يختبر النظام العالمي في المرحلة الراهنة تعقيدات جيواستراتيجية تضع سلاسل الإمداد العالمية أمام تحديات غير مسبوقة. وتفرض التوترات العسكرية المتصاعدة، وتحديداً اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، ضغوطاً على تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال؛ إذ مر عبر هذا الممر في عام ٢٠٢٥ نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً و١٩٪ من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال. وتتزامن هذه التطورات مع تغير مسار الصراع الروسي-الأوكراني نحو استهداف البنية التحتية للطاقة، وترافق ذلك مع تشديد القيود على الملاحة في البحر الأسود وتعطل مسارات رئيسية لتصدير الحبوب الاستراتيجية. ويجد العالم نفسه، إثر هذا المشهد المتداخل، عالقاً بين تراجع الإمدادات النفطية وصعوبة الوصول إلى جانب من المعروض الغذائي، مما يربك حسابات التموين ويهدد ركائز الأمن القومي.
وتندفع بعض القوى الكبرى والاقتصادات الناشئة، إزاء هذا النقص وارتفاع تكاليف الشحن، نحو التوسع في إنتاج الوقود الحيوي كأداة سيادية لتخفيف وطأة أزمة الطاقة، إلى جانب الأهداف البيئية ودعم الإنتاج الزراعي. وتتخذ دول المنشأ الزراعي، تبعاً لذلك، قرارات تقضي بإعادة توجيه جزء من محاصيلها الاستراتيجية، كالذرة وقصب السكر وزيوت النخيل، إلى مصانع الوقود الحيوي لتأمين احتياجات النقل. ويفترض هذا التحليل أن التوسع في الوقود الحيوي القائم على المحاصيل الغذائية قد يفاقم انكشاف الدول المستوردة، عندما يتجاوز نمو الطلب قدرة الإنتاج والمخزونات على استيعابه وتحد السياسات التجارية من المعروض القابل للتصدير. ويتحدد حجم هذا الأثر بنوعية المواد الخام، وحجم التحويل، ومرونة الإنتاج، ولا ينسحب بالدرجة نفسها على الوقود المنتج من المخلفات الزراعية أو الزيوت المستعملة.
وقد تدفع الدول المعتمدة على الاستيراد، وتحديداً في الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، ثمن هذه الضغوط من أمنها الغذائي واستقرارها الداخلي. ويشكل العجز عن تأمين الغذاء، في هذا السياق، محفزاً محتملاً لتراجع السلم المجتمعي، ومؤشراً ينذر بانزلاق الدول نحو أزمات سياسية تتفاوت حدتها بحسب كفاءة المؤسسات وقدرتها على حماية الفئات الأكثر انكشافاً. ويفرض هذا المشهد المعقد تساؤلاً مُلحاً: إلى أي مدى يمكن للدول المستوردة الصمود أمام تداخل سياسات الطاقة والغذاء، وكيف يمكن هندسة آليات دفاعية تحمي أمنها القومي عندما تتزايد المنافسة على المحاصيل بين الاستهلاك الغذائي وإنتاج الوقود؟
شهدَ الاقتصادُ الأمريكي تحولاً سريعاً على مستوى الاقتصاد الكلي، اتسمَ بارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو عقب تطبيق متوسط مرجح لمعدل التعريفات الجمركية بنسبة 27%. وأدى هذا التحولُ في السياسة إلى ظهور مؤشرات "الركود التضخمي" بحلول منتصف عام 2026؛ حيث تباطأ نموُ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 1.5% في الربع الثاني، وارتفعَ معدل التضخم السنوي إلى 5.1%. وانخفضَ، بالتزامن مع ذلك، معدلُ خلق الوظائف الشهرية بشكل حاد من متوسط بلغ 125,100 وظيفة في عام 2025 إلى ما يتراوح بين 34,600 و55,200 وظيفة في عام 2026. وشهدت البيئةُ التجارية كذلك تغيرات هيكلية، لا سيما في قطاع الزراعة؛ حيث فقدت الولايات المتحدة بشكل دائم حصة سوقية بلغت 7.94 نقطة مئوية من سوق الواردات الزراعية الصينية، وحلت البرازيل محلها إلى حد كبير.
سجلَ كلٌ من قطاعي الزراعة والتصنيع، على الصعيد القطاعي، نتائجَ متباينةً حجبت في طياتها نقاطَ ضعفٍ ماليةٍ أعمق. وتحولَ القطاعُ الزراعي بشكل كبير من الاعتماد على الدخل المكتسب من السوق إلى الاعتماد على التحويلات الفيدرالية؛ إذ قفزت المدفوعاتُ الحكومية المباشرة لتصل إلى 44.3 مليار دولار في عام 2026، لتشكل ما يقرب من 25% إلى 30% من إجمالي صافي دخل المزارع. ووصلَ إجمالي ديون القطاع الزراعي، رغم عمليات الإنقاذ الحكومية هذه، إلى مستوى قياسي بلغ 624.7 مليار دولار، بالتزامن مع تزايد حالات إفلاس المزارع العائلية. وسجلَ قطاعُ التصنيع، في المقابل، زيادة متواضعة بنسبة 1.93% في مؤشر الإنتاج الصناعي بين مارس 2025 ويوليو 2026، إلا أن معدل التوظيف في هذا القطاع انكمش فعلياً بنسبة 0.43% خلال الفترة نفسها.
يشيرُ المسارُ المالي طويلُ الأجل للولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة من الديون، مدفوعةً بتزامن قيود الإيرادات مع توسع الإنفاق القائم على العجز؛ حيث تشيرُ التوقعاتُ إلى أن التشريعاتِ الضريبيةَ الأخيرةَ ستضيف 4.7 تريليون دولار إلى العجز الوطني على مدار عقد من الزمن. ويُتوقعُ، بناءً على ذلك، أن يتجاوزَ الدينُ الفيدرالي المملوك للجمهور الذروةَ التاريخية المسجلة عام 1946 (إبان الحرب العالمية الثانية) والبالغة 106%، ليصل إلى 108% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، ثم يرتفعَ إلى 175% بحلول عام 2056. ومن المتوقع، على هذا المدى الزمني الطويل، أن تصبحَ مدفوعاتُ صافي الفائدة أكبرَ بندٍ منفردٍ في الميزانية الفيدرالية، في حين ستنخفضُ حصةُ الولايات المتحدة المتوقعة من الناتج العالمي -على أساس تعادل القوة الشرائية- من 20.42% إلى 13.88%.
تسعى كبرى شركات التكنولوجيا إلى نقل مراكز بياناتها إلى المدار الأرضي المنخفض (Low Earth Orbit – LEO)، بعد بلوغ البنية التحتية الأرضية حدود قدرتها المادية والبيئية على تلبية طلب الذكاء الاصطناعي المتزايد على الطاقة والتبريد والأراضي، في هذا السياق تستهدف شركة سبيس إكس (SpaceX) إطلاق الجيل الأول من أقمار الحوسبة في الربع الأخير من عام 2027، للوصول بالقدرة التشغيلية لمراكز البيانات المدارية (Power Capacity) إلى جيجاواط واحد في العام نفسه، ومئة جيجاواط بحلول عام 2030، وتشير التقديرات إلى حاجة سوق مراكز البيانات العالمية لاستثمارات تقارب 5.7 تريليون يورو حتى نهاية العقد.
يغيّر هذا الانتقال إلى فضاء موازين سيادة الحكومات على الشركات، حيث لا تقتصر آثاره على الجوانب الهندسية؛ إذ ينقل معالجة البيانات خارج حدودها القانونية، ما يخرج الشركات من نطاق قوانين توطين البيانات (Data Localization) والامتثال والضرائب التي أرستها الدول خلال عقد. ويضع هذا الانتقال الدول العربية أمام تحدٍّ مباشر بعد استثمارها في بنية رقمية محلية وأطر صارمة لتخزين البيانات داخل أراضيها (Data Residency)؛ إذ قد ينتقل الخادم الذي يعالج بيانات مواطنيها إلى ارتفاع خمسمئة كيلومتر، خارج نطاق إنفاذ أحكام قضائها.
لذلك يهدف هذا التقرير إلى تحليل اقتصاديات نقل الحوسبة إلى المدارات الفضائية وحدود جدواه، والثغرات القانونية التي تتيح لشركات التكنولوجيا الاستناد إلى ولاية «دولة التسجيل» (State of Registry) لتجنب الخضوع لقوانين دول أخرى، ثم يقيّم مخاطر التركز الاحتكاري (Monopolistic Concentration) والآثار البيئية التي يتحملها الجميع، ويحدد الأدوات التنظيمية المتاحة للدول العربية لحماية سيادتها الرقمية (Digital Sovereignty)، وفي مقدمتها تنظيم الطيف الترددي (Radio-frequency Spectrum)، وتراخيص تقديم خدمات الاتصالات الفضائية داخل أراضيها (Satellite Landing Rights)، والرقابة على البوابات الأرضية (Ground Gateways).
