ما بعد ميشيجان: هل يعيد عبد الرحمن السيد رسم مستقبل الحزب الديمقراطي؟
البرامج البحثية

ما بعد ميشيجان: هل يعيد عبد الرحمن السيد رسم مستقبل الحزب الديمقراطي؟

كان من المتوقع أن تنتهي الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيجان، مساء الثلاثاء، بحسم مرشح الحزب لانتخابات مجلس الشيوخ. غير أن نتائجها تجاوزت حدود سباق انتخابي على مستوى الولاية، لتضع الحزب الديمقراطي أمام ما قد يكون أهم اختبار أيديولوجي يواجهه منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فقد انتزع عبد الرحمن السيد بطاقة الحزب لانتخابات مجلس الشيوخ بعد تغلبه على النائبة هالي ستيفنز، رغم معارضة قطاع واسع من المؤسسة الديمقراطية، في واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية كلفةً في التاريخ الأمريكي.   ولم يقتصر أثر هذا الفوز على إعادة رسم ملامح المنافسة داخل ميشيجان، بل سرعان ما تحول إلى نقاش وطني حول الجهة التي تعبر فعليًا عن الحزب الديمقراطي في مرحلته الراهنة. ومع ذلك، فإن القضية المطروحة تتجاوز مجرد قدرة التيار التقدمي على الفوز في الانتخابات التمهيدية، لتتمحور حول سؤال أكثر عمقًا: هل تعكس نتائج ميشيجان بالفعل الاتجاه الذي يتجه إليه الحزب الديمقراطي، أم أنها لا تمثل سوى تفضيلات شريحة محدودة، وإن كانت شديدة الانخراط، من الناخبين المشاركين في الانتخابات التمهيدية؟ وهو سؤال لن يكون في وسع الحزب تجاهله مع اقتراب انتخابات نوفمبر.   وتزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى نتائج ميشيجان في سياقها الأوسع. فلم يكن فوز عبد الرحمن السيد حدثًا معزولًا، بل جاء بعد الصعود اللافت لزهران ممداني في مدينة نيويورك، وتزامن مع إعادة ترشيح رشيدة طليب، ونجاح دونافان ماكيني في إقصاء عضو الكونجرس الحالي شري ثانيدار. أربع نتائج مختلفة، لكنها تشير جميعًا إلى اتجاه واحد. ومن هنا، لم تعد القضية تتعلق بنتائج كل سباق انتخابي على حدة، بقدر ما أصبحت تتعلق بمستقبل الحزب الديمقراطي نفسه: هل بدأ الناخبون الديمقراطيون يعيدون تعريف ما ينتظرونه من قيادته، ويعيدون النظر في علاقته التقليدية بكبار الممولين، ولا سيما في القضايا المرتبطة بإسرائيل وتمويل الحملات الانتخابية؟
التمدد الهادئ لنفوذ شركات الذكاء الاصطناعي في انتخابات التجديد النصفي
البرامج البحثية

التمدد الهادئ لنفوذ شركات الذكاء الاصطناعي في انتخابات التجديد النصفي

لم يعد التنافس على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي يُحسم داخل المختبرات وحدها، بل امتد إلى صناديق الاقتراع. ففي وقتٍ لا تزال فيه الولايات المتحدة تواجه صعوبة في إقرار إطار تشريعي وتنظيمي شامل لإحدى أسرع التقنيات تطورًا في العالم، بدأت الشركات التي تقود هذا القطاع تتنافس على ما هو أثمن من الحصة السوقية، وهو النفوذ السياسي. وخلال دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أنفقت شركات الذكاء الاصطناعي ولجان العمل السياسي المرتبطة بها عشرات الملايين من الدولارات في سباقات الكونجرس، ودعمت مرشحين متنافسين، ووسعت نشاطها في مجال الضغط السياسي داخل واشنطن. وبذلك، لم تعد الانتخابات مجرد ساحة للتنافس على النفوذ، بل أصبحت جزءًا من الصراع على الجهة التي ستتولى صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل.   ويعكس ذلك تحولًا نوعيًا في العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة. فبدلًا من انتظار الحكومات لوضع الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، باتت الشركات الرائدة تسعى، على نحو متزايد، إلى التأثير في البيئة السياسية التي ستنبثق عنها تلك الأطر، قبل إقرارها. ومع استمرار الانقسام داخل الكونجرس بشأن تشريع شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي، غدت الانتخابات إحدى الساحات التي يتحدد فيها مستقبل حوكمة هذه التكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، قد تمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 أول اختبار لقدرة المؤسسات الديمقراطية على صياغة الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، قبل أن يبدأ النفوذ السياسي المتنامي للشركات العاملة في هذا القطاع في التأثير في صياغتها.
اقتصاديات الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والتنافس على مدار الأرض المُنخفض
البرامج البحثية

