بين 26 و31 يوليو 2026، تعرضت مرافق للمياه والصرف الصحي في عدد من الولايات الأمريكية لسلسلة من الهجمات السيبرانية انتزعت من مشغليها القدرة على التحكم اليدوي في أنظمتها. وامتد نطاق الهجمات من مينيسوتا وميشيجان إلى نيوجيرسي وجورجيا وداكوتا الجنوبية، فيما أصابت في مينيسوتا وحدها أكثر من 30 نظامًا محليًا للمياه. وتشير تقارير إخبارية إلى شبهات بارتباط هذه الهجمات بقراصنة مدعومين من إيران، بما يضفي على استهداف بنية تحتية مدنية بهذه الحساسية دلالة تتجاوز مجرد الاختراق التقني.
وفي مقاطعة كلايتون بولاية جورجيا، ظهرت آثار الاختراق سريعًا على أرض الواقع. فقد رصد مشغلو هيئة المياه، التي تخدم نحو 300 ألف شخص في محيط أتلانتا، تراجعًا في ضغط المياه، ما اضطر الهيئة إلى إصدار تحذير للسكان بضرورة غلي المياه قبل استخدامها. ومع ذلك، لم يدم الاضطراب طويلًا، إذ أُعيدت الخدمة في غضون ساعات.
وفي حالات عدة، تمكن القراصنة من النفاذ عن بُعد إلى أنظمة التحكم في المضخات والصمامات وضغط المياه. لكن الهجمات، على خطورتها، لم تصل إلى الحد الذي ربما كان يخشاه استهداف منشآت من هذا النوع: لم تتأثر سلامة مياه الشرب، وظلت المياه آمنة للاستخدام.
ومنذ ذلك الحين، أعلنت مجموعة القرصنة "CyberAv3ngers"، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والمدرجة على قائمة العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2024، مسؤوليتها عن العملية عبر تطبيق تيليجرام. غير أن المجموعة تعمدت تقديم ما جرى بوصفه رسالة تحذير لا هجومًا مكتملًا، قائلة إن "هدفنا من مهاجمة مينيسوتا لم يكن سوى التحذير" من قدراتها ومن عزمها الرد على أي دولة تشكل تهديدًا لإيران. وتكمن أهمية هذا التوصيف في ما ينطوي عليه من دلالة تتجاوز العملية نفسها. فإذا كانت المجموعة تصف اختراق أنظمة المياه وتعطيل التحكم فيها بأنه مجرد "تحذير"، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن أن يبدو الهجوم "الفعلي" الذي تلوّح به؟
لم تغير أحداث أواخر يوليو مسار الحرب، ولم تكن في ذاتها نقطة تحول فيها. فلم تُطلب فدية، ولم تتعرض المياه للتلوث، كما أمكن احتواء حالات انقطاع الخدمة في غضون ساعات أو أيام، بعد العودة إلى التشغيل اليدوي للأنظمة. وهذه المحدودية تحديدًا هي مفتاح قراءة الحادث. فما جرى لا يرقى إلى مستوى التصعيد بالمعنى التقليدي؛ إذ كان مؤثرًا بما يكفي لتصدر عناوين الأخبار ودفع بلدات مثل مابل بلين في ولاية مينيسوتا إلى إعلان حالة الطوارئ، لكنه ظل دون العتبة التي كان من شأنها أن تُحدث انهيارًا في البنية التحتية يستدعي ردًا عسكريًا أمريكيًا متناسبًا. ومن ثم، تكمن دلالة العملية في هذا الحيز الفاصل تحديدًا: إحداث أثر يكفي لإيصال الرسالة وإظهار القدرة، من دون تجاوز العتبة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وبذلك، كان ما جرى فعلًا للإشارة والردع، لا فعلًا من أفعال الحرب.
ولا تزال المسؤولية عن الهجوم غير محسومة رسميًا؛ إذ يواصل المحققون جمع الأدلة، بينما رفضت الإدارة الأمريكية علنًا اتهام إيران بالضلوع فيه. بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجّه الاتهام في البداية إلى سلطات ولاية مينيسوتا نفسها، لا إلى طهران.
