ماذا لو: استهدفت إيران كابلات الإنترنت في الخليج العربي؟
الإصدارات

ماذا لو: استهدفت إيران كابلات الإنترنت في الخليج العربي؟

يرتكز الاقتصاد العالمي المعاصر على بنية تحتية رقمية ومادية متداخلة، حيث تعتمد استمرارية الأسواق الدولية على شبكة من كابلات الألياف الضوئية البحرية يبلغ طولها الإجمالي نحو ١,٣ مليون كيلومتر. تتولى هذه المنظومة الاستراتيجية نقل ما يتراوح بين ٩٥-٩٩٪ من حركة الاتصالات الرقمية العابرة للقارات، وتوفر القاعدة الأساسية لتسوية تحويلات مالية يومية تقارب قيمتها ١٠ تريليونات دولار. وفي حين تركزت التحليلات الجيوسياسية تاريخياً على تأمين الممرات المائية السطحية لضمان التدفق المستمر لموارد الطاقة التقليدية، أثبتت التحولات الراهنة أن استدامة النظام الاقتصادي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن هذه الشبكات المغمورة.   وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح تام في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، حيث تتطابق المسارات الجغرافية الحاكمة لحركة التجارة وسلاسل إمداد الطاقة مع خطوط عبور البيانات العالمية. ويمثل مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه ٢١ ميلاً بحرياً، النقطة المحورية لهذا التداخل، إذ يمر عبره قرابة ٢١ مليون برميل من النفط الخام وثلث إمدادات الغاز الطبيعي المسال يومياً، وبالتوازي مع ذلك، يمر عبر قاعه ١٧ نظاماً من الكابلات البحرية التي تنقل نحو ٣٠٪ من إجمالي حركة الإنترنت الدولية، ويؤدي هذا التركز المكاني الكثيف للبنى التحتية المادية والرقمية في نطاق جغرافي ضيق إلى خلق انكشاف أمني بالغ الخطورة، مما يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر منهجية متصلة بالتوترات الإقليمية.   وقد تحولت هذه المخاطر الهيكلية من نطاق التقييمات النظرية إلى واقع ميداني إثر اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في مطلع عام ٢٠٢٦ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضمن العمليات التي عُرفت باسم "الغضب الملحمي". أفرزت هذه المواجهات تغيراً جذرياً في العقيدة العسكرية الإيرانية؛ ففي ظل التحديات التي واجهت قدراتها العسكرية التقليدية لإعاقة حركة النقل السطحي للطاقة، برز توجه استراتيجي جديد يعتمد على التهديدات غير المتماثلة، ويتمثل هذا التطور النوعي في الانتقال من التلويح التقليدي بإغلاق الممرات الملاحية أمام ناقلات النفط، إلى استهداف شبكات كابلات الإنترنت البحرية وتوظيف إتلافها المتعمد كأداة للردع والضغط الجيوسياسي. ويعكس هذا التحول استغلالاً مدروساً لنقاط الضعف المادية الكامنة في البنية التحتية المدنية لتعويض الاختلال في موازين القوى، مما ينذر بتداعيات تتجاوز حدود النزاع الإقليمي لتؤثر بشكل مباشر على أسس الاقتصاد الرقمي في بيئة تتسم بتصاعد الحروب الهجينة وعسكرة المجال البحري.   كما يفرض هذا النمط المستحدث من التهديدات واقعاً يُصنف أكاديمياً بمفهوم الأزمة المزدوجة والمتزامنة، وهو مسار يؤدي فيه القطع المنهجي للكابلات البحرية إلى شلل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتدهور حاد في البنية التحتية الرقمية عبر مناطق الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا في آن واحد، وتتجاوز التداعيات المباشرة لهذا السيناريو مجرد انقطاع خدمات الاتصالات عن الأفراد، لتمتد مسببة إرباكاً تاماً لأنظمة المقاصة المالية الإلكترونية التي تدير استثمارات صناديق الثروة السيادية، وشللاً في مراكز القيادة والتحكم الرقمية التابعة لتكتلات الطاقة الحكومية. كما يترتب على هذا الاستهداف تعطيل شبكات القيادة والسيطرة العسكرية، وقطع قنوات الاتصال الضرورية لإدارة الملاحة البحرية وإعادة توجيه السفن أثناء الأزمات، فضلاً عن تقويض البنى التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تعتمد عليها دول المنطقة في استراتيجيات التنويع الاقتصادي.    وتستند واقعية هذه التهديدات إلى سوابق مادية حديثة أثبتت الانكشاف الفعلي لهذه المنظومة، أبرزها الأعطال التي لحقت بكابلات البحر الأحمر إثر غرق السفينة روبيمار في عام ٢٠٢٤، وما تبعها من انقطاعات متعددة للخطوط في المنطقة ذاتها خلال شهر سبتمبر من عام ٢٠٢٥، مما يؤكد هشاشة هذه الشبكات أمام الحوادث العارضة والعمليات التخريبية المتعمدة.   وتأسيساً على هذه المعطيات الاستراتيجية والاقتصادية المعقدة، تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومفصل للتبعات المترتبة على هجوم واسع النطاق يستهدف البنية التحتية للاتصالات البحرية في الخليج العربي. عبر فحص القدرات التقنية والعسكرية المتاحة للجانب الإيراني لتنفيذ عمليات التخريب المادي تحت سطح البحر، وتحليل الدوافع الاستراتيجية الكامنة وراء هذا التصعيد غير المتماثل. ومن خلال دمج السوابق التاريخية القريبة مع البيانات المحدثة حول مستويات الاعتماد الرقمي الإقليمي والدولي للوقوف على حجم الخسائر المتوقعة في حال تنفيذ هذا السيناريو.
التكلفة العربية: التداعيات الاستراتيجية لاضطرابات باب المندب
البرامج البحثية