اقتصاديات الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والتنافس على مدار الأرض المُنخفض

شهدت عملية الوصول إلى المدار الأرضي المنخفض تحولًا جذريًا خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، إذ انتقلت من مهمة حكومية تُمولها ميزانيات الدول الكبرى إلى خدمة لوجستية تخضع لآليات البيع والشراء بناءً على وزن الحمولة. وبلغت قيمة اقتصاد الفضاء العالمي نحو 626 مليار دولار عام 2025، واستحوذت الأنشطة التجارية على قرابة 78% من هذا الحجم، مع توقعات تشير إلى نموه ليبلغ ما بين تريليون و1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، على الرغم من أن قطاع خدمات الإطلاق وحده لا يتعدى 14 مليار دولار. ويُبرز هذا التباين حقيقة أساسية مفادها أن الإطلاق ليس هو السوق المستهدف بحد ذاته، بل يُعد بوابة عبور تحدد تكلفتها طبيعة وحجم المشاريع الممكن إقامتها في الفضاء.   يقوم هذا التحول الهيكلي على ابتكار هندسي مفصلي، يتمثل في استعادة المرحلة الأولى من الصاروخ وإعادة استخدامها بدلًا من إتلافها بعد كل رحلة، مما أتاح توزيع تكاليف التصنيع الرأسمالية على رحلات عدة، وأطاح بحاجز التكلفة الذي هيمن على السوق لعقود، ما أدى إلى انحصار المنافسة التقنية في مجال إعادة استخدام صواريخ المدار المُنخفض بين قوتين أساسيتين، هما الولايات المتحدة التي تمتلك أسطولًا متطورًا يُنفذ إطلاقات دورية مكثفة، والصين التي تنفذ منذ منتصف عام 2024 اختبارات متسارعة وعالية المخاطر سعيًا لامتلاك التكنولوجيا عينها، ما أسفر عن لم إزالة عتببة القدرة على بلوغ المدار كفاصل تكنولوجي بين البلدين، لينحصر التحدي الفعلي في إتقان تقنيات التوجيه الدقيق خلال الأمتار الأخيرة التي تسبق الهبوط الآمن.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك اقتصاديات إعادة الاستخدام وتحديد موضع الاختناق الحقيقي في هيكل الكلفة، ثم قياس الفجوة القائمة بين واشنطن وبكين عبر مؤشرين متمايزين هما عدد الإطلاقات والكتلة المُرسلة إلى المدار، وأخيرًا تقدير المسافة التقنية والزمنية التي تفصل الصين عن أول عملية استرداد ناجحة، وما يترتب على إتمامها من إعادة تشكيل لأسعار خدمات الإطلاق العالمية ولموازنات شبكات الأقمار الضخمة التي تعتمدها عليها تقنيات الإنترنت الفضائي.
جائزة ترامب: كيف نصَّبت حزمة تعريفات يوليو 2026 الشرق الأوسط كمركز صناعي عالمي
البرامج البحثية

جائزة ترامب: كيف نصَّبت حزمة تعريفات يوليو 2026 الشرق الأوسط كمركز صناعي عالمي

شهد النظام التجاري العالمي تحولًا جذريًا في شهر يوليو من عام 2026، إذ تخلت الولايات المتحدة عن سياسات الحماية القطاعية المحدودة لتتبنى هيكلًا تعريفيًا معقدًا ومتعدد الطبقات، جاعلة من حق الوصول إلى سوقها المحلية أداة للضغط الاقتصادي والسياسي. إذ شهد هذا الشهر تزامن أربعة قرارات كبرى، شملت الإلغاء التام لإعفاء الحد الأدنى الذي كان يسمح بدخول الشحنات الصغيرة التي تقل قيمتها عن ثمانمائة دولار دون رسوم جمركية، وتطبيق تعريفات البند 301 المرتبطة بالعمل القسري ضمن مستويين مختلفين يفرضان رسومًا بنسبة 10% و12.5% استنادًا إلى مدى التزام الدول الشريكة. بالإضافة إلى تفعيل البند 338، وهو نص قانوني ظل خاملًا منذ أربعينيات القرن الماضي، لفرض رسوم بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، مع إقرار زيادات تصاعدية تبلغ 200% على واردات الأدوية الجنسية.   ولم تقتصر تداعيات هذه الحزمة على رفع الرسوم الجمركية فحسب، بل امتدت لتشكل إعادة هندسة شاملة لقواعد المنشأ ومتطلبات الامتثال الجمركي، مما أدى إلى تغيير حسابات التكلفة لدى جميع المصنعين والموردين عبر سلاسل الإمداد. ودفع هذا الواقع الجديد الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة لا تهدف إلى خفض تكلفة النقل وحسب، بل تسعى لتغيير هوية بلد المنشأ ذاتها لتجنب الرسوم العقابية، وهو ما جعل منطقة الشرق الأوسط تتحول من مجرد ممر تجاري عابر إلى عقدة صناعية ولوجستية مرشحة للعب دور محوري في خريطة التجارة العالمية الجديدة.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك آثار حزمة يوليو 2026 على ثلاثة مستويات متصلة: كلفتها الداخلية على الاقتصاد الأمريكي من حيث التضخم واحتكاك الامتثال وجدوى إعادة التصنيع، ثم إعادة اصطفاف الشركاء التجاريين وما ينجم عنها من تحويل لمسارات التجارة وتسرّب لقواعد المنشأ، وأخيرًا انعكاساتها المباشرة على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تقديرات كمية لاتجاهات الأسعار والاستثمار والحركة الملاحية حتى نهاية العقد.
من هوليوود إلى البيت الأبيض: كيف أصبح فيلم Idiocracy إطارًا لفهم السياسة الأمريكية؟
البرامج البحثية

من هوليوود إلى البيت الأبيض: كيف أصبح فيلم Idiocracy إطارًا لفهم السياسة الأمريكية؟

في الرابع من يوليو 2026، احتفلت الولايات المتحدة بالذكرى الـ 250 لاستقلالها، على طريقتها المعتادة. ومع هذه المناسبة التاريخية، امتلأت وسائل الإعلام الأمريكية باستطلاعات الرأي والتقارير التي تستعرض أبرز ما حققته البلاد من إنجازات على امتداد قرنين ونصف، في مختلف المجالات، وفي مقدمتها السينما. ومن بين هذه المبادرات، أجرت صحيفة The New York Times استطلاعًا للرأي لاختيار الفيلم الذي يجسد التجربة الأمريكية على أفضل نحو. وتوزعت اختيارات المشاركين بين كلاسيكيات سينمائية بارزة، مثل The Godfather وCitizen Kane وEasy Rider وAmerican Graffiti، وأفلام أخرى اشتهرت بتقديم نقد اجتماعي حاد، مثل Do the Right Thing.   ورغم أن المشاركين رشحوا مجموعة من كلاسيكيات السينما الأمريكية بوصفها تجسد التجربة الأمريكية، فإن فيلمًا واحدًا خطف الأضواء وتصدر الاستطلاع باعتباره الأكثر تجسيدًا لهذه التجربة، بعدما حصد نحو ثلاثة آلاف صوت، وهو الفيلم الكوميدي الساخر Idiocracy، من إخراج مايك جادج عام 2006.   جاء فيلم Idiocracy، الذي أُنتج عام 2006، بوصفه كوميديا ساخرة تنتقد تصاعد ظاهرة معاداة الفكر والمثقفين في الولايات المتحدة، إلى جانب تناوله قضايا مجتمعية وثقافية، مثل التدهور الوراثي، والنزعة الاستهلاكية، والتسليع، والزيادة السكانية. إلا أن ما بدا آنذاك ضربًا من السخرية اللاذعة، أخذ بعد عقدين من الزمن يقترب على نحو لافت من الواقع، حتى غدت المفارقة التي رسمها الفيلم أقرب إلى حقيقة عبثية.   فمن الحكم الاستعراضي العاجز، إلى تغلغل النزعة التجارية في مختلف مناحي المجتمع، إلى تصاعد معاداة الفكر والمثقفين، وما بينهما من مظاهر لا تقل غرابة، يبدو أن الحياة أخذت تحاكي الفن على نحو يثير الدهشة. وعليه، يمكن النظر إلى فيلم Idiocracy لا بوصفه نبوءة بانحدار المستوى الفكري للمجتمع الأمريكي، وإنما باعتباره إطارًا تحليليًا يفسر التحول من نموذج للحكم القائم على الكفاءة وصنع السياسات، إلى نموذج تتصدر فيه سياسة الانتباه واقتصاد الانتباه أولويات المشهد العام.
من البرمجة إلى المحاماة: كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الكفاءة؟
البرامج البحثية

