسار تراكمي متدرّج منه إلى قطيعة مفاجئة في السياسة.
قطاع الطيران التجاري بين صدمة هرمز وإعادة هيكلة خطط التوسع
البرامج البحثية

قطاع الطيران التجاري بين صدمة هرمز وإعادة هيكلة خطط التوسع

يقف قطاع الطيران التجاري العالمي في عام 2026 عند مفترق طرق بالغ الحساسية، إذ تتشابك ثلاثة محاور كبرى تُعيد تشكيل ملامح الصناعة من أساسها: أزمة طاقة جيوسياسية غير مسبوقة في حجمها وسرعة تصاعدها، واختناقات مزمنة في سلاسل توريد صناعة الفضاء والطيران تُثقل كاهل خطط التحديث، وتحولات عميقة في اقتصاديات التشغيل لشركات الخطوط الجوية تضرب في صميم نماذج أعمالها المستقرة, فمع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير 2026، تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز — الشريان البحري الذي يحمل نحو عشرين إلى 25% من إجمالي تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً — للشلل التام جراء التهديدات العسكرية والضربات البنيوية التي طالت منظومة الملاحة الإقليمية.   لم يكن أثر هذا الانهيار مجرد اضطراب عابر في خطوط الإمداد، بل كان صدمةً هيكلية للاقتصاد العالمي بأسره. فقد أُزيل من الأسواق ما يعادل 600 مليون برميل نفط في وقت وجيز، ما استتبع ارتفاعاً حاداً في أسعار مشتقات النفط الوسيطة، وفي مقدمتها وقود الطائرات الذي قفزت أسعاره عالمياً بنسبة تجاوزت 150% على أساس سنوي، من نحو 99 دولاراً للبرميل إلى ذروة تجاوزت 200 دولار خلال أسابيع قليلة فحسب. وفي سنغافورة، أحد أبرز مراكز تسعير وقود الطائرات في آسيا، تخطت الأسعار حاجز 290 دولاراً للبرميل، وهو رقم لم يشهده التاريخ من قبل. وقد وصف مدير الوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول ما جرى بأنه "أسوأ أزمة طاقة في التاريخ"، متجاوزاً في أثره الاقتصادي المجتمع صدمتَي النفط عامَي 1973 و1979 معاً.   على الرغم من هذه العواصف الاقتصادية الهائلة، أثبت القطاع قدراً لافتاً من المرونة المالية على المستوى الكلي؛ إذ تتوقع الرابطة الدولية للنقل الجوي (IATA) أن يبلغ صافي أرباح الخطوط الجوية العالمية رقماً قياسياً يصل إلى 41 مليار دولار في عام 2026، في ظل معدلات إشغال قياسية تبلغ 83.8%. غير أن هذه الأرقام المجمّعة تحجب خلفها تفاوتات حادة وضغوطاً وجودية تطال شرائح بعينها من الناقلين، إذ تعمل الصناعة بهامش ربح صافٍ لا يتجاوز 3.9% فحسب، وهو هامش دقيق للغاية يجعلها بالغة الهشاشة أمام أي اضطراب إضافي.   لذلك يهدف هذا التحليل إلى  استقراء البنية العميقة لأزمة وقود الطيران لعام 2026 من زاويتين محوريتين متشابكتين: الأولى، تقييم الأثر الفوري والمتراكم لارتفاع أسعار وقود الطائرات على اقتصاديات تشغيل شركات الخطوط الجوية على اختلاف نماذجها — من الناقلات الكبرى ذات التحوطات المالية المتقدمة، إلى شركات الطيران منخفضة التكلفة الواقعة تحت وطأة أزمة سيولة حادة قد تبلغ حد التصفية. والثانية، رصد الانعكاسات الاستراتيجية بعيدة المدى لهذه الأزمة على مسار طلبيات الطائرات الجديدة وخريطة التوازن بين مصنّعي الطائرات، في ظل بيئة تشغيلية تعيد تعريف معادلة الكفاءة والقدرة التنافسية في آنٍ واحد.
آفاق التعاون في الأمن الغذائي بين المجر والإمارات
البرامج البحثية