ومع ذلك، فإن تكرار نمط الاستهداف يوفر أساسًا قويًا بما يكفي لبناء التحليل عليه. فاستهداف البنية التحتية الأمريكية للمياه والكهرباء ليس جديدًا على جماعات القرصنة المرتبطة بإيران، بل سبق أن ظهر في عمليات مماثلة. ففي عام 2023، اخترقت مجموعة من القراصنة الناشطين المرتبطين بإيران معدات صناعية في منشأة للمياه بمدينة أليكويبا في ولاية بنسلفانيا، وعبثت بمكونات إسرائيلية الصنع داخلها بحيث تعرض رسائل مناهضة لإسرائيل، وذلك خلال حرب إسرائيل على قطاع غزة.
ويمتد سجل الاستهداف السيبراني الإيراني للبنية التحتية للمياه في الولايات المتحدة إلى عام 2013. ففي ذلك العام، اخترق قراصنة إيرانيون أنظمة التحكم في سد بومان أفينيو بمدينة راي في ولاية نيويورك، وهي الواقعة التي انتهت لاحقًا بتوجيه اتهامات إلى سبعة مواطنين إيرانيين.
وفي هجمات يوليو، تكرر مسار الاختراق نفسه الذي استخدمته مجموعة “CyberAv3ngers” في عام 2023: وحدات تحكم صناعية توفرها جهات خارجية، وغالبًا ما تكون متصلة بالإنترنت لإتاحة أعمال الصيانة عن بُعد. وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يحول ثغرة واحدة في مكوّن مشترك إلى منفذ للهجوم على نطاق أوسع، قد يشمل بلديات عديدة تستخدم المعدات نفسها.
ولا يشكل أي من ذلك، منفردًا أو مجتمعًا، دليلًا قاطعًا على المسؤولية. لكن اجتماع ثلاثة عناصر، إعلان جهة مسؤوليتها عن العملية، وسجل موثق يمتد لأكثر من عقد من استهداف القطاع نفسه، وأساليب تنفيذ تتسق مع نمط عمل جهة معروفة بارتباطها بدولة، يرسم نمطًا واضحًا بما يكفي ليشكل أساسًا للتحليل.
لا تتحدد حدود ما يمكن أن تبلغه هذه الهجمات بقدرات إيران وحدها؛ فالحد الأقصى للخطر ترسمه أيضًا درجة الانكشاف القائمة أصلًا داخل قطاع المياه الأمريكي، وما تتيحه مواطن الضعف فيه من مساحة يمكن استغلالها.
أولًا، النطاق الجغرافي. لم يكن الانتقال من حوادث متفرقة ومعزولة في السابق إلى استهداف نحو 12 ولاية في أقل من أسبوع دليلًا على طفرة مفاجئة في القدرات الهجومية، بقدر ما كشف عما يحدث عندما تُختبر، على نطاق واسع، بيئة تعج بالأهداف القابلة للاختراق.
فالولايات المتحدة تضم ما بين 150 و170 ألف نظام للمياه، غالبيتها العظمى صغيرة الحجم، وتُدار محليًا، وتفتقر إلى فرق متخصصة في تكنولوجيا المعلومات. وهذه تحديدًا هي مواصفات الأنظمة التي دأبت مجموعة “CyberAv3ngers” على استهدافها بصورة منهجية منذ عام 2023.
وتكشف المؤشرات الرسمية حجم هذا الانكشاف. ففي عام 2024، رصد تقرير صادر عن مكتب المفتش العام في وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) ثغرات حرجة أو عالية الخطورة في 97 نظامًا للمياه تخدم نحو 26.6 مليون شخص. كما خلص مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية إلى أن الوكالة واجهت صعوبة في تحديد الأساس القانوني اللازم لفرض متطلبات ملزمة لإدارة المخاطر السيبرانية في القطاع.
ولا يبدو أن آليات الحماية القائمة قادرة حتى الآن على سد هذه الفجوة. فبحسب التقارير، لم يتمكن برنامج دفاع تطوعي أُنشئ لمساعدة هذه المرافق إلا من الوصول إلى نسبة محدودة من المنشآت التي لا تزال تفتقر إلى الحماية. ومن ثم، لا يوجد في بنية القطاع نفسها ما يبرر افتراض أن نطاق الاستهداف سيتوقف عند حدود الولايات الاثنتي عشرة. فإذا توقفت العملية عند 12 ولاية، فليس لأن الولاية الثالثة عشرة كانت بعيدة عن متناولها، بل لأن العملية صُممت بحيث تتوقف عند هذا الحد. والفارق بين الأمرين جوهري: ما ظهر في يوليو كان حدود العملية كما نُفذت، لا بالضرورة حدود القدرة على توسيعها.
ثانيًا، نطاق الاستهداف القطاعي. لا تنبع هشاشة قطاع المياه من طبيعة منشآته فحسب، بل من محدودية الأطر التنظيمية الملزمة التي تحكم أمنه السيبراني، وهو ما يجعله هدفًا أقل تحصينًا نسبيًا. وعلى النقيض، يخضع قطاع الكهرباء لمعايير إلزامية للموثوقية تضعها مؤسسة موثوقية الكهرباء في أمريكا الشمالية (NERC)، وتدعمها آليات إنفاذ فعلية. وهذا التفاوت التنظيمي بين القطاعين ليس تفصيلًا ثانويًا؛ فهو يسهم في تحديد أين يختبر الخصم قدراته أولًا، وأي القطاعات تبدو له أقل كلفة وأكثر قابلية للاختراق.
ومن هنا تكتسب هذه التفرقة أهميتها. فاختبار إيران للبنية التحتية للمياه لا يقدم، في حد ذاته، دليلًا على عجزها عن الوصول إلى شبكة الكهرباء. لكنه يقدم مؤشرًا على أن البدء بقطاع المياه كان الخيار الأكثر عقلانية في ضوء التفاوت بين القطاعين في مستوى النضج الدفاعي. وبعبارة أخرى، قد يكشف اختيار الهدف عن سهولة اختراقه أكثر مما يكشف عن الحدود القصوى لقدرات المهاجم.
وإذا استمرت هذه الحملة، فإن الاختبار المنطقي التالي قد ينتقل إلى أي قطاع فرعي من البنية التحتية الحيوية يجمع بين عاملين: أنظمة تحكم قديمة متصلة بالإنترنت، وضعف المعايير الأمنية الإلزامية. ووفق هذا المعيار، تبرز الموانئ، وتعاونيات الكهرباء الأصغر حجمًا، ومنشآت معالجة مياه الصرف الصحي بوصفها أبرز القطاعات المرشحة لأن تكون ساحات الاختبار التالية.
ثالثًا، انخراط الدولة. في هذا البعد تحديدًا، يبدو أن السؤال أقرب إلى الإجابة منه إلى الافتراض. فمجموعة “CyberAv3ngers” ليست جماعة مستقلة من القراصنة الناشطين تصادف أن تتقاطع أهدافها مع مصالح طهران؛ بل هي مجموعة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومدرجة على قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، فيما تتبع الباحثون أساليب عملها عبر أربع مراحل متصاعدة من النشاط منذ عام 2020.
وهنا تبرز أهمية نموذج “واجهة القراصنة الناشطين”، الذي يتيح للدول تنفيذ عمليات سيبرانية مع الاحتفاظ بمساحة للإنكار. فالعلاقة تظل وثيقة بما يكفي للتأثير في اختيار الأهداف وتوقيت العمليات، لكنها تبقى في الوقت نفسه على مسافة تسمح بتجنب الوصول إلى درجة من اليقين في إسناد المسؤولية قد تفرض على الطرف المستهدف ردًا مباشرًا. ومن ثم، لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت الدولة منخرطة، بل ما إذا كانت طهران ستقرر مستقبلًا الانتقال من مساحة الإنكار إلى تبني عملية من هذا النوع رسميًا. وإذا حدث ذلك، فلن يكون مجرد إعلان للمسؤولية، بل سيشكل في حد ذاته إشارة إلى انتقال التصعيد إلى مستوى جديد، ومن ثم مؤشرًا جديرًا بالرصد.
