تشير التطورات الراهنة إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجاوزت حدود المواجهة المباشرة المحدودة، لتدخل طورًا تصاعديًا مفتوحًا تتزايد معه احتمالات الامتداد الإقليمي واتساع نطاق التداعيات الاستراتيجية المرتبطة بها. ومع استمرار هذا المسار، لم يعد الصراع يُقاس فقط بحدوده العسكرية المباشرة، بل بما يتيحه أيضًا من فرص لإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الدوليين والإقليميين. وفي هذا السياق، برزت خلال العقد الماضي مساعٍ روسية حثيثة لاستقطاب حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر مقاربة ترتكز على أولوية استقرار الأنظمة بوصفه مدخلًا لإعادة التموضع الاستراتيجي. وفي المقابل، اعتمدت الصين مسارًا مختلفًا يقوم على التمدد الهادئ عبر أدوات القوة الناعمة، من خلال تعميق الشراكات الاقتصادية وتوسيع الحضور الدبلوماسي. ومن ثم، فإن إطالة أمد الحرب أو انزلاقها إلى نطاقات أوسع قد تفتح المجال أمام انخراط أكبر لهاتين القوتين، ليس فقط لملء الفراغات التي قد تنتج عن الاستنزاف الأمريكي، بل أيضًا لتقويض النفوذ الأمريكي عالميًا وإعادة اختبار موازين القوة في واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية. وانطلاقًا من ذلك، تطرح هذه الدراسة فرضية مفادها أن إيران قد تتحول إلى ساحة رئيسة لتنافس القوى الكبرى، وذلك من خلال تتبع مسارين متداخلين: أولهما مظاهر التمدد الاستراتيجي الأمريكي المفرط، وثانيهما الصدمات الاقتصادية المحتملة الناجمة عن اضطراب أسواق الطاقة واتساع تداعيات الأزمة.