من البرمجة إلى المحاماة: كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الكفاءة؟

في فبراير 2025، صاغ الباحث في الذكاء الاصطناعي أندريه كارباثي مصطلحًا لوصف ظاهرة كانت قد بدأت تترسخ بين المبرمجين، إذ يكتفون بصياغة ما يريدون بلغة إنجليزية بسيطة، ثم يتركون لنموذج الذكاء الاصطناعي مهمة توليد الشفرة البرمجية، بدلًا من كتابتها أو حتى فهمها بأنفسهم. وأطلق على هذا النهج اسم "البرمجة بالحدس" (vibe coding). وبعد عام واحد، بدأ النمط نفسه يظهر في مجال أقل تسامحًا بكثير مع الخطأ. فقد تناول تقرير حديث لمجلة "الإيكونوميست" ما سمّاه "المحاماة بالحدس" (vibe lawyering)، حيث أصبح غير المتخصصين، مستعينين بروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من التدريب القانوني، يصوغون الشكاوى، ويديرون المنازعات، ويتابعون الدعاوى القضائية التي كان الاضطلاع بها، حتى وقت قريب، يتطلب الاستعانة بمحامٍ.   وأظهرت الدراسة التي استشهد بها التقرير، وأعدها أناند شاه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجوشوا ليفي من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، بعد تحليل 4.5 مليون قضية مدنية فيدرالية، أن نسبة المتقاضين الذين يتولون تمثيل أنفسهم أمام المحاكم، والتي ظلت مستقرة عند نحو 11% على مدى عقدين، ارتفعت إلى 16.8% بحلول السنة المالية 2025، في حين تضاعف تقريبًا عدد الدعاوى التي رفعها أصحابها دون الاستعانة بمحامٍ. ولا تقتصر وظيفة روبوتات الدردشة المستخدمة في هذه الحالات على مساعدة الأفراد في إعداد الوثائق القانونية، بل تميل أيضًا إلى اختلاق سوابق قضائية من العدم، وتشجيع اللجوء إلى التقاضي، وتثبيط التسويات، وتعزيز ثقة المستخدمين، على نحو مبالغ فيه، بفرص نجاحهم في الدعوى. وقد بدأت المحاكم بدورها في التصدي لهذه الظاهرة؛ إذ أصدرت ما يقرب من ألف مذكرة توبيخ بسبب إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في المستندات القضائية المقدمة إليها، كما أوقفت إحدى محاكم الاستئناف الفيدرالية مؤخرًا محاميين بعد أن تضمّنت مذكراتهما استشهادات قانونية مختلقة.   يمثل المجال القانوني حالةً دراسيةً فريدة؛ إذ تحتفظ المحاكم بسجل علني قابل للبحث يوثق ما يحدث عندما تتجاوز ثقة الأفراد قدراتهم الفعلية. غير أن هذه ليست سوى حالة دراسية، وليست القصة بأكملها. فالنمط نفسه، حيث تحل إجابة سلسة يصوغها الذكاء الاصطناعي محل حكمٍ لا يمتلكه الشخص في الواقع، أخذ يظهر في كل مجال بات فيه الناس يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات كانت تتطلب في السابق خبرة بشرية حقيقية. وهذا هو الموضوع الحقيقي الذي تتناوله هذه المقالة: ليس التقاضي في حد ذاته، بل الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل تصور الإنسان لكفاءته الذاتية عندما يبدأ، في هدوء، بالقيام بجزء من عملية التفكير نيابةً عنه، وما قد يترتب على ذلك مع امتداد هذا النمط إلى مجالات تتجاوز بكثير حدود قاعات المحاكم.
ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟
الإصدارات
1 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري عليه خلاف، ولا مجرد نقطة صراع متكررة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى ساحة أساسية لاختبار معنى السيادة في المنطقة. فبينما تصر واشنطن على اعتبار المضيق ممراً دولياً تحكمه قواعد حرية الملاحة، يتعامل الحرس الثوري الإيراني معه كمنطقة سيادية تخضع لإدارته المباشرة، وتخضع لقواعد عسكرية يفرضها هو على أرض الواقع. ومن هنا، فإن أساس الأزمة لم يعد يتركز على سؤال: "هل المضيق مفتوح أم مغلق؟"، بل أصبح السؤال الأهم: ما هو مستقبل المضيق في ظل المفاوضات الجارية؟   وتكشف التطورات الأخيرة، خاصة بعد تلويح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق المضيق رداً على ما سماه انتهاك ببنود مذكرة التفاهم وخاصة فيما يتعلق بالحالة اللبنانية بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم، أن المشكلة لم تُحل، بل زاد تعقيدها. فقد تعاملت المذكرة مع المضيق كمسألة فنية يمكن إدارتها عبر ترتيبات للفتح والعبور لمنع الاحتكاك، بينما تعامل الحرس الثوري معه كرمز للسيادة والقوة وحق وضع القواعد. هذا الاختلاف جعل التفاهم نفسه عاجزاً عن إنهاء النزاع الحقيقي؛ لأن الخلاف بين الطرفين ليس على تفاصيل الإجراءات، بل على من يملك السلطة لاتخاذ هذه الإجراءات من الأساس.   وعلى الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً عقب توقيع الاتفاق المبدئي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب. فتنفيذ هذا البند يواجه تحديات معقدة تتعلق بآلية إعادة تشغيل الممر الملاحي، والترتيبات اللازمة لاستئناف حركة السفن، والقيود التي قد تستمر خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، فضلاً عن الخلاف حول الجهة التي ستتولى تنظيم وإدارة حركة المرور البحري داخل المضيق. وتكشف هذه التحديات أن إعادة فتح المضيق قد تتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاتفاق تعقيداً، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.   لذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة حدود أو عبور سفن، بل هي أزمة سلطة: سلطة من يضع القواعد، ومن يفرض الاستثناءات، ومن يملك الكلمة الأخيرة ليقرر ما إذا كان هذا الممر مفتوحاً، أو مغلقاً، أو مشروطاً. ولهذا السبب، لا يجب النظر إلى قضية المضيق اليوم كملف جانبي في الصراع الأمريكي-الإيراني، بل يجب اعتبارها من أهم القضايا التي تشكل وتغير مفهوم السيادة، سواء داخل إيران نفسها، أو في شكل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.
صعود أنقرة الدفاعي: مسار جديد داخل حلف الناتو؟
البرامج البحثية