يتجاوز قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن "تصحيح الخريطة" نطاق النقاش التقني حول إسقاطات الخرائط، ليكشف عن ساحة رمزية جديدة تتحرك داخلها دول "الجنوب العالمي" لإعادة التفاوض حول الطريقة التي يُمثَّل بها العالم. فالقرار، الذي شجّع على استخدام إسقاطات متساوية المساحة؛ وفي مقدمتها "الأرض المتساوية" (Equal Earth)، لا يفرض خريطة موحدة ولا يغيّر حدود الدول، لكنه يمنح مطلباً إفريقياً قديماً شرعية أممية واضحة: ألا تُعرض القارة في التعليم، والإعلام، والمؤسسات الدولية بصورة تقلص وزنها المكاني مقارنة بمناطق الشمال. ومن هذه الزاوية، لا يبدو التصويت مجرد تصحيح جغرافي، بل اختراقٌ سياسيٌ في مجال "الحوكمة البصرية"، حيث تتقاطع المعرفة مع القوة، ويتحول شكل العالم المعروض أمام الجمهور إلى موضوع تفاوض داخل النظام متعدد الأطراف.
وقد جاء هذا الحراك في توقيت يشهد صعوداً متزايداً لقدرة دول الجنوب على تحويل قضايا الهوية والتمثيل إلى بنود على الأجندة الدولية. وقد أظهر تمرير القرار أن القوة الناعمة لا تُمارس فقط عبر الثقافة والخطاب، بل كذلك عبر تحديد المعايير التي تنتج المعرفة العامة. ولا يعني ذلك أن تغيير الإسقاط الخرائطي سيعيد، بمفرده، توجيه الاستثمارات أو رسم سلاسل الإمداد، لكنه يوفر أداة سردية تساعد دول إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب آسيا على إبراز اتساع أسواقها، وامتداد ممراتها، وموقعها في شبكات الموارد والتجارة العالمية. وبذلك يصبح "التحرر البصري" مدخلاً لإعادة تقديم الوزن الجيواقتصادي للجنوب، لا بديلاً عن عناصر القوة المادية، وإنما إطارٌ يساعد على رؤيتها والتعامل معها بقدر أكبر من الجدية.
وقد شكّلت الخرائط، عبر التاريخ، إحدى أكثر أدوات السلطة المعرفية تأثيراً. فهي تؤدي وظيفة عملية في الملاحة والإدارة، لكنها في الوقت نفسه تختار ما يوضع في المركز، وما يظهر على الهامش، وكيف تُرسم الحدود وتُسمّى الأماكن. ولهذا لم تكن الخرائط منفصلة عن الدولة والإمبراطورية؛ فقد استُخدمت في المسح، والضرائب، والحملات العسكرية، وترسيم مناطق النفوذ، كما أسهمت في تحويل المجال الجغرافي إلى واقع قابل للإدارة والسيطرة. وتحمل كل خريطة، إلى جانب بياناتها، افتراضات تتعلق بالغرض والمقياس والإسقاط وموقع المشاهد. ومن ثمّ، فإن قراءة الخريطة لا تقتصر على سؤال "هل هي دقيقة؟"، بل تمتد إلى سؤال أكثر سياسية: دقيقة بالنسبة إلى أي غرض، ومن الذي اختار طريقة عرض العالم، وما التصورات التي يرسخها هذا الاختيار حين يتحول إلى معيار واسع الانتشار؟
ومنذ القرن السادس عشر، احتل إسقاط "ميركاتور" موقعاً استثنائياً في رسم خرائط العالم. وقد صُمم أساساً لخدمة الملاحة؛ إذ يحافظ على الزوايا ويجعل الاتجاهات الثابتة خطوطاً مستقيمة، لكنه يضخم المساحات كلما اقتربنا من القطبين. والمشكلة، إذن، ليست في استخدامه للمهمة التي صُمم من أجلها، وإنما في تحوله إلى صورة عامة للعالم داخل الفصول الدراسية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حتى في السياقات التي تكون فيها مقارنة المساحات هي الغرض الأساسي. وتظهر نتيجة هذا الاختيار بوضوح في المقارنة بين إفريقيا وغرينلاند: إذ تبدوان متقاربتين بصرياً على كثير من خرائط ميركاتور، بينما تبلغ مساحة إفريقيا نحو ٣٠.٣٧ مليون كيلومتر مربع، أي قرابة أربعة عشر ضعفاً لمساحة غرينلاند البالغة نحو ٢.١٧ مليون كيلومتر مربع. وعندما تتكرر هذه الصورة جيلاً بعد جيل، فإنها لا تنشئ التهميش السياسي بمفردها، لكنها تمنحه لغة بصرية تتسق مع مركزية الشمال في المخيال العالمي.