التكلفة العربية: التداعيات الاستراتيجية لاضطرابات باب المندب

بدأ مُصطلح "وحدة الساحات" ينتشر لأول مرة في أدبيات الصراع العربي الإسرائيلي بعد معركة سيف القدس في عام ٢٠٢١، هي نهج عسكري وأيديولوجي يرتبط في المقام الأول بوكلاء إيران في المنطقة ضمن ما يُسمى "محور المقاومة"، الذي يضم جماعات مثل حزب الله، حماس، الحوثيين، وغيرها من الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا والعراق، بهدف تعزيز التنسيق العملياتي بين هذه الجماعات لمواجهة إسرائيل وتقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة، وفقًا لما تقتضيه المصالح الإيرانية، وذلك عن طريق اتخاذ إجراءات متزامنة عبر جبهات مختلفة، مثل لبنان وغزة واليمن، لخلق معركة واحدة مُتزامنة موحدة ضد الأعداء المشتركين، وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة.   طُبقت هذه الاستراتيجية على نطاقات محدودة عدة مرات قبل عمليات السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، لكنها وصلت إلى مراحل غير مسبوقة من التنسيق بعد هذه العمليات، لتبلغ حد تقسيم الأهداف داخل إسرائيل، ليقوم هؤلاء الوكلاء باستهداف المُنشآت الإسرائيلية من كُلًا من غزة، لبنان، العراق، سوريا، وصولًا لليمن، في تزامن وتتابع مُضني بالصواريخ والمُسيرات ضغط الدفاعات الجوية الإسرائيلية، حتى أن بعضها أطلق من اليمن ليُصيب أهدافًا في تل أبيب.   لم يكتفِ هؤلاء الوكلاء وخصوصًا الحوثيين بتهديد المُنشآت الإسرائيلية، بل تتابعت ضرباتهم لتُعيق الملاحة في مضيق باب المندب، قُبالة السواحل اليمينية، وذلك عبر عشرات الضربات لسُفن يدعي الحوثيين أن لها علاقات بإسرائيل بداية من ملكية للدولة أو لأشخاص ذوي جنسية إسرائيلية وصولًا إلى مرورها بالموانئ الإسرائيلية، مما يوسع دائرة الاستهداف، ويجعل معاييرها مطاطة تشمل نسبة كبيرة من حركة المرور في المضيق المحوري بالنسبة للتجارة العالمية، وخصوصًا الدول العربية المُصدرة للنفط، ومصر التي تعتمد على قناة السويس مقصد النسبة الأكبر من السُفن العابرة للمضيق، ما أسفر عن تحول مسار خطوط الشحن من قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي ستكون له تحولات استراتيجية بعيدة المدى، بالإضافة إلى  تداعيات المدى القصير على اقتصادات الدول العربية من المجموعتين السابقتين، لذلك يهدف هذا التحليل إلى تحليل أهمية المضيق بالنسبة للدول العربية، وانعكاساته الاستراتيجية على اقتصاداتها.
النُّفوذ الإيرانيِّ في السُّودان: بين دبلوماسيَّة المُسيرات وضغوط الصِّراع
البرامج البحثية

النُّفوذ الإيرانيِّ في السُّودان: بين دبلوماسيَّة المُسيرات وضغوط الصِّراع

تتسم العلاقات بين السُّودان وإيران بتاريخ متقلب بين التقارب والقطيعة التي استمرت نحو 8 سنوات على أثر التوترات القوية بين إيران والمملكة العربية السعودية على خلفية اقتحام محتجون إيرانيون السفارة السعودية في طهران عام 2016، واتخذت الحكومة السُّودانية آنذاك قرارًا بإغلاق جميع المدارس والمراكز الثقافية الإيرانية، ولكن اليوم يتجه السُّودان وإيران بخطى حثيثة لفتح صفحة جديدة من العلاقات، وسط توترات إقليمية متصاعدة بين طهران وداعميها من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى، وحرب يخوضها الجيش السُّوداني ضد قوات الدعم السريع شبه العسكرية منذ أبريل 2023.   هيأت التغيرات الإقليمية الراهنة وأتاحت الفرصة أمام الطرفين للتحرك بشكل محسوب نحو أعادة تسوية خلافات الماضي لتشهد معها العلاقات تنامي ملحوظ في العام الماضي عبر سلسلة من اللقاءات الرسمية رفيعة المستوى لمسؤولين سودانيين مع نظيرهم الإيرانيين، أبرزها لقاء وزير الخارجية السُّوداني السابق علي الصادق ونظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان آنذاك على هامش اجتماع اللجنة الوزارية لحركة عدم الانحياز الذي استضافته العاصمة الأذربيجانية باكو في يوليو 2023  في خطوة حملت تحسس لعودة العلاقات، والتي ترتب عليها إعلان السُّودان استئناف علاقاته الدبلوماسية مع إيران رسميًا في 9 أكتوبر 2023، وبعد مرور عام على استئناف العلاقات تسلم رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، أوراق اعتماد السفير الإيراني، حسن شاه حسيني، سفيراً ومفوضاً فوق العادة لبلاده لدى السُّودان 21 يوليو 2024، مما طرح العديد من التساؤلات خاصة أن توقيته تزامن مع تصاعد التوترات في المنطقة، و أشهر من المعارك الدائرة بين الجيش السُّوداني وقوات الدعم السريع، وفي ظل التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب الذي بدأ قبل نحو 4 سنوات.   كما يثير هذا التقارب العديد من التساؤلات حول مدى استدامة هذا الاتفاق، خاصة في ظل تباين الأولويات الإقليمية بين البلدين، حيث تركز إيران على المشرق العربي، ويظل مستقبل هذه العلاقة مرهونًا بالتطورات الإقليمية وحسابات إيران الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر. فهل ستشهد العلاقة تحولًا جذريًا نحو شراكة استراتيجية مستدامة، أم ستبقى أسيرة التجاذبات الإقليمية والتكتيكات السياسية؟
تدهور الأوضاع الأمنية وتزايد التحديات العسكرية في البحر الأحمر
البرامج البحثية
24 ديسمبر 2023

تدهور الأوضاع الأمنية وتزايد التحديات العسكرية في البحر الأحمر

تتزايد وتيرة العمليات العسكرية في قطاع غزة، ما دفع إيران لإقحام مزيدًا من وكلائها الإقليمين للصراع تنفيذًا لسيناريو وحدة الساحات التي طالما هددت به، ومنهم: حزب الله في لبنان، مليشيات الحشد الشعبي العراقي، والأهم من بينهم جماعة الحوثي في اليمن، الذين باتوا يشكلون تحدي بالغ لإسرائيل عبر أداتي الصواريخ والمُسيرات، بالإضافة إلى إعاقة الملاحة المُتجهة للموانئ الإسرائيلية، أو السُفن المملوكة لرجال أعمال إسرائيليين، لدى عبورها باب المندب في اتجاهها لقناة السويس.