صعود أنقرة الدفاعي: مسار جديد داخل حلف الناتو؟

تجاوز صعود تركيا، بوصفها قوة صناعية دفاعية، مجرد كونه تفصيلاً ثانوياً في سياسات حلف الناتو؛ ليغدو تحولاً هيكلياً عميقاً يلقي بظلاله على طرق تجهيز الحلف، وتوجهات القوى الإقليمية نحو تنويع مصادر تسليحها، فضلاً عن كيفية ممارسة النفوذ الاستراتيجي بين أوروبا، والولايات المتحدة، والشرق الأوسط. وفي حين يتركز النقاش العام حول الناتو على مسألتي تقاسم الأعباء والتهديدات الخارجية، يتكشف بهدوء تحول استراتيجي موازٍ؛ إذ تؤسس تركيا ممراً صناعياً يربط بين احتياجات الحلف، وأسواق التصدير الإقليمية، وطموحاتها التكنولوجية الوطنية.   وتكتسب هذه التحولات أهمية مضاعفة مع الاستعدادات الجارية لاستضافة أنقرة القمة السادسة والثلاثون في السابع والثامن من يوليو لعام ٢٠٢٦. ولا تقتصر أهمية هذه القمة المرتقبة على الجمع السياسي للقادة، بل تبرز الدور المتنامي لقطاع الدفاع التركي الذي شهد توسعاً ملحوظاً وتطوراً نوعياً في الآونة الأخيرة، فقد نجحت أنقرة في توظيف هذا التطور لتوسيع قاعدة عملائها الاستراتيجيين؛ لتشمل أسواقاً حيوية في أوروبا، والخليج العربي، وأفريقيا، وآسيا.   ولا يسفر هذا المسار المتسارع عن إيجاد بديل لحلف الناتو، كما لا يشكل تكتلاً مناهضاً للغرب من الداخل، بل يفرز واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً وأهمية يتمثل في تقديم مصدر بديل وموثوق للقدرات العسكرية داخل منظومة الحلف ذاتها، تلجأ إليه الدول بشكل متزايد كلما واجهت تباطؤاً، أو قيوداً سياسية، أو عوائق إجرائية من قِبَل واشنطن أو بروكسل. وبذلك، لا تسعى أنقرة إلى بناء تحالف منافس، بل تشق مساراً صناعياً وتسليحياً مرناً ضمن التحالف القائم.
مونديال ٢٠٢٦: كيف حوّلت الولايات المتحدة الحدود وحرية التنقل إلى أدوات للنفوذ
البرامج البحثية

مونديال ٢٠٢٦: كيف حوّلت الولايات المتحدة الحدود وحرية التنقل إلى أدوات للنفوذ

لطالما شكّلت بطولة كأس العالم فضاءً عالميًا يتجاوز حدود الرياضة، إذ تجمع جماهير من مختلف أنحاء العالم حول مباريات مشوقة، وتخلق روابط إنسانية عابرة للثقافات والهويات. غير أن النسخة الحالية من البطولة، التي تستضيف الولايات المتحدة القسم الأكبر من مبارياتها، باتت محط موجة واسعة من الانتقادات، امتدت من إشكاليات فوارق التوقيت إلى قضايا أكثر حساسية وإثارة للجدل، من بينها ارتفاع أسعار التذاكر، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلًا عن تشديد سياسات الهجرة.   وقد تجسدت هذه السياسات في توظيف وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لمراقبة الملاعب ورصد المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب إلغاء التأشيرات وترحيل مهاجرين مقيمين بصورة قانونية قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة. ولم تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على إثارة انتقادات واسعة بين الجماهير فحسب، بل دفعت أيضًا إلى تصاعد التساؤلات بشأن مدى أهلية الولايات المتحدة لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.   ومن ثم، تكشف هذه النسخة من كأس العالم بوضوح كيف يمكن للدول توظيف الحدود وحرية التنقل كأدوات لحماية مصالحها وإبراز قوتها. ففي هذه الحالة، لا تبدو الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، مجرد ساحة محايدة لـ"اللعبة العالمية" التي تروّج لها الفيفا، بل تظهر بوصفها فاعلًا سياسيًا نشطًا يستخدم التأشيرات، والإجراءات الأمنية، والضوابط الحدودية للتحكم في من يُسمح له بالتنقل، ومتى، وتحت أي شروط.
خرافة البترودولار: لماذا يفشل الطموح وحده في كسر هيمنة الدولار؟
البرامج البحثية