ويأتي قرار تصحيح الخريطة، الذي قادته توغو باسم المجموعة الإفريقية وسانده الاتحاد الإفريقي، ليضع هذا الاعتراض داخل إطار مؤسسي دولي. وقد اعتمدت الجمعية العامة النص الوارد في الوثيقة A/80/L.104 بأغلبية ١٦٤ دولة، مقابل صوت واحد رافض للولايات المتحدة وستة امتناعات عن التصويت. وتنبع الدلالة السياسية لهذه النتيجة من اتساع التأييد خارج إفريقيا والجنوب التقليدي، إذ انضمت إلى القرار دول أوروبية وقوى دولية متباينة المصالح. والقرار غير ملزم قانوناً، كما أنه لا يمس السيادة أو الحدود أو الوضع القانوني للأقاليم المتنازع عليها؛ لكنه يطالب المؤسسات التعليمية والإعلامية والدولية والمنصات الرقمية بالنظر بجدية في استخدام إسقاطات أكثر ملاءمة لإظهار المساحات النسبية. لذلك تكمن قوته الأساسية في نقل "العدالة البصرية" من حملة مناصرة إفريقية إلى معيار دولي قابل للانتشار.
دخل إلى أروقة الكونجرس لاعب جديد يمارس، على نحو غير مألوف، دورًا يشبه جماعات الضغط: لا يسجّل نفسه، ولا يفصح عن عميل يمثله، ولا يترك وراءه أثرًا ورقيًا، ومع ذلك يكاد يكون حاضرًا على مكتب كل موظف، في نافذة مفتوحة على متصفح الإنترنت. ولم يعد هذا الحضور مجرد ظاهرة عابرة في بيئة العمل؛ فقد أفادت تقارير بأن مكتب المستشار التشريعي في مجلس النواب، وهو الجهة التي تتولى تحويل أفكار السياسات العامة إلى نصوص تشريعية ملزمة، بات يتلقى سيلًا من مقترحات مشروعات القوانين المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تعج بإحالات تشريعية خاطئة وصياغات ركيكة، إلى حد أن محامي المكتب أصبحوا يستغرقون في تصحيحها وقتًا يفوق ما كانوا سيحتاجونه لصياغة مشروعات القوانين نفسها من الصفر. وبالتوازي مع ذلك، بدأ يتكشف مدى تغلغل هذه الأنظمة في العمل اليومي للكونجرس؛ إذ يعتمد أعضاؤه وموظفوه بصورة متزايدة على أنظمة مثل ChatGPT وClaude وCopilot وGemini في إجراء بحوث السياسات العامة، وصياغة مشروعات القوانين والخطابات، وإعداد الردود على مراسلات الناخبين.
وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا التحول مجرد امتداد لما تشهده بيئات العمل المختلفة من توظيف متسارع للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة وتسريع الإنجاز. غير أن الكونجرس ليس بيئة عمل عادية؛ فالمعلومات التي يتلقاها المشرعون، والكيفية التي تُعرض بها القضايا وتُصاغ بها المشكلات، وصولًا إلى الألفاظ الدقيقة التي تجد طريقها في نهاية المطاف إلى نصوص القوانين، يمكن أن تؤثر جميعها في حياة ملايين الأشخاص. ومن هنا، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت روبوتات الدردشة تجعل مكاتب الكونجرس أسرع أو أكثر كفاءة، بل في ما يحدث عندما تتجاوز الأنظمة التي يستعين بها صانعو السياسات في البحث وتأطير القضايا وصياغة التشريعات دور الأداة المساعدة، لتصبح طرفًا فاعلًا في العملية السياسية نفسها.
تفرز الطفرة الراهنة في الذكاء الاصطناعي مفارقة غير مألوفة: فكلما ازدادت حاجة شركاته إلى معلومات عالية الجودة، اشتد سعيها إلى الكتب الورقية التي تختزن هذه المعلومات، إلى حد إتلاف بعضها بعد استخلاص محتواها. وخلال الأشهر الأخيرة، رصد بائعو كتب مستقلون في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ومناطق أخرى قفزات مفاجئة وغير مفسرة في طلبات الشراء بالجملة، شملت في بعض الحالات مئات الكتب المتباينة والمغمورة. وبعد شرائها، يُنقل بعض هذه الكتب إلى منشآت يُنزع فيها تجليدها، وتُمسح صفحاتها ضوئيًا بسرعات عالية، قبل التخلص مما تبقى منها أو إعادة تدويره. وقد تكون الظاهرة أوسع نطاقًا بكثير مما تكشفه الحالات المعروفة حتى الآن. فقاعدة بيانات الكتب "ISBNdb"، وهي إحدى قواعد البيانات الرئيسية في هذا المجال، تتيح عمليات شراء تتراوح بين ألف ومليون كتاب في الطلب الواحد، فيما يتحدث بائعون عن عناوين ظلت سنوات بلا مشترين، قبل أن تصبح فجأة موضع طلب كثيف. وفي الوقت نفسه، كُشف عن منشأة تابعة لشركة "أمازون" (Amazon) في لاس فيجاس، وصف موظفون فيها عمليات تُقطع خلالها كعوب الكتب، وتُمسح صفحاتها المفككة ضوئيًا، ثم يُتخلص من الورق الناتج عن العملية. غير أن دلالة هذه الظاهرة تتجاوز سوق الكتب وصناعة النشر إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السباق على تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. فإذا كان بناء نماذج أكثر قدرة يتطلب كميات متزايدة من المعرفة المختزنة في مصادر مادية، فما الذي يحدث عندما يقود السباق لاستخلاص هذه المعرفة إلى استنزاف المصادر التي تحملها؟ هنا تتجسد المفارقة في صورتها الأكثر وضوحًا: ماذا لو انتهى الذكاء الاصطناعي، في أثناء تعلّمه من الكتب، إلى إتلاف النسخ المادية التي أتاحت له هذا التعلّم من الأساس؟
لم تُمثل مذكرة التفاهم حلاً جذرياً ونهائياً للملف النووي، بل جاءت بمثابة هدنة مؤقتة استهدفت تجميد الضربات العسكرية والتهديدات الملاحية والنووية، بغية كسب الوقت لصياغة اتفاق متكامل يُعالج أزمة التخصيب من جذورها. وتأتي هذه التطورات في أعقاب انهيار الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥، إثر انسحاب الولايات المتحدة منه في عام ٢٠١٨، وهو ما منح طهران مساحة واسعة لتوسيع عمليات تخصيب اليورانيوم، وتقليص نطاق عمليات التفتيش الدولية، وتكديس كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب بنسب تقترب من المستوى اللازم لإنتاج السلاح النووي. وفي هذا السياق، يبرز البرنامج النووي بوصفه ورقة المساومة الرئيسية بيد القيادة الإيرانية. فعلى الرغم من أن طهران لا تمتلك سلاحاً نووياً في الوقت الراهن، إلا أنها نجحت في مراكمة المعرفة التقنية، وتأسيس البنية التحتية، وتوفير اليورانيوم المخصب، مما يؤهلها لإنتاج هذا السلاح خلال فترة زمنية وجيزة نسبياً متى ما اتُخذ القرار السياسي بذلك. وهذا الواقع يؤكد أن النفوذ الإيراني على طاولة المفاوضات لم يعد نفوذاً افتراضياً، بل هو نفوذ حقيقي يستمد قوته من قدرة طهران على التحرك السريع نحو التسليح.
وعلى الصعيد الميداني، ورغم توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات استهدفت المنشآت النووية داخل إيران، إلا أن التقييمات لم تؤكد سوى وقوع أضرار محدودة. ويُرجح بقوة أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرة كبيرة على مواصلة عمليات التخصيب، في ظل تباين آراء الخبراء وتقديراتهم حول الحجم الحقيقي للتراجع الذي أصاب برنامجها النووي جراء تلك الهجمات. وتثبت هذه المعطيات أن العمل العسكري وحده لم ينجح في حسم القضية النووية، وهو ما يعزز بطبيعة الحال من احتمالية استئناف المفاوضات والعودة إلى المسار الدبلوماسي في نهاية المطاف. وأمام هذا المشهد المعقد، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على مستقبل الأزمة: هل ستشهد أي مذكرة مستقبلية تعديلاً في بنود الملف النووي، أم سيتم الإبقاء عليها بالصيغة ذاتها التي وردت في "مذكرة إسلام آباد"؟ وإذا ما اتجهت الأطراف نحو إدخال تعديلات جديدة، فما هي حدود التنازلات التي يستطيع كل طرف التفاوض بشأنها لطي هذه الصفحة؟
تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
تشهد البشرية اليوم واحدة من أبرز مفارقات العصر الحديث وأكثرها تعقيداً؛ فبينما تتسابق كبرى شركات التكنولوجيا لتقديم الذكاء الاصطناعي كحل سحري لإنقاذ الكوكب ومعالجة أزمات المناخ، يتشكل في الظل واقع مادي معاكس يبعث على القلق. وتستنزف هذه التكنولوجيا الفائقة، التي تبشرنا بمستقبل مستدام، في صمت تام أحد أهم الموارد الحيوية والنادرة التي يعتمد عليها بقاء الإنسان، ألا وهو المياه العذبة.
وينقلنا هذا التناقض العميق بين الوعود الرقمية البراقة والواقع البيئي القاسي من مجرد رصد مشكلة تقنية عابرة، ليطرح أمامنا تساؤلاً استراتيجياً وجيوسياسياً جوهرياً: هل تصطدم طموحات الذكاء الاصطناعي اللامحدودة بالحدود المادية القاسية لموارد كوكب الأرض؟ ويفرض هذا الصراع الصامت بين التطور التكنولوجي وندرة الموارد الطبيعية سؤالاً حاسماً: من سيخضع للآخر في نهاية المطاف، خوادم البيانات الجبارة أم قطرات الماء الحيوية؟
على مدى أكثر من عقدين، مثّلت خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز (بيبفار) المثال الأبرز على ما يمكن أن تصنعه قوة مانح واحد حين تتركز بهذا الحجم. فقد ترجمت دولة واحدة إرادتها السياسية إلى مليارات الدولارات من التمويل سنويًا، عبر برنامج يُنسب إليه إنقاذ أرواح أكثر من أي برنامج منفرد للصحة العالمية في التاريخ. لكن هذه الحقبة تقترب اليوم من نهايتها، لا عبر انتقال منظم ومدروس، بل بانسحاب مفاجئ وغير مخطط له إلى حد بعيد، بدأ بعد أيام من تولي إدارة ترامب الثانية السلطة في يناير 2025.
ولا تتعلق المسألة بمجرد خفض التمويل المخصص لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، بل بما يحدث حين تفقد منظومة تمويل الصحة العالمية ركيزتها المهيمنة. فمن يسارع إلى ملء الفراغ الناشئ؟ وهل تستطيع الدول التي تركها هذا التراجع أكثر انكشافًا بناء القدرات المالية والمؤسسية اللازمة للاعتماد على نفسها؟ والأهم، هل ستكون المنظومة التي تنشأ من هذا التحول أكثر هشاشة من سابقتها، أم أكثر قدرة على الصمود؟
بدأت كلفة هذا التحول تظهر بالفعل: عيادات أُغلقت، ومسارات علاج تعطلت، وإصابات عادت إلى الارتفاع في دول أمضت سنوات في احتواء أوبئتها. لكن التحول نفسه يسرّع، في الوقت ذاته، إصلاح منظومات التمويل، ويوسع التعاون الإقليمي، ويدفع نحو بناء قدرات التصنيع المحلي، وهي مسارات جعل الاعتماد على المانحين الحاجة إليها أقل إلحاحًا على مدى عقدين. وهنا تكمن المفارقة التي يتتبعها هذا التحليل: الانسحاب نفسه الذي يفرض كلفة فورية على النظم الصحية قد يدفعها أيضًا إلى تحولات تقلل اعتمادها على المانحين.
