تسعى أوروبا إلى تقليص اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة، لكن شراء الأسلحة من موردين آخرين لا يضمن لها استقلالًا دفاعيًا أكبر. فقد تتغير الدول التي تبيعها السلاح، بينما تظل قدرتها على تحديثه وصيانته ودمجه في منظوماتها مرهونة بموافقة خارجية أو دعم تقني أجنبي. وهنا يبرز التحدي الأهم: إلى أي مدى يمنح امتلاك السلاح حرية التحكم في قدراته وتطويره؟

 

ويكشف اتفاق «درع أخيل» بين اليونان وإسرائيل أبعاد هذا التحدي. فالاتفاق، الذي تبلغ قيمته 3 مليارات يورو، يستهدف إنشاء شبكة يونانية متعددة الطبقات للدفاع الجوي والصاروخي، تضم أنظمة إسرائيلية ضمن بنية للقيادة والسيطرة تخضع للسيطرة اليونانية. غير أن الجدل حول إتاحة الشفرة المصدرية لهذه الأنظمة أثار تساؤلات عن حدود السيطرة التي ستمتلكها أثينا فعليًا. وهو جدل يتجاوز الصفقة نفسها ليطرح سؤالًا أوسع: هل تستطيع أوروبا بناء دفاع مستقل إذا ظلت التقنيات الحيوية التي يعتمد عليها خارج سيطرتها؟

ما الذي ستسيطر عليه اليونان في منظومة «درع أخيل»؟

تعود أهمية الخلاف إلى الموقف الذي أعلنته أثينا قبل إبرام الاتفاق. فقد أكد وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس أن بلاده لا ينبغي أن تقتني أنظمة دفاعية من دون إتاحة الوصول إلى شفرتها المصدرية، إلا في حالات محددة بدقة. وربط السيطرة على برمجيات القيادة والسيطرة بالسيادة الوطنية والأمن القومي، باعتبارها عاملًا يحدد قدرة اليونان على إدارة دفاعاتها وتطويرها وفق احتياجاتها.

 

لكن تصريحات أعقبت توقيع الاتفاق أثارت الشكوك بشأن ترجمة هذا الموقف إلى ترتيبات عملية. فعندما سُئل موشيه باتيل، مدير منظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية وأحد المسؤولين المشاركين في البرنامج، عما إذا كانت اليونان ستحصل على الشفرة المصدرية المرتبطة بقدرات القيادة والسيطرة في «درع أخيل»، أجاب بالنفي. وأوضح أن الترخيص الممنوح لأثينا لا يشمل الشفرة نفسها، وإن كانت إسرائيل ستوفر الصيانة والمساعدة والدعم الفني. وقد بدت هذه الإجابة متعارضة مع موقف ديندياس، وأثارت جدلًا داخل اليونان.

 

وأظهرت التوضيحات اللاحقة من الجانبين أن الاتفاق يميز بين برمجيات الأنظمة الإسرائيلية وبرمجيات الشبكة التي ستربطها. فلن تحصل اليونان على الشفرة المصدرية المملوكة لإسرائيل داخل أنظمتها. وفي المقابل، يُنتظر أن تطور شركات يونانية الشفرة المصدرية للبنية المركزية للقيادة والسيطرة، بمساعدة تكنولوجية إسرائيلية، وأن تبقى البرمجيات الناتجة تحت السيطرة اليونانية وتُكيَّف مع متطلبات القوات المسلحة. وقد أكد رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس لاحقًا أن شركات يونانية ستتولى تطوير هذه البرمجيات بمساعدة إسرائيلية. ويخفف هذا الترتيب التعارض الظاهري بين التصريحات، لكنه لا يمنح أثينا بالضرورة سيطرة كاملة على جميع التقنيات التي تضمها الشبكة.

 

فقد تتمكن اليونان من إدارة البرمجيات التي تنسق عمل المنظومات وتبادل المعلومات بينها، مع استمرار اعتمادها على إسرائيل في تعديل البرمجيات داخل كل نظام إسرائيلي. ولفهم أهمية هذا الفارق، فإن الشفرة المصدرية هي التعليمات البرمجية المقروءة للبشر التي تحدد كيفية عمل البرنامج. وفي الأنظمة العسكرية الحديثة، تؤثر هذه التعليمات في معالجة معلومات المستشعرات، والتعرف على التهديدات وترتيب أولوياتها، وتبادل البيانات وربط الأسلحة بشبكة القيادة والسيطرة. ولذلك، فإن السيطرة على البنية المركزية للشبكة تختلف عن امتلاك القدرة على تعديل كل مكون من مكوناتها.