خرافة البترودولار: لماذا يفشل الطموح وحده في كسر هيمنة الدولار؟

يُعد البترودولار أحد أكثر المفاهيم تداولًا وأقلها فهمًا في عالم التمويل الدولي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل هذا المفهوم عدسة رئيسية نظر من خلالها المحللون والصحفيون وصناع السياسات إلى مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، إذ جرى اختزال التفوق النقدي الأمريكي في ترتيباته المرتبطة بالطاقة. غير أن هذه المقاربة تُخفي من الحقائق أكثر مما تكشف. فهيمنة الدولار لم تكن يومًا نتاج صفقات النفط بقدر ما كانت حصيلة عمق الأسواق المالية الأمريكية، وصلابة بنيتها القانونية، ورصيد الثقة المتراكم في مؤسساتها عبر عقود. ومن ثم، فإن فهم مستقبل النظام المالي العالمي يقتضي تجاوز المشهد الجيوسياسي المرتبط بتسعير الطاقة، والتوجه نحو الأسس البنيوية الأكثر رسوخًا التي تُبقي الدولار الأمريكي في قلب المنظومة المالية العالمية.   ظهر مصطلح "البترودولار" في المعجم المالي العالمي خلال أوائل سبعينيات القرن الماضي، للدلالة على الدولارات الأمريكية التي تدفقت إلى الدول المصدرة للنفط عقب الحظر النفطي العربي عام 1973 وما أعقبه من ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام. غير أن جذور هذا المفهوم تعود في الواقع إلى تحول هيكلي أعمق في النظام النقدي العالمي. فعندما علّق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971، في خطوة أنهت فعليًا نظام بريتون وودز، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حاجة ملحة إلى مرتكز جديد يدعم استمرار الطلب العالمي على الدولار. وفي هذا السياق، تبلور لاحقًا ترتيب غير رسمي، تجسد بصورة أوضح في المفاوضات الأمريكية السعودية عام 1974، ضمن أن تُسعَّر صادرات النفط الخليجية حصريًا بالدولار، وأن يُعاد توظيف الفوائض المالية الناجمة عنها في سندات الخزانة الأمريكية والأسواق المالية في الولايات المتحدة.   وعلى مدى عقود، كرّس هذا الترتيب سرديةً شديدة الإقناع مفادها أن الهيمنة العالمية للدولار تستند في جوهرها إلى النفط. وكان المنطق الذي استندت إليه هذه السردية بسيطًا ومباشرًا: فطالما أن كل دولة مستوردة للنفط تحتاج إلى الدولار لشراء الطاقة، فإن الطلب العالمي على العملة الأمريكية يبقى مضمونًا بحكم بنية النظام نفسه. ووفقًا لهذا التصور، فإن أي تحدٍ لهذه المنظومة من شأنه أن ينعكس مباشرة على مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية في العالم. وقد اكتسب هذا التصور زخمًا واسعًا، لا سيما في أوساط المحللين الجيوسياسيين والإعلام البديل، خصوصًا عقب قرار صدام حسين عام 2000 تسعير النفط العراقي باليورو، ثم مع تصاعد التكهنات لاحقًا بأن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت مدفوعة، ولو جزئيًا، بالرغبة في حماية منظومة البترودولار.   غير أن هذه السردية، رغم انتشارها الواسع، تقوم على سوء فهم جوهري للآليات الحقيقية التي تقوم عليها هيمنة الدولار. وقد فنّدت مجلة "ذا إيكونوميست" هذا الطرح بصورة مباشرة، مؤكدة أن البترودولار كثيرًا ما أُسيء فهمه، وأنه لم يعد يمثل الركيزة الأساسية لقوة الدولار. فرغم أهمية تجارة النفط العالمية، فإن حجمها لا يشكل سوى جزء محدود من إجمالي المعاملات المقومة بالدولار على مستوى العالم. ووفقًا لبيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، يشارك الدولار في نحو 88% من إجمالي معاملات سوق الصرف الأجنبي عالميًا، وهي نسبة تعكس عمق الأسواق المالية ورصيد الثقة المتراكم في المؤسسات، أكثر مما تعكس أي اعتماد على الطاقة.   تاريخيًا، اكتسبت العلاقة بين النفط والدولار وزنًا أكبر في مرحلة كانت فيها الأسواق المالية العالمية أقل تكاملًا، وكانت سندات الخزانة الأمريكية تمثل الملاذ الآمن الافتراضي ضمن نطاق محدود من البدائل المتاحة. إلا أن هذا السياق البنيوي لم يبقَ على حاله، بل شهد تحولًا جذريًا. وتستند هيمنة الدولار اليوم إلى السيولة الاستثنائية لأسواق وول ستريت، وموثوقية إنفاذ العقود ضمن الإطار القانوني الأمريكي، فضلًا عن عقود من الثقة المتراكمة لدى المستثمرين العالميين، وهي أسس أكثر رسوخًا واستدامة بكثير من أي ترتيب ثنائي مرتبط بالطاقة. وباختصار، لم يكن البترودولار يومًا الركيزة الحاملة لهيمنة الدولار، بل كان، في أفضل الأحوال، مجرد عنصر داعم ضمن بنية أوسع وأكثر تعقيدًا بكثير.
مونديال ٢٠٢٦: حينما تكشف الرياضة أزمات السياسة
البرامج البحثية

مونديال ٢٠٢٦: حينما تكشف الرياضة أزمات السياسة

لاقى فوز الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦ ترحيباً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الدولية، حيث اعتُبر إنجازاً استثنائياً للدبلوماسية الرياضية العابرة للحدود. وقد سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والدول المستضيفة، من خلال رفع شعار "نحن ٢٠٢٦"، إلى تقديم صورة مثالية للتعاون الإقليمي والتماسك المشترك، مروجين لفكرة انتصار القوة الناعمة للرياضة على الخلافات الجيوسياسية المعقدة.   ولكن مع حلول صيف عام ٢٠٢٦، اصطدمت هذه الوعود بواقع سياسي متناقض تماماً. فبدلاً من أن تعكس البطولة صورة للوحدة وسلاسة التنقل والحدود المفتوحة، كشفت التحضيرات لتنظيم هذا الحدث الضخم عن انقسامات عميقة وإجراءات أمنية صارمة تسيطر على قارة أمريكا الشمالية. وبذلك، تحولت بطولة كأس العالم من أداة للتكامل الإقليمي إلى عدسة مكبرة تفضح التناقضات السياسية الحادة التي تشكل السياسات الداخلية والخارجية للدول المستضيفة.
هل تنهار الثقة في الدولة الرقمية؟
البرامج البحثية

هل تنهار الثقة في الدولة الرقمية؟

على مدى عقود، استندت الأنظمة التي طورتها الحكومات والبنوك والجامعات والمؤسسات العامة للتحقق من هويات الأفراد إلى افتراض جوهري مفاده أن المعلومات الشخصية والوثائق الرسمية والخصائص الجسدية يصعب تزويرها أو محاكاتها بصورة مقنعة. وفي ظل هذا الافتراض، كان رقم الضمان الاجتماعي مقترنًا بتاريخ الميلاد ورخصة القيادة كافيًا، في معظم الحالات العملية، لإثبات هوية الفرد والتحقق منها. غير أن هذا الافتراض لم يعد صالحًا اليوم، فقد سجلت الولايات المتحدة خلال عام 2025 أعلى عدد من اختراقات البيانات منذ بدء توثيق هذه الحوادث، كما ارتفعت بلاغات سرقة الهوية المقدمة إلى لجنة التجارة الفيدرالية بنحو 20% مقارنة بالعام السابق، فيما تجاوزت الخسائر العالمية الناجمة عن عمليات الاحتيال 534 مليار دولار سنويًا. وفي الوقت ذاته، أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي التقنية ذاتها التي تدعم طيفًا واسعًا من أدوات الإنتاجية والتطبيقات الإبداعية عبر مختلف القطاعات الاقتصادية، عاملًا مضاعفًا لقدرات الجهات التي تسعى إلى خداع الأنظمة الرقمية على نطاق غير مسبوق. وأدت السرعة المتزايدة لتطور هذه الأدوات، ومستوياتها المتقدمة من التعقيد، وسهولة إتاحتها، إلى انتقال المشكلة من نطاق الجرائم المالية وأنشطة الاحتيال التقليدية إلى صلب تساؤل أوسع يتعلق بمدى متانة وموثوقية البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الدول الحديثة في أداء وظائفها الأساسية، وما إذا كانت هذه المنظومة تستحق بالفعل مستوى الثقة الذي مُنح لها على مدى عقود.