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 24 أغسطس 2026 إطلاق حملة إنفاذ اقتصادي حملت اسم عملية المنبوذ الاقتصادي (Operation Economic Outcast)، صنّفت بموجبها نحو 60 كيانًا وفردًا وسفينة، وأصدرت خمسة قرارات قطاعية غير مسبوقة استنادًا إلى الأمر التنفيذي 13902. ووصف وزير الخزانة سكوت بيسنت (Scott Bessent) الحملة بأنها هجوم اقتصادي شامل هدفه قطع كل شريان يغذي الاقتصاد الإيراني، فيما ردّ وزير الاقتصاد الإيراني علي مدنىزاده بوصفها هجومًا إرهابيًا اقتصاديًا، مؤكدًا أن بلاده تملك أدواتها وتعرف قواعد اللعبة.
تتجاوز دلالة هذه الحملة حجم التصنيفات ذاتها؛ إذ تنقل واشنطن ثقلها من معاقبة الكيانات الإيرانية إلى ملاحقة الوسطاء في دول ثالثة: المصافي الصينية المستقلة، وبيوت التجارة والصرافة الخليجية، وقنوات التسوية العاملة خارج الدولار، غير أن السجل الممتد منذ 2012 يكشف نمطًا يكاد يكون ثابتًا: احتكاك حاد من الجانب الأمريكي تعقبه إعادة تكيّف بنيوي إيرانية، تنجو فيه الصادرات الإيرانية ويتآكل فيه رصيد القوة الأمريكي.
لذلك يهدف هذا التحليل إلى تفكيك البنية القانونية للحملة وتحديد ما هو جديد فيها فعليًا، ثم اختبار مسارات إنفاذها الستة أمام العوائق البنيوية التي راكمتها طهران عبر أربع موجات متعاقبة من العقوبات، وصولًا إلى تقدير الأثر المرجّح على حجم الصادرات الإيرانية وعلى الخصم المفروض على خامها وعلى مسار الأسعار، وقياس كلفة الامتثال التي ستتحملها المراكز المالية واللوجستية.
يقدم الأداء التجاري لفيلم كريستوفر نولان "الأوديسة" في دور العرض خلال يوليو 2026 نافذة كاشفة على تحول أوسع في اقتصاديات الإعلام، وإن كان نجاح فيلم واحد في شباك التذاكر لا يكفي وحده لإثبات أن تحولًا هيكليًا قد ترسخ بالفعل. فبينما يميل الخطاب السائد إلى قراءة الزخم المالي للفيلم بوصفه نجاحًا إبداعيًا منفردًا، تكشف مقاربته من منظور الاقتصاد الجزئي والتمويل المؤسسي عن احتمال حدوث إعادة توزيع أكثر استدامة للقيمة والإنفاق داخل السوق. ففي منظومة ترفيهية غمرتها الوفرة الرقمية وخدمات البث عند الطلب، يبدو أن إنفاق المستهلكين والاستوديوهات يتجه بصورة متزايدة نحو تجارب مادية متمايزة يصعب استنساخها رقميًا. ومع ذلك، يظل هذا الاتجاه فرضية عمل تسندها مؤشرات دالة، لا حقيقة محسومة، ولا يمكن لأداء فيلم ضخم واحد أن يحسمها بمفرده.
وتبرز الأهمية التجارية لهذه الفرضية بوضوح في حالة شركة "آيماكس" (بورصة نيويورك: IMAX)، التي يجمع نموذج أعمالها بين مستويين مختلفين في طبيعتهما الاقتصادية: شبكة رقمية عالمية واسعة قابلة للتوسع، ومنظومة عرض تناظرية فائقة الندرة بتقنية 15/70 ملم. ويتيح الفصل بين هذين المستويين فهمًا أدق للتحولات التي تبحثها هذه الدراسة. فمع اتساع الوفرة الرقمية وتقارب بدائل المحتوى، تتزايد الضغوط على الاستوديوهات للبحث عن سبل جديدة للتمايز، ويتغير استعداد المستهلكين للدفع، فيما تتجه حصة غير متناسبة من إيرادات شباك التذاكر نحو عدد محدود من شبكات العرض المتخصصة. وفي الوقت نفسه، يكشف هذا الفصل عن المخاطر التي تواجه "آيماكس"، والتي قد تغفلها القراءة المتفائلة لأداء الشركة.