رابعًا، الهجمات السيبرانية بديلًا عن الصواريخ. لا تستطيع إيران توجيه ضربة عسكرية إلى الأراضي الأمريكية من دون أن تخاطر بإشعال حرب، لكنها تستطيع، عبر الفضاء السيبراني، الوصول إلى مضخة مياه في مينيسوتا واختراقها. وكما وصف مسؤول سابق عن الأمن السيبراني في البيت الأبيض ما جرى، فإنه يبدو أشبه بـ”طلقة تحذيرية”، وهو تشبيه دقيق؛ فالطلقة التحذيرية، بحكم تعريفها، تستعرض القدرة على الوصول إلى الهدف من دون المضي إلى حد إحداث أثر فعلي فيه. وهنا يوفر الفضاء السيبراني لطهران تحديدًا ما لا تستطيع القوة التقليدية توفيره: إمكانية إنكار المسؤولية بصورة قابلة للتصديق، وآثارًا يمكن احتواؤها وعكسها، وتكلفة محدودة، فضلًا عن القدرة على الوصول مباشرة إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة.
لم يقع الاختيار على قطاع المياه لأنه الهدف الأفضل، بل لأنه الأسهل استهدافًا. ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: ما الذي يأتي بعده على قائمة الأهداف، وما حجم الضرر إذا نجح المهاجمون في الوصول إليه؟
شبكة الكهرباء. هنا يكمن السيناريو الأخطر، وهو ليس جديدًا. ففي عامي 2013 و2014، اخترق قراصنة إيرانيون أنظمة شركة الطاقة الأمريكية “Calpine“، التي تدير محطات لتوليد الكهرباء في 18 ولاية.
وخلال الاختراق، استولى القراصنة على كلمات مرور ومخططات هندسية تفصيلية لعشرات محطات توليد الكهرباء. وكانت هذه المخططات دقيقة إلى حد دفع خبراء إلى القول إن قراصنة يتمتعون بالمهارات اللازمة كان بإمكانهم استخدامها، إلى جانب أدوات أخرى، لقطع التيار الكهربائي عن ملايين المنازل.
لكنهم لم يمضوا إلى تلك الخطوة. ومع ذلك، كان الوصول إلى الأنظمة حقيقيًا، وهو ما يكشف أن قطاع المياه ليس المجال الوحيد الذي اختبر فيه قراصنة إيرانيون قدرتهم على اختراق البنية التحتية الأمريكية؛ فقد سبق أن امتد هذا النشاط إلى قطاع الكهرباء.
والأمر لا يقتصر على سوابق تعود إلى أكثر من عقد. ففي الوقت الراهن، يحذر تنبيه صادر عن وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية (CISA)، ويتناول هذه المجموعة تحديدًا، بوضوح من استهدافها عدة قطاعات أمريكية في الوقت نفسه، ويأتي قطاع الطاقة ضمن هذه القطاعات، لا المياه وحدها.
ومن ثم، فنحن لا نتحدث هنا عن احتمال نظري. فالاستهداف قائم بالفعل، وإن كان يجري بهدوء بعيدًا عن الأضواء، في الوقت الذي تستحوذ فيه الهجمات على قطاع المياه على عناوين الأخبار. وإذا تمكنت إيران في مرحلة ما من إحداث انقطاع فعلي للتيار الكهربائي، فستكون التداعيات أكبر بكثير من أي أضرار نجمت حتى الآن عن الهجمات السيبرانية على قطاع المياه.
وتناولت دراسة معروفة أعدتها “لويدز أوف لندن” وجامعة كامبريدج سيناريو تنجح فيه برمجيات خبيثة في تعطيل جزء كبير من شبكة الكهرباء على الساحل الشرقي للولايات المتحدة. وقدّرت الدراسة أن هجومًا سيبرانيًا يتسبب في انقطاع الكهرباء وإلحاق أضرار بالبنية التحتية لقطاع الطاقة قد يكلف الاقتصاد الأمريكي ما يصل إلى تريليون دولار في أسوأ السيناريوهات.
وحتى في صورة أقل حدة وأكثر ترجيحًا من هذا السيناريو، قد يؤدي هجوم موجه إلى انقطاع الكهرباء عن 15 ولاية ونحو 93 مليون شخص، في نطاق يمتد من مدينة نيويورك إلى واشنطن العاصمة، مع خسائر اقتصادية إجمالية تتراوح بين 243 مليار دولار وتريليون دولار. غير أن التداعيات لا تُقاس بالخسائر الاقتصادية وحدها.
فالتقرير نفسه يحذر من أن سيناريو كهذا قد يفضي إلى تعطل أنظمة الصحة والسلامة، وتباطؤ حركة التجارة مع توقف الموانئ عن العمل، واضطراب إمدادات المياه نتيجة توقف المضخات الكهربائية، فضلًا عن إصابة حركة النقل بالفوضى. ومع ذلك، ومن باب وضع هذه المخاطر في سياقها الواقعي، لا يرى أحد أن إيران تقترب في الوقت الراهن من امتلاك القدرة على تنفيذ هجوم بهذا الحجم.
ويرى خبراء متخصصون في شبكة الكهرباء الأمريكية أن هجومًا شاملًا بهذا الحجم، على غرار سيناريو “Business Blackout“، لا يزال في نطاق السيناريوهات الافتراضية، وليس عملية يسهل تنفيذها على أرض الواقع. فهجوم من هذا النوع يتطلب شهورًا من التخطيط، فضلًا عن مستوى محدد من النفاذ التقني إلى الأنظمة المستهدفة لا يتوافر لمعظم مجموعات القرصنة.
وتظل واقعة اختراق شركة “Calpine” عام 2013 أوضح مؤشر عملي يمكن الاستناد إليه في تقدير هذه القدرة. فحتى في تلك الواقعة، امتلكت إيران ما يشبه خريطة تفصيلية للأنظمة المستهدفة، لكنها لم تستخدمها لتنفيذ الهجوم. ومنذ ذلك الحين، ظلت الفجوة قائمة لأكثر من عقد بين “النجاح في الوصول” إلى الأنظمة و”الانتقال إلى التنفيذ الفعلي“. وهذه هي النقطة الأهم: المسألة ليست أن إيران عاجزة عن الوصول إلى شبكة الكهرباء، بل إنها، حتى الآن، اختارت ألا تمضي بهذا الوصول إلى مداه، وألا تنتقل من اختراق الأنظمة إلى استخدامها لإحداث تعطيل فعلي.
خطوط الأنابيب وإمدادات الوقود. يُعد هذا القطاع هدفًا أقل تحصينًا من شبكة الكهرباء، في ظل تقادم جانب كبير من البنية التحتية لخطوط الأنابيب. فنحو نصف خطوط أنابيب النفط والغاز في الولايات المتحدة يتجاوز عمرها 50 عامًا، فيما يزيد عمر قرابة 75% من خطوط النقل على 25 عامًا. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا منها أُنشئ قبل أن يدخل الأمن السيبراني أصلًا ضمن اعتبارات تصميم هذه الأنظمة، ولا يزال كثير منها يعتمد على برمجيات متقادمة.
وحتى الآن، لم تُربط إيران علنًا بأي هجوم على خطوط الأنابيب داخل الولايات المتحدة. لكن مواطن الضعف التي أثبت القراصنة المرتبطون بها قدرتهم على استغلالها بالفعل في قطاع المياه، ولا سيما الأنظمة القديمة والبسيطة المتصلة بالإنترنت، هي من النوع نفسه الموجود أيضًا في شبكات خطوط الأنابيب.
أهداف محتملة أخرى. سبق أن أظهرت إيران، خارج الولايات المتحدة، استعدادها لإحداث أضرار فعلية ومتعمدة عندما تختار التصعيد. ففي عام 2012، أدى هجوم عُرف باسم “شمعون” إلى محو بيانات 35 ألف جهاز كمبيوتر في شركة النفط السعودية المملوكة للدولة.
وتكشف هذه السابقة أن خيار التخريب المتعمد حاضر بالفعل ضمن أنماط السلوك السيبراني الإيراني. أما داخل الولايات المتحدة، فقد سبق لقراصنة مرتبطين بإيران أن استهدفوا بنوكًا وسوق الأوراق المالية، وإن لم تسفر تلك الهجمات عن أضرار دائمة.
وفي الآونة الأخيرة، برزت الموانئ وقطاع الشحن بوصفهما مصدرًا جديدًا للقلق؛ إذ يعتمدان على النوع نفسه من أنظمة التحكم القديمة والمتصلة بالإنترنت المستخدمة في قطاعي المياه وخطوط الأنابيب. ومن شأن أي تعطيل واسع النطاق لهذه الأنظمة أن يبطئ حركة التجارة، على نحو مماثل لما تصفه دراسة “لويدز”.
وعليه، تخلص القراءة إلى أن إيران سبق أن وصلت بالفعل إلى شبكة الكهرباء الأمريكية في محاولة جدية، فيما تشير التحذيرات الحالية الصادرة عن الحكومة الأمريكية إلى أن القراصنة المرتبطين بها يختبرون أنظمة قطاع الطاقة بصورة نشطة في الوقت الراهن، بالتوازي مع الهجمات على قطاع المياه.
وإذا مضت إيران يومًا إلى أبعد من ذلك وتمكنت من إحداث انقطاع فعلي للتيار الكهربائي، فقد تُقاس الخسائر بمئات المليارات من الدولارات، فيما ستمتد التداعيات إلى قطاعات المياه والنقل والصحة أيضًا. وعندئذ، سيكون حجم الأثر أكبر بكثير من أي شيء شهدته هذه الهجمات حتى الآن.
غير أن وصول إيران فعليًا إلى شبكة الكهرباء قبل أكثر من عقد، من دون أن تستخدم هذا الوصول حتى الآن لإحداث انقطاع في التيار، يكشف عن دلالة لا تقل أهمية عن القدرة نفسها: فقد تكون المسألة أقرب إلى اختيار طهران عدم تجاوز هذه العتبة حتى الآن، منها إلى عجزها عن تجاوزها.
Cybersecurity and Infrastructure Security Agency (CISA). “IRGC-Affiliated Cyber Actors Exploit PLCs in Multiple Sectors, Including US Water and Wastewater Systems Facilities.” CISA.gov. 2023. https://www.cisa.gov/news-events/cybersecurity-advisories/aa23-335a.
Cybersecurity and Infrastructure Security Agency (CISA). “Iranian-Affiliated Cyber Actors Exploit Programmable Logic Controllers Across US Critical Infrastructure.” CISA.gov. 2026. https://www.cisa.gov/news-events/cybersecurity-advisories/aa26-097a.
Council on Foreign Relations. “A Cyberattack on the U.S. Power Grid.” CFR.org. Accessed August 18, 2026. https://www.cfr.org/reports/cyberattack-us-power-grid.
Cybersecurity Dive. “CISA, FBI Warn That Iran-Linked Hackers Are Expanding Target Set for Water, Energy.” CybersecurityDive.com. 2026. https://www.cybersecuritydive.com/news/cisa-fbi-iran-hackers-target-water-energy/826025/.
Environmental Protection Agency (EPA). “EPA, FBI, CISA, NSA Issue Joint Cybersecurity Advisory to Water System Regarding Iranian-Affiliated Cyber Attacks.” EPA.gov. April 7, 2026. https://www.epa.gov/newsreleases/epa-fbi-cisa-nsa-issue-joint-cybersecurity-advisory-water-system-regarding-iranian.
TIME. “What to Know About the U.S. Water Systems Cyberattacks.” Time.com. August 2, 2026. https://time.com/article/2026/08/02/what-to-know-about-the-u-s-water-systems-cyberattacks/.
Tripwire. “Cyber Attack on the U.S. Power Grid Could Cost Economy More Than $1 Trillion, Report Says.” Tripwire.com. Accessed August 18, 2026. https://www.tripwire.com/state-of-security/cyber-attack-on-the-u-s-power-grid-could-cost-economy-more-than-1-trillion-report-says.
تعليقات