تغيرت الطبيعة الأساسية لحروب الجوفضائية الحديثة تغيراً جذرياً ونهائياً؛ فـقد تحولت الجيوش من استخدام الأسلحة المتقدمة والمكلفة، إلى الاعتماد على الاستنزاف الصناعي والأسلحة الرخيصة التي تُنتج بكميات ضخمة، وقد ظهر هذا الواقع العملياتي بوضوح في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦، وذلك بالتزامن مع بدء القوات الأمريكية لعملية "الغضب الملحمي"، وتنفيذ الجيش الإسرائيلي لعملية "الأسد الهادر" الموازية لها.
بسبب انهيار المفاوضات النووية، أطلق التحالف العسكري حملة استباقية واسعة النطاق. ومن ثَمَّ، حشد التحالف قوة جوفضائية هائلة، فـقصف أكثر من ألف هدف استراتيجي داخل الأراضي الإيرانية خلال ال ٢٤ساعة الأولى. أمَّا القوات الأمريكية فـقد نفذت بمفردها أكثر من ٩٠٠ ضربة دقيقة في أول ١٢ ساعة، مستخدمةً قاذفات التخفي، والمقاتلات البحرية، وصواريخ كروز. ثُمَّ ارتفع عدد الضربات ليتجاوز ١٢٥٠ضربة موجهة خلال ٤٨ ساعة. وفي الوقت نفسه، نفذت القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من ٧٠٠طلعة جوية في اليوم الأول، وألقت أكثر من ١٢٠٠ قذيفة، لكي تحقق نجاحات تكتيكية فورية وتفرض سيطرتها الجوية.
على الرغم من هذا الهجوم المكثف، إلا أنَّ الرد الفوري والمستمر من جانب الحرس الثوري الإيراني، عبر عملية "الوعد الصادق ٤"، فرض ضغطاً كبيراً ومستمراً على منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للولايات المُتحدة وإسرائيل. فـخلال أول ٤٨ ساعة من النزاع، أطلقت إيران حوالي ٤٢٠ صاروخاً باليستيًا متوسط المدى لاستهداف إسرائيل بالإضافة لعدة دول أخرى في المنطقة. ولم يقتصر الهجوم على ذلك، بَل رافقه إطلاق أعداد هائلة من الطائرات المسيرة الهجومية، اسقطت إسرائيل الغالبية العظمى منها مُستنفذةً آلاف الصواريخ الاعتراضية من منظومات الدفاع الجوي.
كشف هذا الاستهلاك السريع للصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة -التي تكلف ملايين الدولارات- في مواجهة أسلحة معادية رخيصة الثمن وكثيرة العدد، عن ضعف واضح في خطوط الإمداد العسكرية المعاصرة، ونظرًا لـعدم قدرة قطاع الصناعات الدفاعية العالمي على تعويض هذه الأسلحة المتقدمة بنفس سرعة استهلاكها في المعارك، فـإن كلا الطرفين يواجهان خطر نفاد المخزون العسكري قريباً. بناءً على ذلك، إذا أراد أي طرف مواصلة الحرب وتحقيق نصر استراتيجي حاسم، فـمن الضروري استبدال هذه الأسلحة المتقدمة والمكلفة ببدائل أخرى رخيصة يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة، أي يجب تغيير العقيدة العسكرية للتركيز على الكثافة العددية والقدرة على تحمل الاستنزاف المستمر.