 

كيف يؤثر الاعتماد على البرمجيات في القدرة العسكرية؟

وتظهر أهمية هذا التمييز عندما ترغب الدولة في إضافة قدرات جديدة إلى سلاح مستورد. فدمج صاروخ محلي أو مستشعر أو نظام استهداف جديد قد يتطلب تعديل برمجيات المنصة كي تتمكن الأنظمة المختلفة من التواصل والعمل معًا. وإذا لم تمتلك الدولة صلاحيات الوصول اللازمة، فقد تعتمد على الشركة المصنّعة لإجراء الدمج. ولا يعني ذلك استحالة استخدام المعدات الجديدة، لكنه قد يجعل تطوير قدرات السلاح مرتبطًا بمساعدة المورد الأصلي.

 

وتبرز المشكلة أيضًا عند التكيف مع تغير التهديدات. فأنظمة الرادار والحرب الإلكترونية تحتاج إلى تحديث مكتبات التهديدات وبيانات المهام لمواكبة ما يستحدثه الخصوم من منصات وترددات ومستشعرات وتكتيكات. وإذا لم تستطع الدولة إجراء التعديلات اللازمة بصورة مستقلة، فقد تحتاج إلى المورد لتطوير التحديثات وتوفيرها. وفي صراع تتسارع فيه التطورات، قد يؤثر توقيت الحصول على هذا الدعم في قدرة القوات على الاستجابة.

 

ويشمل الاعتماد التقني كذلك تشخيص الأعطال والصيانة. فقد يحد غياب الوصول إلى أجزاء حيوية من البرمجيات من قدرة الدولة على تحديد أسباب الخلل، أو تغيير طريقة عمل المنظومة، أو تطوير حلول عند تعذر دعم المورد. ولا يعني ذلك أن المورد يمتلك تلقائيًا وسيلة لتعطيل السلاح أو التحكم فيه عن بُعد؛ فهذه مسألة مختلفة لا يثبتها مجرد الاعتماد على برمجيات أجنبية. المقصود أن بعض القرارات التقنية اللازمة لاستمرار التشغيل والتطوير قد تظل مرتبطة بجهة خارجية.

 

ويقدم برنامج مقاتلات F-35 مثالًا على سعي الدول إلى تقليص هذا النوع من الاعتماد، حتى في علاقاتها مع حلفاء وثيقين. فالمملكة المتحدة، رغم كونها شريكًا رئيسيًا في البرنامج، استثمرت في ترتيبات لحماية ما تصفه وزارة دفاعها بـ«حرية التصرف». ومن بينها مختبر إعادة البرمجة المشترك بين أستراليا وكندا والمملكة المتحدة، الذي يتيح للدول المشاركة إعداد بيانات المهام وإدارتها وفق احتياجاتها العملياتية. وقد أشار مكتب التدقيق الوطني البريطاني إلى أهمية هذه القدرات في تمكين بريطانيا من استخدام المقاتلات بما يلائم متطلباتها.

 

وتوضح هذه التجربة أن السيادة التكنولوجية لا تستلزم بالضرورة امتلاك كل سطر من الشفرة المصدرية. فقد تتحقق درجة مهمة من الاستقلال عبر ضمان السيطرة على بيانات المهام وإعادة البرمجة والصيانة والطبقات الحيوية من البرمجيات. ويظل المعيار هو ما تتيحه هذه الترتيبات من قدرة فعلية على تكييف المنظومة وتطويرها، ومدى الحاجة إلى الرجوع للمورد عند إجراء تعديل جوهري.

 

وتبرز المقارنة بين مقاتلات F-16 وJF-17 في باكستان أثر المشاركة في التطوير على حرية التعديل. فأسطول F-16 الباكستاني يضم تقنيات حساسة تخضع للسيطرة الأمريكية، تشمل عناصر من حاسوب المهام والرادار والحرب الإلكترونية والاتصالات. وتحد ضوابط التصدير والقيود الأمنية الأمريكية من قدرة باكستان على إدخال تعديلات مستقلة على البنية الأساسية لهذه الأنظمة.

 

أما JF-17، التي طُورت بالشراكة بين باكستان والصين، فقد أتاحت لإسلام آباد مشاركة أوسع في الإنتاج والصيانة ودمج الأنظمة. وتمكنت باكستان لاحقًا من دمج أسلحة مطورة محليًا وأنظمة أخرى في المقاتلة، بما يعكس هامشًا أكبر لتكييفها مع احتياجاتها. ولا تعني هذه المشاركة امتلاك سيطرة مطلقة على جميع مكوناتها، إذ لا يزال العديد منها يعتمد على تقنيات أجنبية. لكنها توضح أن دور الدولة في تطوير المنصة قد يمنحها حرية أكبر في تعديلها، مقارنة بمنصة تظل تقنياتها الأساسية خاضعة لضوابط المورد.

هل يقلل تنويع الموردين اعتماد أوروبا على الخارج؟

تكشف الحالة اليونانية عن تحدٍّ يواجه أوروبا على نطاق أوسع. فالدول الأوروبية تزيد إنفاقها الدفاعي استجابة للحرب في أوكرانيا وعدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات الأمنية عبر الأطلسي، لكن أثر هذه الزيادة على استقلالها يتوقف على كيفية توجيهها. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14% ليصل إلى نحو 864 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي إنفاق الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي 559 مليار دولار. وقد يتيح هذا الإنفاق اقتناء مزيد من الأسلحة من دون أن يمنح الدول المشترية سيطرة أكبر على تقنياتها.

 

وتوضح بيانات المشتريات حجم الاعتماد القائم. فخلال الفترة من 2021 إلى 2025، ارتفعت واردات الدول الأوروبية من الأسلحة إلى أكثر من ثلاثة أمثالها، لتصبح أوروبا أكبر منطقة مستوردة للأسلحة في العالم. وجاء قرابة نصف الواردات من الولايات المتحدة، فيما كانت كوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا وإسرائيل من أبرز الموردين الآخرين. وبالنسبة للدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، بلغت حصة الولايات المتحدة 58% من وارداتها خلال الفترة نفسها، تلتها كوريا الجنوبية بنسبة 8.6%، وإسرائيل بنسبة 7.7%، وفرنسا بنسبة 7.4%. كما ارتفعت واردات هذه الدول من إسرائيل بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، وعززت كوريا الجنوبية موقعها بفضل سرعة التسليم نسبيًا وترتيبات إشراك الصناعات الدفاعية الوطنية. وتعكس هذه الاتجاهات تنوعًا أكبر في مصادر التسليح، مع استمرار الدور الواسع للموردين من خارج القارة.

 

يمكن لهذا التنويع أن يحد من مخاطر الاعتماد المفرط على دولة واحدة، وأن يوسع خيارات أوروبا عند اضطراب الإمدادات. لكنه لا يعالج بالضرورة القيود التكنولوجية المرتبطة بالسلاح المستورد. فقد يظل تشغيل المنظومة وتطويرها معتمدًا على الخارج عبر البرمجيات أو المكونات أو الصيانة أو التحديثات أو الذخائر أو البيانات التقنية وحقوق الملكية الفكرية. ولذلك، ينبغي التمييز بين القدرة على الاختيار بين موردين متعددين، والقدرة على استخدام السلاح وصيانته وتعديله باستقلال عن قراراتهم وقيودهم.

 

وتعكس التوجهات الأوروبية اهتمامًا بمعالجة جانبي المشكلة. فالكتاب الأبيض للمفوضية الأوروبية بشأن الدفاع يضع تقليص أوجه الاعتماد وضمان أمن الإمدادات ضمن أولوياته، إلى جانب تنويع مصادر التوريد وتطوير بدائل أوروبية. كما تحدد «خارطة طريق الجاهزية» اللاحقة هدفًا سياسيًا لتوجيه ما لا يقل عن 55% من الاستثمارات الدفاعية إلى مشتريات من القاعدة التكنولوجية والصناعية للدفاع الأوروبي. ويعني ذلك أن أوروبا تسعى إلى توسيع خياراتها الخارجية بالتوازي مع تعزيز قدراتها الذاتية. غير أن تنويع الإمدادات يحسن قدرتها على مواجهة تعطل مورد بعينه، بينما يتطلب تقليص الاعتماد التكنولوجي سيطرة وطنية أو أوروبية مشتركة فعلية على التقنيات الحيوية.