تدخل مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران منعطفاً استراتيجياً بالغ التعقيد مع انقضاء الجزء الأكبر من مهلة الستين يوماً التي أرستها "هدنة إسلام آباد" دون التوصل لأتفاق حاسم، وما صاحب ذلك من تجدد أعمال القتال و إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية مرة أخري. تتزامن هذه التطورات الميدانية مع مساعٍ دبلوماسية دولية حثيثة لاحتواء تداعيات الصراع العسكري المفتوح الذي استنزف بوضوح معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ويبرز في قلب هذا المشهد التفاوضي غياب واضح لملف الوكلاء الإقليميين عن مسودات الاتفاق الأولي وعن طاولات الحوار الراهنة، وهو غياب لا يعكس تهميشاً للقضية، بل يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه الشبكة المعقدة التي شكلت لعقود طويلة ركيزة أساسية لعقيدة الردع الإيرانية.
تُظهر الديناميكيات السياسية الراهنة أن ملف الوكلاء لم يعد مجرد بند فرعي قابل للتأجيل أو التجاهل، بل تحول إلى عقدة بنيوية تمس تعريف كل طرف لمفاهيم الأمن والاستقرار وحدود التسوية الممكنة. يعكس استبعاد هذا الملف من الصياغات الأولية إدراكاً عميقاً بصعوبة إدراجه دون الاصطدام المباشر بخطوط حمراء تتقاطع مع عقيدة الردع الإيرانية، والرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي، والسعي الإسرائيلي لترجمة الضغوط العسكرية إلى مكاسب تفاوضية غير قابلة للانعكاس. وتكتسب هذه المعضلة أبعاداً أعمق بالنظر إلى التحليلات الماكرو-اقتصادية الحديثة التي تؤكد أن كلفة انخراط الوكلاء تجاوزت الخسائر العسكرية المباشرة لتضرب عصب الاقتصاد العالمي؛ إذ تسببت العمليات المرتبطة بالوكلاء في الممرات البحرية الحيوية، وتحديداً في البحر الأحمر، في اضطرابات حادة لسلاسل التوريد، وكبدت التجارة الدولية خسائر تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة القفزات غير المسبوقة في تكاليف الشحن ورسوم التأمين، فضلاً عن بروز تهديدات غير تقليدية طالت أمن البنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها شبكات كابلات الألياف الضوئية المغمورة.
و يؤكد خبراء الأمن أن الاستنزاف البنيوي الذي تعرض له محور المقاومة خلال المواجهات العنيفة في عامي 2024 و2025، دفع القيادة في طهران إلى إعادة تقييم تكتيكاتها وأدواتها، ولكنه لم يدفعها مطلقاً نحو التخلي عنها. وتتجلى جذور الأزمة في التضارب الجذري للرؤى بين الفاعلين؛ ففي حين تتعامل إيران مع شبكة وكلائها باعتبارها خط دفاع أمني متقدم وجزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي القائم على دمج هذه الفصائل مع منظوماتها الصاروخية والمسيرة، تنظر واشنطن وتل أبيب، بدعم من قوى إقليمية، إلى تفكيك هذه الجماعات ونزع سلاحها كشرط إلزامي مسبق لأي هندسة أمنية جديدة. يفرض هذا الواقع مقاربة ملف الوكلاء كنقطة تقاطع حاسمة بين ثلاثة مستويات معقدة: المستوى الإيراني الباحث عن العمق الدفاعي، والمستوى الأمريكي الساعي لتجفيف منابع التهديد غير المتكافئ، والمستوى الإقليمي والدولي الذي يربط استقرار الأسواق وحرية الملاحة بإنهاء نشاط هذه الجماعات في مناطق الاختناق البحري وشرق المتوسط، مما يجعل أي تسوية تتجاهل تحديد موقع الوكلاء ووظائفهم أقرب إلى هدنة هشة قابلة للتآكل السريع.
يطرح هذا الجزء تفكيكياً لتباين وجهات النظر بين الفاعلين الأساسيين إزاء أزمة الوكلاء الإقليميين، وتستشرف كيف ستصطدم هذه الرؤى المتناقضة أو تتوافق داخل غرف التفاوض المغلقة. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن تساؤل محوري: هل تترجم هذه المناقشات إلى مقايضات استراتيجية تؤسس لتسوية شاملة ومستدامة، أم أن تباعد الخطوط الحمراء سيحيل الاتفاق المرتقب إلى مجرد تجميد تكتيكي مؤقت يسبق جولة أشد عنفاً من الصراع؟
تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ أغسطس ٢٠٢٦