آفاق التعاون في الأمن الغذائي بين المجر والإمارات

ترتكز المجر على قطاع زراعي راسخ ومتطور يشكّل قاعدة إنتاجية موثوقة تعزز استقرار الإنتاج وتدعم استدامة منظومتها الزراعية على المدى الطويل، إذ تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة والمحاصيل الدائمة نحو 4.3 ملايين هكتار، من بينها قرابة 130 ألف هكتار من الأراضي المروية، بما يعكس قدرة إنتاجية مستقرة وقابلة للتوسع. وتشمل المحاصيل الرئيسية القمح بمساحة 0.9 مليون هكتار، والذرة بمساحة 0.8 مليون هكتار، ودوار الشمس بمساحة 0.7 مليون هكتار، في حين تغطي المراعي نحو 0.8 مليون هكتار وتمتد الغابات على مساحة 2 مليون هكتار، بما يعكس تنوعًا في أنماط الاستخدام الزراعي والموارد الطبيعية. وعلى مستوى الإنتاج الحيواني، تضم البلاد نحو 2.8 مليون رأس من الخنازير و33.8 مليون طائر من الدواجن، وهو ما يعزز من تنوع القاعدة الزراعية ويمنحها مرونة إنتاجية تدعم قدرتها على الإسهام في منظومات الأمن الغذائي على نطاق أوسع.   واتساقًا مع هذه القاعدة الإنتاجية، يعتمد اقتصاد المجر على التصدير بوصفه محرّكًا رئيسيًا للنمو، وهو ما دفع إلى تسريع تبنّي التطورات التكنولوجية وتخفيف القيود المالية، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة، عبر قطاعات متعددة، الأمر الذي انعكس مباشرة في تحسين جودة المنتجات وتعزيز مستويات الربحية. وفي هذا السياق، استفاد القطاع الزراعي بشكل لافت من هذه التحولات، إذ شهدت صادرات المحاصيل والإنتاج الحيواني نموًا متواصلًا على مدى السنوات. وقد شكّلت الصادرات الزراعية نحو 9.1% من إجمالي صادرات المجر في عام 2024، وتوزعت على سلع رئيسية تشمل الحبوب ومنتجاتها بنسبة 13%، وأعلاف الحيوانات بنسبة 12%، واللحوم ومنتجاتها بنسبة 9%، ومنتجات الألبان بنسبة 5%، إضافة إلى الفواكه والخضروات بنسبة 5%. وانطلاقًا من ذلك، يعزّز الدور المتقدم للمجر في القطاع الزراعي قدرتها على تبنّي مقاربات فعّالة لمعالجة تحديات الأمن الغذائي، بما يوسّع في الوقت ذاته نطاق العوائد الاستراتيجية للدول التي تنخرط في شراكات معها.     ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة والمجر بشراكة متينة تتجاوز الإطار الجغرافي التقليدي، إذ شهدت العلاقات الثنائية منذ إقامة الروابط الدبلوماسية بين البلدين مسارًا تصاعديًا نحو مستويات متقدمة من التنسيق والتكامل عبر مجالات متعددة، تشمل الطاقة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يعكس هذا الزخم التعاوني قابلية استراتيجية لتوسيع نطاق الشراكة بين أبوظبي وبودابست بما يتجاوز القطاعات التقليدية، ليشمل التعامل مع أحد أبرز التحديات العالمية المستمرة، والمتمثل في الأمن الغذائي.   وانطلاقًا من هذا الزخم التعاوني، تمتلك المجر قاعدة زراعية متقدمة وإمكانات إنتاجية معتبرة، في حين ترسّخ دولة الإمارات موقعها بوصفها بوابة إلى الأسواق العالمية، ومركزًا للتكنولوجيا، ومصدرًا فاعلًا لرأس المال. وعلى هذا الأساس، تبرز بين البلدين فرص نوعية لتطوير شراكة غذائية تتفوق في إمكاناتها على ما هو قائم مع بقية دول المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن لبودابست أن تؤدي دور حلقة ارتكاز في سلاسل إمداد الغذاء، تربط أوروبا الوسطى بالشرق الأوسط عبر موانئ البحر الأدرياتيكي، مدعومةً بالتعاون في التقنيات الزراعية بما يعزز كفاءة الإنتاج والنقل. وفي المقابل، يمكن لموانئ دولة الإمارات أن تؤدي دور حلقة وصل استراتيجية تتيح نفاذ المنتجات المجرية إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا بكفاءة أعلى، بما يرسّخ تكاملًا وظيفيًا بين القدرات الإنتاجية واللوجستية للطرفين.
من الصمود إلى الصعود: كيف تحوّل الإمارات الأزمات إلى فرص
البرامج البحثية

من الصمود إلى الصعود: كيف تحوّل الإمارات الأزمات إلى فرص

يقع الكثير من المحللين في خطأ منهجي متكرر عند تقييم مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة في خضم الاضطرابات الإقليمية؛ إذ يعمدون إلى قياس مناعة الدولة بمدى بُعدها الجغرافي عن بؤر الخطر، متجاهلين قدرتها الفائقة على إعادة ابتكار ذاتها في مواجهة ما يعترضها من أزمات. هذا الخطأ تحديداً هو ما يمنح السرديات التشاؤمية حول "أفول نجم الخليج" صدىً في القراءات الأولية المتعجلة، وهي سرديات سرعان ما تتهاوى أمام لغة الأرقام وصلابة الوقائع. فالإمارات لم تتجاوز الأزمات الكبرى التي عصفت بالمنطقة عبر العقود الماضية بفضل الاحتماء بمسافات آمنة أو مظلات خارجية، بل تجاوزتها لامتلاكها مقومات أعمق وأكثر ديمومة: تتمثل في براعتها في تحويل الصدمات إلى إصلاحات جادة، والارتقاء بتلك الإصلاحات لتصبح ميزة تنافسية راسخة.   من هنا لا يهدف هذا التحليل إلى التقليل من حجم التحديات التي تفرضها حرب إقليمية باتت تلقي بظلالها الثقيلة على أمن مضيق هرمز، وأسواق التأمين البحري، وتدفقات الاستثمار؛ بل يمثل مسعىً منهجياً للإجابة عن ثلاثة تساؤلات محورية مترابطة: كيف تمكنت الإمارات من تجاوز الأزمات الكبرى تاريخياً؟ وكيف استبقت اندلاع الأزمة الراهنة بتحصين بنيتها التحتية ومنظومتيها الاقتصادية لضمان استدامة صمودها؟ وأخيراً، كيف يمكن مقاربة المشهد الحالي، لا بوصفه إيذاناً بنهاية نموذج تنموي، بل باعتباره تمهيداً لمرحلة أكثر نضجاً ورسوخاً في صلب الاقتصاد العالمي.
ديناميكيات الحرب والسياسة: كيف تعيد الحرب الإسرائيلية الإيرانية تشكيل انتخابات الكنيست في ٢٠٢٦
الإصدارات
20 أبريل 2026

ديناميكيات الحرب والسياسة: كيف تعيد الحرب الإسرائيلية الإيرانية تشكيل انتخابات الكنيست في ٢٠٢٦

شهد النظام السياسي الإسرائيلي تحولات هيكلية على خلفية اندلاع عملية الأسد الزائر بين إسرائيل وإيران في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. حيث يمثل هذا الصراع انتقالاً من سياسات الردع التقليدي وحروب الوكالة إلى عقيدة المواجهة الشاملة والضربات الاستباقية الموجهة ضد البنية التحتية النووية والعسكرية في العمق الإيراني.   وتزامنت هذه التطورات العسكرية مع اقتراب الموعد الدستوري لإجراء انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في موعد أقصاه أكتوبر ٢٠٢٦، وذلك في ظل بيئة سياسية تتسم بالهشاشة بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم. فقد بدأت هذه المواجهة في وقت تعاني فيه القيادة التنفيذية من تراجع في مؤشرات الدعم السياسي، متأثرة بالتداعيات المستمرة للإخفاقات الاستخباراتية والأمنية المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر 2023. وتترافق هذه التحديات مع تراجع المؤشرات الاقتصادية المحلية، والانقسامات المجتمعية الحادة حول تشريعات التجنيد الإلزامي لليهود المتشددين، فضلاً عن مسار المحاكمات القضائية الجارية. وفي هذا السياق، تشير المعطيات التحليلية إلى مساعي القيادة التنفيذية لتوظيف حالة الطوارئ الوطنية بهدف توطيد تماسك القاعدة الانتخابية اليمينية، وإثبات مركزية القيادة الحالية في إدارة التهديدات الأمنية ضمن نظام برلماني معقد.   يفرض تقاطع النزاعات العسكرية الممتدة مع الدورات الانتخابية الديمقراطية تحديات بنيوية معقدة على السلوك التصويتي ومستقبل القيادات الحالية، حيث تتداخل متطلبات التعبئة الوطنية مع أزمات الثقة المؤسسية المتجذرة في الوعي العام، يقدم هذا التحليل قراءة للحسابات الانتخابية قبل وبعد اندلاع المواجهة، ويستعرض السوابق التاريخية لتأثير الحروب الممتدة على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كما   يحلل الدوافع الاستراتيجية والشخصية التي توجه عملية صنع القرار، وصولاً إلى استشراف مسارات إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية في استحقاق عام ٢٠٢٦.
من قطر إلى واشنطن: كيف غيّر إغلاق مضيق هرمز بوصلة سوق الغاز العالمي
البرامج البحثية

من قطر إلى واشنطن: كيف غيّر إغلاق مضيق هرمز بوصلة سوق الغاز العالمي

شهد سوق الغاز الطبيعي العالمي، في مطلع عام 2026، تحولاً جذرياً غير مسبوق أفقده كثيراً من ملامح الاستقرار التي رسمتها سنوات من إعادة التوازن عقب أزمة الطاقة الأوروبية في 2022، إذ كانت الأسواق تسير نحو مرحلة وفرة نسبية في المعروض، تقودها طاقات التسييل الأمريكية المتوسعة والمشاريع القطرية الضخمة، حين أشعلت عملية الغضب الملحمي في الثامن والعشرين من فبراير 2026 فتيلَ أخطر أزمة طاقة تمر بها المنظومة الدولية منذ عقود، حيث أسفرت هذه العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، وما أعقبها من إغلاق مضيق هرمز، عن انتزاع نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال من التداول العالمي في غضون أيام قليلة.   تهدف هذه الورقة إلى تحليل التحولات البنيوية التي أحدثتها الأزمة في سوق الغاز الطبيعي العالمي، من خلال رصد ديناميكيات العرض والطلب قبل اندلاع الصراع وبعده، وتتبع انعكاساتها على الفاعلين الرئيسيين في المنظومة الدولية للطاقة، بما فيها الدول الأكثر انكشافًا على سوق الغاز الطبيعي العالمي كمصر والأردن.
اقتصادات الدفاع في زمن الحرب: تحولات الإنفاق العام تحت وطأة الصراع
البرامج البحثية

اقتصادات الدفاع في زمن الحرب: تحولات الإنفاق العام تحت وطأة الصراع

لا تُدار الحروب الحديثة بالسلاح وحده، بل بقدرة الدولة أيضًا على تمويل هذا السلاح، والحفاظ على استدامة تشغيله، وامتصاص كلفته المتصاعدة داخل بنية الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، يُعدّ اقتصاد الدفاع أحد الأطر التحليلية الرئيسة لفهم كيفية تكيّف الدول مع الحروب الممتدة، بوصفه المنظومة المالية والصناعية والإنفاقية التي تُمكّن الدولة من بناء قدرتها العسكرية، والحفاظ على جاهزيتها، وإعادة توجيهها بما يتوافق مع مقتضيات الصراع. وفي أوقات السلم، تميل هذه المنظومات إلى قدر من الاستقرار النسبي؛ غير أنها تتحول في زمن الحرب إلى آلية ضاغطة تُعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعيد توجيه الموارد، وتفرض على الدولة خيارات مالية أكثر كلفة وحساسية. وفي هذا السياق، أدى تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، بالتوازي مع اتساع نطاق المواجهة مع إيران ووكلائها الإقليميين، إلى دفع اقتصادات الدفاع لدى أطراف الصراع نحو مرحلة أكثر ضغطًا واختلالًا، انعكست في تصاعد أعباء الموازنات، وتزايد الاعتماد على الدين، وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق بما يتماشى مع متطلبات الحرب واتساعها.   تتناول هذه الدراسة أثر التصعيد العسكري المستمر في إعادة تشكيل اقتصادات الدفاع لدى ثلاثة من أبرز الفاعلين: إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. وتجمع بين تحليل الاستجابات المالية قصيرة الأجل واستشراف المسارات الأطول أمدًا للموازنات العامة، لتخلص إلى أن ما يشهده الإنفاق العسكري لا يقتصر على طفرة ظرفية، بل يعكس تحولًا عميقًا يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الكلي. وقد تجسّد هذا التحول في اتساع العجوزات المالية، وتآكل الحيز المتاح للإنفاق على الخدمات المدنية لصالح المتطلبات العسكرية، وتسريع وتيرة تعبئة الصناعات الدفاعية المحلية، إلى جانب تصاعد الضغوط على الجدارة الائتمانية السيادية. وفي السياق ذاته، ترسّخت مستويات مرتفعة من الإنفاق العسكري داخل الأطر المالية الوطنية بصورة يُرجّح استمرارها حتى بعد أي وقف لإطلاق النار. وعلى مستوى الشرق الأوسط، بات الفصل بين كلفة العمليات العسكرية ومؤشرات الصحة الاقتصادية الوطنية أكثر تعقيدًا، بما يعكس تداخلاً متزايدًا بين اعتبارات الأمن والاقتصاد.
انعكاسات هدنة أبريل 2026 بين الولايات المتحدة وإيران على سيناريوهات أسعار النفط
البرامج البحثية

انعكاسات هدنة أبريل 2026 بين الولايات المتحدة وإيران على سيناريوهات أسعار النفط

في السابع من أبريل عام 2026، أعلنت كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن هدنة مؤقتة مدتها أسبوعان، جاءت ثمرةً لوساطة دبلوماسية مكثفة أجرتها باكستان بين الطرفين على مدار ساعات حرجة. وقد اندلعت شرارة هذا النزاع في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية استهدفت البنية التحتية الإيرانية، فردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية الدولية، مما أفضى إلى أكبر صدمة إمدادات طاقة في تاريخ الأسواق الحديثة.   أسفر هذا الإغلاق عن شلل تام لنحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبر المضيق في زمن السلم، أي ما يُمثّل قرابة ربع حجم التجارة البحرية العالمية من النفط. وقد أعلنت إيران فتح المضيق بصورة مشروطة في إطار الهدنة، فيما جرى الاتفاق على عقد محادثات دبلوماسية في إسلام آباد بدءاً من العاشر من أبريل. يهدف هذا التحليل إلى استيعاب أبعاد الأزمة، وتقييم السيناريوهات القائمة لمسار أسعار النفط، مع استحضار الدروس المستفادة من الصدمات التاريخية المماثلة لفهم مدى هشاشة الوضع الراهن ومآلاته المحتملة.
طلقات فارغة: هل يستطيع ترامب محاصرة مضيق هرمز؟
البرامج البحثية

طلقات فارغة: هل يستطيع ترامب محاصرة مضيق هرمز؟

أعلن الرئيس دونالد ترامب عزم الولايات المتحدة فرض حصار بحري على مضيق هرمز، إثر انهيار محادثات جرت خلال عطلة نهاية الأسبوع بهدف إنهاء الحرب مع إيران دون التوصل إلى تسوية. وفشلت مفاوضات إسلام آباد، التي كانت تهدف إلى تحويل وقف إطلاق النار الهش إلى سلام دائم وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الآمنة، بسبب خلافات قائمة حول التخصيب النووي وتخفيف العقوبات والسيطرة على العبور البحري. وأصدر ترامب رداً على ذلك أمراً تنفيذياً يوجّه البحرية الأمريكية باعتراض أي سفينة تحاول عبور المضيق، مع تركيز خاص على السفن التجارية والمحايدة التي دفعت رسوم عبور للإدارة الإيرانية، إذ يصف البيت الأبيض هذا النظام بأنه ابتزاز غير قانوني لا نظام رسوم مشروعاً.   يحوّل هذا الإعلان النزاعَ فوراً من حرب إقليمية مسلحة إلى أزمة بحرية وطاقوية عالمية تتمحور حول أهم نقطة اختناق نفطية في العالم، وهو ممر مائي لا يتجاوز عرضه إحدى وعشرين ميلاً بحرياً في أضيق نقاطه. وقد وضع الرئيس الأمريكي بلاده في موقف يثير جدلاً قانونياً وعملياتياً واسعاً، بتعهده بفرض هذا الحصار دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، إذ قدّم هذه الخطوة باعتبارها ضرورة لتفكيك سيطرة الحرس الثوري الإيراني على المضيق وقطع تدفق إيرادات العملات المشفرة والنقد الأجنبي إلى طهران. وتعتمد استراتيجية الإدارة الأمريكية على مدى قدرة القوة البحرية الأمريكية، مدعومةً بعقوبات ثانوية وضغط دبلوماسي مستمر، على إدامة حصار طويل الأمد في مواجهة قدرات إيران العسكرية غير المتكافئة. وينصبّ التحليل التالي على أمر الحصار الذي أصدره ترامب تحديداً، ليُقيّم جدواه العملياتية وقدرة إيران على إنهاكه أو كسره عبر تكتيكات غير متكافئة، وما يترتب على ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة العالمية وأنماط الشحن التجاري والاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
خيار شمشون: هل ينهار المحظور النووي تحت ضغط الحتمية؟
البرامج البحثية
8 أبريل 2026

خيار شمشون: هل ينهار المحظور النووي تحت ضغط الحتمية؟

تُجسد الترسانة النووية الإسرائيلية واحدةً من أكثر القضايا إثارةً للجدل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تظل ضمن ما يُوصف بـ"الأسرار المكشوفة" التي تحكمها سياسة غموض استراتيجي محسوب، لا ينفي الوجود ولا يقرّه صراحة. وفي هذا الإطار، تقف إسرائيل خارج معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فيما تُجمع التقديرات على كونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرات نووية عسكرية، يُرجَّح أنها تشمل نحو 80 رأسًا نوويًا قابلة للإطلاق عبر صواريخ باليستية أو منصات جوية. في المقابل، يتخذ البرنامج النووي الإيراني مسارًا معلنًا مختلفًا في طبيعته ووظيفته، حيث تؤكد طهران انحصاره في إنتاج الطاقة للأغراض السلمية. وعلى خلاف الحالة الإسرائيلية، تُعدّ إيران طرفًا في معاهدة عدم الانتشار، وتُصرّ على أن خياراتها الاستراتيجية لا تتجه نحو امتلاك سلاح نووي.   وعلى الرغم من هذا الموقف المعلن، فقد ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مدى عقود، يروّج لفرضية اقتراب طهران من امتلاك سلاح نووي، معتبرًا أن اللجوء إلى الخيار العسكري من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل يشكّل ضرورة حتمية للحيلولة دون استخدامه ضد إسرائيل. وقد انتقل هذا التصور من مستوى الخطاب إلى حيّز الفعل مع اندلاع مواجهة عسكرية في أواخر فبراير، أعقبتها ضربات متبادلة مكثفة استمرت قرابة أربعة إلى خمسة أسابيع. ورغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تتراجع حالة القلق، بل تحوّلت إلى هواجس أعمق تتمثل في احتمال إقدام إسرائيل على كشف كامل قدراتها النووية عبر ما يُعرف بـ"خيار شمشون". ولا يقتصر أثر هذا السيناريو على كسر أحد أكثر المحظورات رسوخًا في النظام الدولي، بل يمتد ليُحدث ارتدادات نفسية واستراتيجية واسعة، تعيد تشكيل إدراك التهديد والاستقرار في المنطقة، وتلقي بظلالها على البيئة الأمنية العالمية برمّتها.
تجاوز العقبات: كيف تحرر “إريديوم” مسيرات “شاهد”؟
البرامج البحثية

تجاوز العقبات: كيف تحرر “إريديوم” مسيرات “شاهد”؟

شهد ميدان الحرب الجوية الحديثة تحولاً جذرياً وعميقاً في طبيعته وأدواته خلال العقد الماضي، إذ لم يعد التفوق الجوي حكراً على من يملك أغلى المنصات وأكثرها تطوراً، بل بات في متناول من يُحسن توظيف الكم والتكرار في مواجهة الكيف والتعقيد، وقد تجلّت هذه المعادلة الجديدة بوضوح في الانتشار الواسع لطائرات الهجوم الانتحارية أحادية الاتجاه، ولا سيما السلسلة الإيرانية المعروفة بـ"شاهد"، التي غيرت كثيراً من الحسابات الاستراتيجية الراسخة. ففي بداياتها، كانت هذه الطائرات تعمل بمنطق بسيط: تُبرمج بإحداثيات هدفها مسبقاً، ثم تُطلَق لتشق طريقها مستعينةً بأنظمة الملاحة الفضائية التقليدية كنظام GPS الأمريكي ونظيره الروسي GLONASS. غير أن هذا الاعتماد الكامل على تلك الأنظمة كان يمثّل في الوقت ذاته نقطة ضعفها الأكثر استغلالاً من قِبَل المدافعين، الذين سارعوا إلى تطوير أدوات التشويش والتضليل الإلكتروني بما يكفي لتعطيل مسارها وإحباط مهماتها.   بيد أن هذا الواقع لم يدم طويلاً، فمع تصاعد حدة الصراعات التي تورطت فيها هذه المنظومات، انتقلت الطائرات الإيرانية إلى مرحلة مغايرة تماماً، حين أُدمجت في بنيتها الإلكترونية أجهزة اتصال تعمل عبر شبكة الأقمار الصناعية التجارية "إيريديوم" Iridium ، والذي لم يكن مجرد ترقية تقنية عابرة، بل كان استجابةً محسوبة ومباشرة لثغرات GPS وأسلوباً ذكياً لاستثمار البنية التحتية المدنية في خدمة الأهداف العسكرية، فبينما تعجز أقمار GPS عن الصمود أمام موجات التشويش الأرضية لضعف إشاراتها القادمة من ارتفاعات شاهقة تتجاوز عشرين ألف كيلومتر، تبثّ أقمار إيريديوم المتحركة في مدارات منخفضة لا تتجاوز ثمانمائة كيلومتر إشاراتٍ أقوى بألف مرة، محمية بطبقات من التشفير تجعل تزويرها أو تضليلها أمراً بالغ الصعوبة.   تحولت "شاهد" إذًا من مقذوفات صمّاء تسير وفق مسار محدد لا تحيد عنه، إلى منصات حية متصلة بمشغليها في الوقت الفعلي، قادرة على تلقّي التحديثات وتغيير مساراتها ومشاركة بياناتها مع وحدات أخرى في الجو، بل وتوجيه ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة كالسفن في عرض البحر، لذلك يُقدّم هذا التقرير دراسةً تقنية واستراتيجية معمّقة لهذا التحول وتداعياته الميدانية، بدءاً من بنية شبكة إيريديوم ومنطق عملها، مروراً بتشريح منصة شاهد-131 وكيفية دمج هذه الاتصالات فيها، وصولاً إلى الأثر العملياتي الذي خلّفه ذلك على أعقد منظومات الدفاع الجوي في العالم وأكثرها كثافةً، وهي المنظومة الإسرائيلية المتعددة الطبقات التي واجهت اختباراتها الأشد قسوة بين عامَي 2024 و2026.