نادراً ما يواجه النظام الغذائي العالمي صدمتين هيكليتين متزامنتين بهذه الدرجة من التأثير. ففي فبراير 2026، أدى إغلاق مضيق هرمز، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى تعطيل أحد أهم الشرايين العالمية لتدفقات الطاقة والأسمدة والسلع الغذائية، بما هدد سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها عدد كبير من الدول المستوردة. وفي الوقت نفسه، كانت ظاهرة "النينيو" تتجه نحو مرحلة أكثر حدة، وهي ظاهرة مناخية دورية تنجم عن ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤدي إلى اضطراب أنماط الطقس العالمية، بما في ذلك موجات الجفاف، وضعف الرياح الموسمية، وتراجع الظروف الملائمة للإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من العالم. وتشير التقديرات المناخية إلى أن مسار تطورها الحالي قد يجعلها من بين أقوى موجات "النينيو" المسجلة منذ بدء الرصد المناخي.
ويكفي أي من هذين الاضطرابين، منفرداً، لفرض اختبار بالغ الصعوبة على منظومة الغذاء العالمية. غير أن تزامنهما يخلق نمطاً مختلفاً من المخاطر، إذ تتفاعل الصدمة الجيوسياسية مع الصدمة المناخية في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط أصلاً من هشاشة هيكلية تحد من قدرته على امتصاص الاضطرابات الخارجية. ويزداد هذا المشهد تعقيداً في عام 2026 مع تراكب هاتين الصدمتين على أزمة ممتدة في أسواق الأسمدة العالمية، وهو اقتران لم تشهده موجات "النينيو" السابقة. ومن ثم، لم يعد التحدي يقتصر على تقدير الآثار المنفصلة لكل من اضطراب هرمز أو ظاهرة "النينيو"، بل أصبح يتمثل في فهم الكيفية التي قد يؤدي بها تفاعلهما إلى مضاعفة الضغوط على الأمن الغذائي الإقليمي، وإلى أي مدى تستطيع دول الشرق الأوسط احتواء تداعيات صدمة مركبة بهذا الحجم.
يمر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بتحولات هيكلية إثر اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. ورداً على هذا التصعيد، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وناقلات النفط، معتمدة على قدراتها غير المتكافئة من الألغام البحرية، والصواريخ المتقدمة، والطائرات المسيرة لتحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية.
ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال. إذ أسفر الإغلاق عن تداعيات اقتصادية فورية تمثلت في توقف حركة الملاحة، وامتناع شركات التأمين عن تقديم تغطيتها للسفن، فضلاً عن تسجيل ارتفاع حاد في أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل. وفي مسعى لاحتواء الأزمة، طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة دبلوماسية تقضي بإنشاء ممر بحري آمن في مضيق هرمز تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان تدفق إمدادات الطاقة بسلام.
وتستند مبادرة كالاس إلى محاكاة "مبادرة البحر الأسود" التي أتاحت تصدير الحبوب الأوكرانية بضمانات دولية، وتأتي التحركات الأوروبية مدفوعة بمخاوف من أن انقطاع إمدادات الغاز سيقوض الإنتاج العالمي للغذاء لارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة الزراعية، وتهدف المبادرة إلى تحييد سفن الطاقة عن دائرة الاستهداف العسكري لتأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي ضوء هذه المعطيات، وهو ما يطرح تساؤل حول مدي جدوى هذه المبادرة في حلحلة الأزمة الراهنة؟ وما هي الخيارات المتاحة في حال فشل تنفيذ مقترح البحر الأسود؟