 

وتوضح منظومة «درع أخيل» لماذا لا تكفي السيطرة على بعض أجزاء الشبكة لضمان استقلالها بالكامل. فقد تحصل اليونان على سيطرة أوسع على القيادة والسيطرة، وتظل معتمدة على تقنيات أجنبية داخل الأنظمة المرتبطة بها. وإذا اتسع هذا النموذج في أوروبا، فقد تتوزع قيود الاعتماد بين دول وموردين متعددين: جهة توفر الأنظمة الصاروخية، وأخرى الطائرات، وثالثة الرادارات، وجهات أخرى المكونات والبرمجيات وبيانات التكامل. وعندها لن تكون المشكلة مجرد انتقال من الاعتماد على الولايات المتحدة إلى الاعتماد على إسرائيل أو كوريا الجنوبية أو تركيا، بل احتمال تشكل شبكة من أوجه الاعتماد يصعب التعامل مع كل منها بمعزل عن الأخرى.

 

وتزداد أهمية هذه القيود لأن أنظمة التسليح تبقى في الخدمة لعقود. فبعد الشراء، تحتاج إلى قطع غيار وذخائر وتحديثات برمجية وخبرات فنية وبنية للصيانة، فضلًا عن القدرة على دمج تقنيات جديدة. وإذا تعذر توفير هذه الوظائف بصورة مستقلة، فقد تتأثر الجاهزية بقرارات تتخذ خارج الدولة المشترية. كما أن الجيوش الحديثة تحتاج إلى ربط الدفاع الجوي والمقاتلات والمسيّرات والرادارات والأقمار الصناعية وشبكات القيادة والسيطرة. وخضوع كل عنصر لقيود مختلفة على البرمجيات والبيانات والملكية الفكرية قد يجعل دمجها وتبادل المعلومات بينها تحديًا إضافيًا. وهكذا، قد يمتد الاعتماد من صيانة كل منظومة إلى ضمان عمل المنظومات معًا.

 

كيف يتحول تنويع التسليح إلى استقلال دفاعي؟

بناءً على ذلك، لا يمكن قياس الاستقلال الدفاعي الأوروبي بعدد الموردين أو بحجم المشتريات من خارج الولايات المتحدة. الأهم هو مقدار السيطرة التي تمتلكها الدول الأوروبية على التقنيات والقدرات الصناعية اللازمة لتشغيل أسلحتها وصيانتها وتعديلها وتطويرها طوال فترة خدمتها. ولا يقتضي ذلك إنتاج كل سلاح محليًا؛ فالاكتفاء التكنولوجي الكامل صعب ومكلف، وقد لا يكون الخيار الأكثر كفاءة، وستظل الشراكات الدولية ضرورية. لكن على أوروبا أن تحدد القدرات التي لا تستطيع تحمل اعتمادها الكامل على الخارج، وأن تضمن الاحتفاظ بسيطرة كافية عليها. وهذا ما يبرزه اتفاق «درع أخيل»: تنويع مصادر السلاح قد يقلل مخاطر الاعتماد على مورد واحد، لكنه لا يحقق الاستقلال ما لم يصاحبه توسع فعلي في حرية تشغيل السلاح وتطويره.

المراجع

Defense Update. “Achilles Shield.” Defense Update, August 30, 2026. https://defense-update.com/20260830_achilles-shield.html

 

Geist Pinfold, Rob. “Why Greece Is Betting on Israel’s Achilles Shield.” Al Jazeera, September 2, 2026. https://www.aljazeera.com/opinions/2026/9/2/why-greece-is-betting-on-israels-achilles-shield

 

POLITICO. “Greece-Israel ‘Achilles Shield’: Source Code for Air Defense.” POLITICO Europe, 2026. https://www.politico.eu/article/greece-israel-achilles-shield-source-code-air-defense/

 

POLITICO. “Israel, Greece Strike $3B Air Defense Deal.” POLITICO Europe, 2026. https://www.politico.eu/article/israel-greece-strike-3b-air-defense-deal/

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *