كتب بواسطة

في السابع من أبريل عام 2026، أعلنت كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن هدنة مؤقتة مدتها أسبوعان، جاءت ثمرةً لوساطة دبلوماسية مكثفة أجرتها باكستان بين الطرفين على مدار ساعات حرجة. وقد اندلعت شرارة هذا النزاع في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية استهدفت البنية التحتية الإيرانية، فردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية الدولية، مما أفضى إلى أكبر صدمة إمدادات طاقة في تاريخ الأسواق الحديثة.

 

أسفر هذا الإغلاق عن شلل تام لنحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبر المضيق في زمن السلم، أي ما يُمثّل قرابة ربع حجم التجارة البحرية العالمية من النفط. وقد أعلنت إيران فتح المضيق بصورة مشروطة في إطار الهدنة، فيما جرى الاتفاق على عقد محادثات دبلوماسية في إسلام آباد بدءاً من العاشر من أبريل. يهدف هذا التحليل إلى استيعاب أبعاد الأزمة، وتقييم السيناريوهات القائمة لمسار أسعار النفط، مع استحضار الدروس المستفادة من الصدمات التاريخية المماثلة لفهم مدى هشاشة الوضع الراهن ومآلاته المحتملة.

تشريح الأزمة: من إغلاق هرمز إلى طاولة التفاوض

يُعدّ مضيق هرمز الشريان الرئيسي للاقتصاد الهيدروكربوني العالمي؛ إذ لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه أربعةً وثلاثين كيلومتراً، بيد أنه يستوعب في أوقات السلم ما يزيد على 135 سفينة يومياً تحمل النفط الخام ومشتقاته والغاز الطبيعي المسال إلى أسواق آسيا وأوروبا. وخلال ذروة الصراع في مارس 2026، تراجعت الحركة الملاحية إلى أدنى مستوياتها، في ظل تنفيذ الحرس الثوري الإيراني ما لا يقل عن واحد وعشرين هجوماً على سفن تجارية، تضررت منها ستة عشر سفينة على الأقل.

 

وعلى الرغم من أن الهدنة أتاحت نظرياً استئناف الملاحة، فإن إيران اشترطت ذلك بما وصفته بـ’التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية’، مما يعني في الواقع إحكام قبضتها على نظام عبور مُعتم ومُعسكر. وتكشف صور الأقمار الصناعية وبيانات أنظمة تحديد هوية السفن عن تشكّل ممرين: ممر شمالي تتحكم فيه قوات الحرس الثوري قرب جزيرة لارك، وممر جنوبي يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية عبر قنوات دبلوماسية خلفية. وفي ضوء هذه المعطيات، لا تزال نحو 800 سفينة، من بينها 426 ناقلة نفط خام وناقلات وقود، محاصرةً في الخليج العربي وخليج عُمان في انتظار ضمانات قاطعة للعبور، يوضح الجدول التالي وضع السفن في المضيق حتى نهاية الأول للهدنة:

 

 

هذا وقد دخلت إيران مفاوضات إسلام آباد بمقترح تفاوضي يبدو متعمَّداً في تشدده؛ إذ يشمل إقراراً رسمياً بسيادة إيران على مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور بقيمة مليوني دولار على كل سفينة، ذلك أن هذا المبلغ وحده يضيف ما يقرب من دولارين على تكلفة البرميل الواحد من نفط الخليج، مما يُنشئ قسراً ضريبياً هيكلياً دائماً على الاقتصاد العالمي. وعلى الصعيد الأمني، تطالب طهران بانسحاب كامل للقوات الأمريكية القتالية من قواعدها في الشرق الأوسط، وتعليق العمليات ضد الجماعات الحليفة لها، فضلاً عن تعويض كامل عن أضرار الحرب.

 

أما على الصعيد الاقتصادي، فتطالب إيران برفع جميع العقوبات المفروضة عليها من قِبل الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتحرير أصولها المجمّدة في الخارج. والأهم من ذلك سياسياً، أن طهران تصر على توثيق أي اتفاق نهائي في صورة قرار ملزم من مجلس الأمن، درءاً للانسحابات الانفرادية الغربية في المستقبل. في المقابل، لا يرى الجانب الأمريكي في الهدنة سوى آلية لإعادة فتح مجرى الملاحة التجارية. هذا التباين الجوهري في التوقعات هو ما جعل الأسواق العالمية ترتجف على وقع كل تسريب من غرف التفاوض.

حجم صدمة الإمداد والاستجابة الدولية

بلغ النفط الممنوع وصول عن الأسواق الدولية في ذروة الأزمة ما يتراوح بين 9 و11 مليون برميل يومياً. وتكشف الأرقام التفصيلية هشاشة بنية الإمداد الإقليمية؛ إذ هوت صادرات العراق من 4 ملايين برميل يومياً إلى 900 ألف برميل فقط، وهو ما أملاه اعتماده شبه الكلي على خط أنابيب تركيا ذي السعة الاستيعابية المحدودة، كما وعلّقت المملكة العربية السعودية 2.5 مليون برميل من صادراتها اليومية، مكتفيةً بتحويل ما تستطيع عبر خط الأنابيب شرق-غرب إلى ميناء ينبع. كذلك جمّدت الإمارات نحو مليوني برميل، وإن كانت قد تمكنت من تصدير 1.5 مليون برميل يومياً عبر خط أنابيب حبشان-الفجيرة التفافاً بالمضيق. أما الكويت فتوقف ما يزيد على 1.6 مليون برميل، ويوضح الشكل التالي كميات النفط المُعطلة في المتوسط يوميًا بسبب إغلاق المضيق:

 

 

وقد أسهمت هذه الأرقام مجتمعةً في تكوين عجز هيكلي تُستنزف في مواجهته المخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية بمعدل 6 ملايين برميل يومياً. وللتعامل مع هذا الواقع الاستثنائي، نسّقت وكالة الطاقة الدولية إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة لدول أعضائها، تعهدت الولايات المتحدة بمدّها بـ172 مليون برميل على مدى أربعة أشهر. غير أن تنفيذ هذا الالتزام سيخفض الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي إلى نحو 243 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1982، مما يُجرّد الاقتصاد العالمي من هامش الأمان الأخير في مواجهة أي صدمة إضافية.

 

ثمة جانب آخر يجب التركيز عليه عند قراءة أثر الهدنة، وهو إن الإعلان السياسي عن وقف إطلاق النار لا يكفي وحده لاستئناف حركة الناقلات. إذ يتوقف استمرار الملاحة التجارية عملياً على قدرة شركات التأمين البحري على تسعير مخاطر العبور بصورة اقتصادية. وقد بلغت أقساط تأمين مخاطر الحرب على ناقلات النفط العملاقة VLCC ذات القيمة الإجمالية المئة مليون دولار ما يصل إلى خمسة ملايين دولار لكل رحلة عبور واحدة، أي ما يعادل 5% من قيمة الهيكل. وهذا الرقم لا يشمل أقساط التأمين على الشحنة ذاتها، ولا العلاوات اليومية الباهظة التي تطلبها الأطقم مقابل العمل في مناطق حرب فعلية.

 

والنتيجة المباشرة لهذه المعطيات أن الناقلات التي تملك دعماً سيادياً من دول كالصين والهند وباكستان هي وحدها القادرة على تحمّل هذه التكاليف الباهظة، فيما يُحجم أصحاب السفن التجارية المستقلة عن المجازفة، ولن تنكسر هذه المعادلة إلا حين تتلقى شركات التأمين العاملة في مراكز مالية كلندن ضمانات موثوقة وقاطعة بأن حرية الملاحة مصونة وغير قابلة للانتهاك بقرار انفرادي إيراني، وهو ما لم يتحقق بعد في إطار الهدنة الهشة الراهنة.

قراءة في السوابق التاريخية لتعثر الملاحة في المضيق

لاستيعاب مفاعيل الأزمة الراهنة، لا بد من استدعاء النظير التاريخي الأقرب شبهاً بها، وهو حرب الناقلات إبان الحرب العراقية الإيرانية بين عامَي 1981 و1988، غير أن هذه المقارنة غير موضوعية؛ إذ لم تُزل الاضطرابات آنذاك سوى 2.6% من الإمدادات العالمية، في حين يحصر الصراع الراهن نحو 20% من الإمداد العالمي، أي ما يوازي ثماني مرات حجم الصدمة السابقة. فضلاً عن ذلك، كانت أوبك تمتلك آنذاك طاقة احتياطية هائلة خارج نطاق المنطقة المشتعلة، واتخذ الغرب خطوات ملموسة لحماية السفن كإعادة تسجيل الناقلات الكويتية تحت العلم الأمريكي.

 

أما التشابه الأوجه فهو مع صدمة حرب الخليج عام 1990، حين أزاحت الحرب فجأة 4.3 ملايين برميل يومياً من الأسواق فتضاعفت الأسعار، قبل أن تنهار سريعاً فور أن أثبت التحالف الغربي تفوقه العسكري الساحق وأفضى ذلك إلى يقين السوق بعودة الإمدادات. والدرس المستخلص من عام 1990 جوهري للغاية وهو أن علاوة المخاطر الجيوسياسية تتبخر فقط حين تستعيد الأسواق ثقتها المطلقة في أمن التدفق

 

الفعلي، فيما لا تمنح الهدنة الراهنة هذه الثقة؛ بل إن إبقاء إيران على ترسانتها من الطائرات المسيّرة ومطالبتها بالرسوم السيادية يجعل علاوة المخاطر عصية على التبدد الكامل.

الأبعاد الاستراتيجية لدمج شبكة إريديوم في أدمغة مسيرات شاهد

يوضح الشكل التالي السيناريوهات الثلاثة المتوقعة لأسعار النفط، كما سيجري استعراضها بالتفصيل فيما بلي:

 

 

السيناريو الأول: انهيار المفاوضات وعودة الحرب (150-135 دولاراً للبرميل)

يفترض هذا السيناريو الأكثر تشاؤماً أن محادثات إسلام آباد ستنهار؛ إما لرفض إيران التراجع عن مطالبها المتعلقة بالسيادة على المضيق والرسوم السيادية ورفع جميع العقوبات، أو لتجدد الضربات الأمريكية. في هذه الحالة يُعاد إغلاق المضيق كلياً ربما مع تلغيمه، وتستهدف الطائرات المسيّرة الإيرانية ناقلات النفط الراسية والبنية التحتية للطاقة في دول الخليج.

 

تحت هذا الضغط المتراكم، تتقاطع توقعات كبار المؤسسات المالية عند نقاط مرعبة: تحذر جيه بي مورغان من قفزة خام برنت إلى 150 دولاراً للبرميل في حال استمر الإغلاق حتى منتصف مايو، فيما تُقدّر غولدمان ساكس حداً أقصى للمخاطر عند 135 دولاراً في سيناريو ستة أشهر من الإمداد المقيّد. وعلى المستوى الكلي، ستضطر المصانع في آسيا وأوروبا إلى خفض طاقتها الإنتاجية، وسترتفع أسعار التضخم بصورة حادة، وسيُضغط على البنوك المركزية للحفاظ على سياسات نقدية مقيّدة، مما يزيد من احتمالات الركود الاقتصادي العالمي الذي كان جيه بي مورغان يضع له احتمالاً بـ 35%..

 

السيناريو الثاني: الهدنة المطوّلة دون تسوية (115-95 دولاراً للبرميل)

يمثّل هذا السيناريو الامتداد المنطقي للوضع الراهن؛ حيث تتجدد الهدنة مرة بعد أخرى عبر مفاوضات تستنزف الوقت دون أن تُسفر عن معاهدة سلام دائم. في هذه الحالة تُحافظ إيران على وجودها العسكري المُكثف في المضيق وتُبقي على نظام العبور الخاضع لإشرافها، مما يُبقي أقساط التأمين البحري في نطاق 2% إلى 5% من قيمة الهيكل. ونتيجة لذلك، يبقى الجزء الأكبر من الـ20 مليون برميل اليومية رهين الشلل، إذ يُحجم أصحاب الناقلات المستقلة عن المخاطرة.

 

في هذا المشهد، يستقر سعر خام برنت في نطاق متقلب يتراوح بين 95 و115 دولاراً للبرميل، وهو ما رجّحته هيئة معلومات الطاقة الأمريكية بمتوسط يقترب من 115 دولاراً في الربع الثاني من 2026 قبل أن يتراجع

 

تدريجياً. يظل هذا النطاق أعلى بنسبة 50% تقريباً من مستويات ما قبل الحرب البالغة 60-70 دولاراً، مما يُشكّل ضغطاً تضخمياً مستمراً وعائقاً يعيق استئناف الانتعاش الاقتصادي العالمي.

 

السيناريو الثالث: التسوية الدبلوماسية الشاملة (80-70 دولاراً للبرميل)

في هذا السيناريو الأكثر تفاؤلاً، تُفضي محادثات إسلام آباد إلى إطار ملزم وقابل للتحقق؛ ترفع إيران بموجبه التسلح من المضيق وتتخلى عن مطلب الرسوم السيادية، مقابل رفع أمريكي لعقوبات بعينها. وفور التحقق الميداني من حرية الملاحة، تتهاوى أقساط التأمين لتعود إلى مستوياتها السابقة للحرب، وتبدأ الـ800 سفينة المحاصرة في التحرك متسابقةً على تصريف الشحنات المتراكمة.

 

غير أنه تجب الإشارة إلى نقطة جوهرية: هي أن الأسواق المالية تنظر إلى الأمام دائماً. لذلك سيبدأ تسعير انحسار علاوة المخاطر في العقود الآجلة قبل أن تُستأنف الإنتاجية الفعلية التي تستغرق حسب تقديرات ريستاد للطاقة ما بين شهر وثلاثة أشهر بعد توقيع الاتفاق. تتوقع جولدمان ساكس أن يستقر برنت عند 71 دولاراً في الربع الرابع من 2026 وعند 80 دولاراً في 2027. بيد أن مورجان ستانلي تتحفظ على هذا التفاؤل، وترى أن ‘إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية ستُبقي على أرضية سعرية هيكلية تمنع العودة إلى مستوى الستينيات من الدولارات، محتجّةً بأن الأسواق لن تنسى قريباً مدى هشاشة نظام الإمداد الدولي.

 

خلاصة القول إذن أن هذا التحليل يكشف أن هدنة أبريل 2026 ليست نقطة نهاية للأزمة، بل هي محطة فاصلة مفتوحة على أكثر من مسار. فمن الناحية الاقتصادية الصرفة، بات واضحاً أن استئناف التدفقات النفطية الطبيعية مسألة أكثر تعقيداً مما توحي به الإعلانات السياسية وردود فعل أسواق الأوراق المالية العاطفية؛ إذ تفرض الحواجز اللوجستية والتأمينية والهندسية سقفاً زمنياً واقعياً لا يمكن تجاوزه، حتى بات واضحًا في نهاية المطاف، أن ما يُحدد مسار أسعار النفط ليس صياغة الاتفاقيات بين المفاوضين، بل درجة الثقة في أن مضيق هرمز آمن بما يكفي لتحريك أساطيل الشحن، وأن هذه الثقة لا تُبنى في ليلة واحدة، بل تتراكم تدريجياً مع كل رحلة ناجحة وكل يوم هادئ يمر دون حوادث، في حين يكفي حادث واحد لاستعادة ذعر الأسواق إلى مُربعه الأول.

المراجع

Doyle, Gerry. 2026. “Trump Risks Confidence in US Role as Guardian of Global Shipping.” Insurance Journal. April 6, 2026. https://www.insurancejournal.com/news/international/2026/04/06/864557.htm.

 

Hariesh Manaadiar. 2026. “Iran Approves Toll on the Strait of Hormuz.. But Does It Have the Right To..??” Shipping and Freight Resource. April 2, 2026. https://www.shippingandfreightresource.com/iran-approves-toll-on-the-strait-of-hormuz-but-does-it-have-the-right-to/.

 

Morgan, J.P. 2024. “Oil Price Forecast for 2026 | J.P. Morgan Global Research.” Jpmorgan.com. J.P. Morgan. 2024. https://www.jpmorgan.com/insights/global-research/commodities/oil-prices.

 

“Press Releases.” 2026. Organization of the Petroleum Exporting Countries. 2026. https://www.opec.org/pr-detail/593-1-march-2026.html.

 

“EIA Updates Its Definitions and Estimates of OPEC Crude Oil Production Capacity – U.S. Energy Information Administration (EIA).” 2026. Eia.gov. 2026. https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=66904.

 

Morningstar, Inc. 2026. “U.S. Released 1.5 Million Bbls of Crude from SPR Last Week, DOE Data Show — OPIS.” Morningstar, Inc. April 6, 2026. https://www.morningstar.com/news/dow-jones/202604063520/us-released-15-million-bbls-of-crude-from-spr-last-week-doe-data-show-opis.

 

“US Crude Oil in the Strategic Petroleum Reserve Stocks (Wee….” 2026. Ycharts.com. YCharts. 2026. https://ycharts.com/indicators/us_ending_stocks_of_crude_oil_in_the_strategic_petroleum_reserve.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *