كيف تعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشكيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026
البرامج البحثية

كيف تعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشكيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026

دخلت الولايات المتحدة، في السابع من مارس 2026، أسبوعها الثاني من حملتها العسكرية المشتركة ضد إيران، بعد إطلاق عملية "الغضب الملحمي" بالتنسيق مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير. وخلال أيام معدودة، انزلق الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق، تمثلت أبرز معالمها في مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وما تبع ذلك من ضربات إيرانية انتقامية طالت مناطق مختلفة من الخليج، إلى جانب اتساع دائرة الانخراط الإقليمي في مسار التصعيد، من البحرين إلى لبنان. وجاءت هذه الحرب بالنسبة إلى الحزب الجمهوري في توقيت بالغ الحساسية، وفي لحظة كانت تتسم أصلًا بدرجة مرتفعة من الهشاشة السياسية. فقبل اندلاع الصراع، كانت البيئة الانتخابية تميل بالفعل بوضوح ضد الحزب، تحت ضغط مجموعة من العوامل الهيكلية الملازمة عادةً لانتخابات التجديد النصفي، وفي مقدمتها التراجع التقليدي في شعبية الرئيس القائم، وانخفاض مستويات التأييد العام، وتصاعد التململ داخل الائتلاف الانتخابي الداعم له. وقد وضعت هذه المعطيات الجمهوريين في موقع دفاعي متزايد، حتى قبل أن تضيف الحرب أعباءها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى المشهد. وفي هذا السياق، جاء اندلاع حرب كبرى تفتقر إلى قبول شعبي واسع ليضاعف من حدة هذه الهشاشة ويعمّق آثارها. وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال الذي يواجه الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات نوفمبر يتمحور حول ما إذا كان سيفقد مقاعد في الكونجرس، بل حول حجم الخسائر التي قد يتكبدها في ظل بيئة انتخابية تتزايد فيها الضغوط السياسية وتتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية بصورة أكثر تعقيدًا.
الذكاء الاصطناعي في الحروب: ما الذي تكشفه حرب إيران عن خوارزميات البنتاجون
البرامج البحثية

الذكاء الاصطناعي في الحروب: ما الذي تكشفه حرب إيران عن خوارزميات البنتاجون

في 28 فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة ضد إيران، استهدفت أكثر من 900 موقع خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. ولا يزال الصراع مستمرًا، مع تواصل الضربات في مختلف أنحاء البلاد، وتزايد مؤشرات اختلال الاستقرار الإقليمي بوتيرة متسارعة. غير أن هذا التصعيد لا يقتصر على الأدوات القتالية التقليدية، بل يكشف، في موازاته، عن تحول نوعي في أنماط إدارة العمليات العسكرية، يتمثل في الدور المتنامي للخوارزميات والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في توجيه مسار الحرب وإعادة تشكيل معادلاتها العملياتية.   لقد تحوّل الذكاء الاصطناعي، وهو التكنولوجيا ذاتها التي يستخدمها ملايين الأفراد يوميًا في صياغة الرسائل الإلكترونية أو تلخيص الوثائق، إلى أداة محورية ضمن بنية القوة العسكرية الفتاكة. إذ جرى دمج نموذج "Claude" الذي تطوره شركة "Anthropic" في منظومة الاستهداف والتحليل الاستخباراتي التابعة للبنتاغون، حيث يعالج صور الأقمار الصناعية والاتصالات المعترضة والبيانات العملياتية، بما يدعم قرارات القادة العسكريين بشأن تحديد الأهداف ومواقعها وتوقيت تنفيذ الضربات.   ما كان يتطلب في السابق أيامًا من التحليل البشري بات يُنجز خلال ساعات أو حتى دقائق، بما يفرض وتيرة عملياتية لم يكن بوسع أي جيل سابق من المخططين العسكريين مجاراتها. ورغم حضور الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال سابقًا، من خلال أنظمة توجيه الطائرات المسيّرة وتحليل صور الأقمار الصناعية، فإن الصراع مع إيران يمثل حتى الآن أوسع توظيف وأكثره تأثيرًا لهذه التكنولوجيا، في حين لا تزال التداعيات الكاملة لهذا المستوى من الانتشار قيد التشكّل.
حرب بلا حسم: معضلة التعامل مع النظام الإيراني
البرامج البحثية

حرب بلا حسم: معضلة التعامل مع النظام الإيراني

في الثاني من مارس 2026، أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب مواربًا أمام احتمال الدفع بقوات برية إلى داخل إيران إذا ما فرضت تطورات الميدان ذلك. غير أنّ هذا الطرح يتجاهل ما ينطوي عليه هذا الخيار من كلفة استراتيجية باهظة، في ضوء الامتداد الجغرافي الشاسع لإيران وتعقيد بنيتها العسكرية وتشابك منظوماتها الدفاعية. وتشير الحسابات الاستراتيجية إلى أن أي تدخل بري أميركي لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل مغامرة عالية المخاطر قد تفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة، بما قد يعرّض القوات الأميركية لخسائر جسيمة من دون ضمان تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي قد تُرسم لها في واشنطن.   في المقابل، اتسم موقف ترامب، في مجمله، بنزعة واضحة نحو تجنب الانخراط في حروب برية واسعة النطاق. فعلى الرغم من إجازته تنفيذ عمليات عسكرية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك ضربات جوية استهدفت إيران ودولًا أخرى، ظل نهجه يميل إلى استخدام القوة بصورة محدودة ومحسوبة، مع الاعتماد أساسًا على التفوق الجوي والعمليات الخاصة بدلًا من الدفع بعشرات الآلاف من الجنود إلى ساحات قتال مفتوحة قد تفرض عليه كلفة سياسية وعسكرية يصعب احتواؤها. ويرتبط هذا التوجه برؤية أوسع لدى ترامب لطبيعة الصراعات المسلحة؛ إذ ينظر إلى النزاعات الممتدة والمشحونة بالفوضى بوصفها ساحات يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، وغالبًا ما تنتهي بنتائج يصعب التنبؤ بها أو التحكم في مساراتها. فالعمليات البرية الواسعة لا تفتح فقط الباب أمام اضطرابات طويلة الأمد، بل تجعل أيضًا تقدير تداعياتها الاستراتيجية أمرًا بالغ التعقيد. ولهذا لم يُظهر ترامب، خلال ولايته الأولى ولا في بدايات ولايته الثانية، ميلًا واضحًا إلى الزج بأعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية في الخارج.   إضافةً إلى ذلك، يدرك كلٌّ من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن فرض تغيير جذري للنظام في طهران يمثل واحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية الممكن تصورها. فالبنية السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية تتسم بتماسك مؤسسي واضح، ولا تقوم على حكم شخصاني فحسب، بل ترتكز إلى منظومة عقائدية ودينية متجذرة حافظت على استمراريتها منذ قيام النظام عام 1979. وعلى هذا الأساس، تنطلق المقاربة الحالية من مزيج من الضغط العسكري المتدرج وأدوات أخرى تستهدف إنهاك النظام وإضعافه بمرور الوقت، من دون ضمان بأن يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى انهياره أو تقويض ركائزه الأساسية.
الخليج وإعادة تشكيل سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة
البرامج البحثية

الخليج وإعادة تشكيل سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة

تُعدّ الصين الفاعل المهيمن في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بما يرسّخ موقعها في صلب واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحلول عام 2025، كانت تسيطر على "نحو 61% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة و92% من عمليات معالجتها"، وهو ما يعكس تركيزًا ملحوظًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الموارد الاستراتيجية. وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول وقوى اقتصادية عدة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في هذا القطاع، سعيًا إلى تقليص اعتمادها على الصين، سواء في المواد الخام أو المنتجات المعالجة. وفي هذا السياق، كثّفت دول مجلس التعاون الخليجي، انسجامًا مع رؤاها الوطنية لعام 2030، استثماراتها في استخراج هذه العناصر ومعالجتها، في مسعى إلى تنويع قواعدها الاقتصادية وتعزيز حضورها في سوق ما تزال الصين تمسك بمفاصله الرئيسية. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقييم فرص صعود الخليج كمورّد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، من خلال تحليل دوافع هذا التوجه، ومدى قابليته للتحقق، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه دول المجلس في مسار الانخراط في هذا السوق الاستراتيجي.
جرينلاد: معضلة الضعف الأوروبي في مواجهة الجموح الأمريكي
البرامج البحثية

جرينلاد: معضلة الضعف الأوروبي في مواجهة الجموح الأمريكي

"نحتاج إليها من أجل الدفاع." بهذه العبارة المقتضبة أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع جرينلاند في مقدمة النقاشات الجيوسياسية، مُقدّمًا الجزيرة بوصفها عنصرًا متقدّمًا في حسابات الأمن القومي الأميركي. فمنذ عقود، منح الموقع الاستراتيجي لجرينلاند في قلب القطب الشمالي، إلى جانب احتياطياتها الكبيرة من المعادن الحيوية، الجزيرة وزنًا جيوسياسيًا لافتًا. غير أنّ خطاب ترامب لم يقتصر على إعادة إحياء هذا الاهتمام، بل أضفى على الجزيرة بعدًا رمزيًا يعكس طموحات أميركية تتجاوز الأطر التقليدية للمنافسة الدولية. وقد دفع هذا الطرح قادة سبع دول من أعضاء حلف شمال الأطلسي إلى إصدار بيان مشترك نادر، أعلنوا فيه رفضهم الصريح لأي محاولة لضمّ جرينلاند، التي تُعد إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.   وتزامنًا مع التحركات الأميركية في مناطق أخرى، بما في ذلك السعي لإزاحة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو والتهديد بالتدخّل في مناطق إضافية، أسهمت هذه التطوّرات في تأجيج مخاوف متنامية داخل حلف شمال الأطلسي من أنّ واشنطن تدفع باتجاه نظام دولي جديد تُهيمن عليه مصالحها الخاصة قبل أي اعتبار آخر. ومن ثمّ، فإن احتمال ضمّ جرينلاند لا يثير تساؤلات جدّية بشأن مستقبل الحلف فحسب، بل يكشف كذلك موقع أوروبا المتراجع داخل بنية النظام الدولي وقدرتها المحدودة على مواجهة الضغوط الأميركية.
تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟
البرامج البحثية

تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟

نفذت القوات العسكرية للولايات المتحدة، في صبيحة الثالث من يناير لعام 2026، عملية عسكرية نوعية حملت اسم "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، أفضت إلى تحييد القيادة السياسية في فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، لِتُدشّن بذلك مرحلة مفصلية في توظيف "القوة الصلبة" (Hard Power) ضمن النطاق الجيوسياسي لنصف الكرة الغربي . ويُؤسس هذا الإجراء لعقيدة سياسية مستحدثة تُعرف بـ "لازمة ترامب" (The Trump Corollary)، التي تُعيد صياغة محددات السيادة الوطنية بربطها بالامتثال للمصالح الأمنية العليا لواشنطن.     تتولى هذه الورقة البحثية تفكيك التداعيات البنيوية لهذا الحدث، وتفحص أثره المباشر على "العمق الاستراتيجي" (Strategic Depth) للجمهورية الإسلامية الإيرانية، باحثةً في مآلات التحالف الثنائي المعروف بـ "محور الضرورة" (Axis of Necessity) الذي ربط طهران وكاراكاس لسنوات خارج المنظومة المالية الدولية. ثم تناقش ما إذا كان إسقاط النظام في فنزويلا يؤدي حُكمًا إلى عزل إيران جغرافيًا ولوجستيًا، وإنهاء قدرتها على المناورة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.     لتنتقل المُعالجة بعد ذلك إلى تحليل "الاقتصاد السياسي للطاقة" (Political Economy of Energy)، حيث تختبر الفرضية القائلة بأن السيطرة الإدارية الأمريكية على الاحتياطيات الفنزويلية توفر ضمانة استراتيجية فورية تُغني الغرب عن إمدادات الخليج العربي في حال إغلاق "مضيق هرمز" (Strait of Hormuz) . وتستند هذه الجزئية إلى تقييم فني للفارق بين حجم الاحتياطيات النظرية وبين القدرة التشغيلية الواقعية لشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) في ظل تهالك بنيتها التحتية.     ثم تستشرف أخيرًا احتمالات التصعيد العسكري المستقبلي عبر تحليل ما نُسميه بـ "مفارقة القوة" (Paradox of Power)؛ إذ يواجه صانع القرار الأمريكي تباينًا بين الحافز الذي يُولده نجاح استراتيجية "استهداف القيادة" (Decapitation Strategy) لتكرار النموذج ضد خصوم آخرين، وبين القيود المادية التي تفرضها استحقاقات "بناء الدولة" (Nation-building) وإعادة الإعمار، وذلك لتحديد احتمالية تطور الموقف إلى مواجهة نظامية شاملة مع إيران.
اعتقال مادورو: تداعيات تدخل الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة في أميركا الجنوبية
البرامج البحثية

اعتقال مادورو: تداعيات تدخل الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة في أميركا الجنوبية

شهدت التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا تصعيدًا حادًا بلغ ذروته بتنفيذ هجوم مباشر أسفر عن اعتقال واحتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مادورو سلسلة اتهامات، شملت تحميله مسؤولية التحريض على موجات هجرة جماعية للفنزويليين، والتورط في تجارة مخدر الفنتانيل، والاستيلاء على عائدات النفط لتمويل أنشطة مرتبطة بتهريب المخدرات. وعلى هذا الأساس، أجاز ترامب شنّ هجمات على سفن فنزويلية، معتبرًا أنها كانت تنقل مواد مخدرة إلى الولايات المتحدة، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في البحر الكاريبي. ومع إتمام عملية اعتقال مادورو بعد أشهر من التصعيد المتدرج، تتعاظم حالة عدم اليقين إزاء مستقبل فنزويلا، وتداعيات هذا التحول على الإقليم، وانعكاساته الأوسع على بنية النظام الدولي.   يمكن النظر إلى هذا الهجوم، في إطار عملية العزم المطلق، بوصفه محاولة من الرئيس دونالد ترامب لفرض مسار تغيير للنظام في فنزويلا. ويترتب على اعتقال الرئيس مادورو تداعيات بالغة الخطورة لا تقتصر على أطراف الصراع المباشرة، بل تمتد إلى أميركا الجنوبية ومنطقة الكاريبي، فضلًا عن انعكاساتها على الساحة الدولية. وقد تتجسد هذه التداعيات في تفكك مؤسسات الدولة وانهيار قطاعات صناعية حيوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، إلى جانب تآكل مصداقية الولايات المتحدة، وزعزعة الاستقرار الإقليمي بفعل موجات لجوء واسعة النطاق، فضلًا عن آثار سلبية مباشرة تطال الاقتصاد العالمي.
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: انسحاب أم ترسيخ للانخراط؟
البرامج البحثية

استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: انسحاب أم ترسيخ للانخراط؟

تُرسِّخ استراتيجية الأمن القومي (NSS) الإطار الحاكم لرؤية القوة الأميركية، وتكشف عن الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة طبيعة البيئة الدولية، وتُحدِّد من خلالها أولوياتها، وتختار الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستعتمد عليها في صون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تضطلع الاستراتيجية بدورٍ محوري في توجيه تخطيط الدفاع، وصياغة عقيدة السياسة الخارجية، وضبط آليات التنسيق بين الوكالات الحكومية، فضلًا عن إرسال رسائل واضحة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بشأن اتجاهات الانخراط الأميركي في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.   تُشكّل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصادرة عن إدارة ترامب في نوفمبر 2025، مقاربة واضحة لكيفية تموضع هذه الإدارة في عالم يتّسم بتصاعد التفكّك الجيوسياسي، واحتدام التنافس، وتزايد القيود الداخلية. ويتمثّل هدفها الجوهري في تحويل رؤية الإدارة للعالم إلى إطار متماسك يحدّد بدقّة ما ستمنحه الولايات المتحدة الأولوية، وما ستتراجع عنه، والظروف التي ستدفعها إلى توظيف رأسمالها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، أو قوتها العسكرية.   بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تكتسب قراءة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أهمية خاصة، إذ إنها تُجسِّد المبادئ التي تُشكِّل ملامح الموقف الأميركي المتحوّل تجاه المنطقة. ويعكس تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، والشراكات ذات الطابع التبادلي تحوّلًا في سقف التوقعات الموجّهة إلى الفاعلين الإقليميين، في حين يواصل تركيزها على أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاستراتيجي مع القوى الخارجية رسم الإطار الناظم لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وباعتبارها صياغة رسمية لكيفية إدراك الإدارة لمصادر التهديد وفرص الحركة، تُقدِّم استراتيجية الأمن القومي أوضح خارطة طريق متاحة لتوجّهات واشنطن، كما ترسم الإطار المرجعي الذي ستُصاغ في نطاقه قراراتها حيال الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
قوّة الردع الخفيّة: الاعتماد الاستراتيجي لحلف الناتو على منظومات الطاقة
البرامج البحثية

قوّة الردع الخفيّة: الاعتماد الاستراتيجي لحلف الناتو على منظومات الطاقة

في مختلف دول حلف شمال الأطلسي، يُعاد بناء الجيل القادم من القدرات العسكرية على أساس تحوّل بنيوي عميق يعيد تعريف طبيعة القوة العسكرية ذاتها. فبدل الاعتماد التقليدي على الوقود، تتجه المنظومات العسكرية على نحو متسارع إلى إدماج الكهرباء والبطّاريات عالية الأداء بوصفها عناصر مركزية في بنية الردع المعاصر. ويمتد هذا التحوّل من الأنظمة غير المأهولة والذخائر الذكية إلى مراكز القيادة المتنقّلة وشبكات الاستشعار المتقدمة، بما يعكس انتقال الردع الأطلسي إلى نموذج تشغيلي ذي طابع كهربائي متنامٍ. ويُقدَّم هذا المسار بوصفه قفزة تقنية تحمل وعودًا واضحة، تشمل تسريع قدرات الانتشار، وخفض البصمات الضوضائية، والحدّ من الاعتماد على سلاسل الإمداد الثقيلة. غير أنّ هذا التحوّل، على الرغم من مزاياه التشغيلية، يُنتج في بنيته العميقة أنماطًا جديدة من الهشاشة الاستراتيجية الصامتة، قد لا تقتصر آثارها على إعادة تشكيل أدوات الردع، بل تمتد إلى إعادة رسم توازناته الأساسية.   ومع كل خطوة إضافية نحو التحوّل الكهربائي، يتزايد انكشاف حلف شمال الأطلسي أمام سلاسل توريد هشّة وأسواق معادن حرجة شديدة التقلّب. فقد أصبحت البطّاريات عنصرًا محوريًا في قدرة الحلف على نشر القوّة وإدارة العمليات، لكنها تمثّل في الوقت نفسه نقطة ضعف كامنة في هذه القدرة ذاتها. إذ باتت الجاهزية القتالية، وفعالية الردع، وتماسك التنسيق العملياتي مرهونة بمواد تُستخرج أو تُعالَج خارج نطاق السيطرة المباشرة للحلف. وفي ظلّ انتقال الحرب على نحو متسارع إلى نمط رقمي وكهربائي، يواجه الناتو معضلة استراتيجية مختلفة في جوهرها: ليست مرتبطة بسرعة الابتكار، بل بقدرته على تأمين مرتكز الطاقة الذي تقوم عليه منظومته العسكرية، ومنع تحوّل أدوات التحديث إلى قنوات اعتماد بنيوي تُقوّض أسس الردع بدل أن تعزّزها.
تحوّلات الحوكمة في عصر ما بعد الإنسان: دور نخب التكنولوجيا في إعادة تشكيل العقد الاجتماعي
البرامج البحثية

تحوّلات الحوكمة في عصر ما بعد الإنسان: دور نخب التكنولوجيا في إعادة تشكيل العقد الاجتماعي

في معظم التاريخ الحديث، استندت النُّظم السياسية إلى افتراضٍ محوري مفاده أن الإنسان، لا الإقليم ولا السلطة ولا مفاهيم التقدّم المجرّدة، يمثّل نقطة الارتكاز الأساسية في الحوكمة. فقد جرى تبرير القوانين والاقتصادات والمؤسسات، نظريًا على الأقل، بوظيفتها في حماية الحياة البشرية، وتنظيم الصراع، وتحسين الرفاه الجماعي عبر الزمن. وحتى حين طُبِّق هذا المبدأ على نحو غير متكافئ، فقد شكّل إطارًا معياريًا قيّد ممارسة السلطة، وربط الشرعية السياسية—ولو بصورة جزئية—بالاستجابة للحاجات الإنسانية وبمبدأ الرضا العام. غير أنّ هذا التصوّر الإنساني للحوكمة يشهد تحوّلات متسارعة في ظلّ التقدّم التكنولوجي، ولا سيّما مع صعود فاعلين تقنيين بات لهم تأثير متزايد في أنماط الإنتاج واتخاذ القرار، وهو ما يطرح تساؤلات جديدة حول العلاقة بين السلطة، والتكنولوجيا، وأسس العقد الاجتماعي في السياق المعاصر.   اليوم، يشهد هذا الافتراض تآكلًا متسارعًا في ضوء تحوّلات عميقة تقودها التطوّرات التكنولوجية. فقد برزت، خلال السنوات الأخيرة، فئة محدودة من الفاعلين في قطاع التكنولوجيا تتبنّى تصوّرات تُعيد النظر في مركزية الإنسان ضمن مسارات التقدّم، وتتعامل مع التجربة الإنسانية بوصفها مرحلة قابلة لإعادة التعريف في سياق تطوّر تقني أوسع. ولم تعد هذه الرؤى حكرًا على النقاشات الفلسفية النظرية، بل بدأت تنعكس عمليًا في كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتنظيم أسواق العمل، وتفسير التفاوتات الاقتصادية، وصياغة تصوّرات طويلة الأمد حول ممارسة السلطة السياسية. وفي هذا الإطار، لا يقتصر الأمر على اختلافٍ فكري أو جدلٍ نظري، بل يتجلّى بوصفه تحوّلًا مؤسسيًا آخذًا في التشكّل، تُتَّخذ في ظله قرارات ذات أثر واسع على المجتمعات والاقتصادات، استنادًا إلى رؤى وتقديرات لم تخضع بالضرورة لمسارات تفويض ديمقراطي تقليدية.
ماذا لو: حُسمت الحرب الروسية- الأوكرانية وفق شروط موسكو؟
البرامج البحثية

ماذا لو: حُسمت الحرب الروسية- الأوكرانية وفق شروط موسكو؟

تشهد الحرب الروسية–الأوكرانية الممتدة منذ ما يقرب من أربع سنوات سلسلة متعاقبة من المحاولات غير المجدية لإنهائها، عبر خطط سلام متعددة لم تُفلح في إحداث اختراق حقيقي في مسار الصراع. وفي المرحلة الراهنة، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازمًا على الدفع نحو تسوية سياسية، عبر طرح مبادرة سلام خلال الأشهر الأخيرة، والانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محاولة لإعادة تشكيل مآلات الحرب ووضع حدٍّ لاستمرارها.   تتعدد السيناريوهات المحتملة لما بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، غير أنّ مسار المفاوضات الجارية يفتح المجال أمام تحوّلات أكثر عمقًا في مآلات الصراع. ففي ظلّ الدفع المتواصل نحو التسوية، ولا سيّما من جانب الولايات المتحدة وروسيا لتبنّي خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط الثماني والعشرين، مقابل المقترح الأوكراني المضاد القائم على الخطة المعدّلة ذات النقاط التسع عشرة، تزداد احتمالات التوصّل إلى تسوية تميل لمصلحة موسكو. وهو ما يطرح تساؤلًا محوريًا: إذا ما جرى اعتماد مثل هذه التسوية، كيف سيُعاد تشكيل المشهد الأوراسي، وما التحوّلات التي ستترتّب عليها في موازين القوى الإقليمية والدولية؟
الهجرة البريطانية الكبرى إلى دبي: من الانحدار إلى الأمل
البرامج البحثية

الهجرة البريطانية الكبرى إلى دبي: من الانحدار إلى الأمل

منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، تواجه المملكة المتحدة أزمة حوكمة متفاقمة؛ إذ عانى حزب المحافظين حالةً مزمنة من عدم الاستقرار نتيجة تعاقب القيادات على نحو متكرر، في حين يفتقر حزب العمّال، الذي انتُخب حديثًا، إلى القدر الكافي من الطموح والثقة اللازمين لإدارة شؤون الحكم بفاعلية. ومع تداخل الصدمات الناجمة عن بريكست، وجائحة كوفيد-19، والحرب الروسية على أوكرانيا، دخل الاقتصاد البريطاني في حالة من الركود، وتراجعت جودة الخدمات العامة على نحو ملحوظ، الأمر الذي أسهم في دفع أعداد متزايدة من المواطنين البريطانيين إلى الهجرة خارج البلاد.   تُعدّ الإمارات العربية المتحدة، وبصورة أدق دبي، إحدى أبرز هذه الوجهات. إذ يقيم حاليًا نحو 240 ألف مواطن بريطاني في الإمارة، مع توقّعات بانضمام أعداد إضافية؛ فقد سُجِّلت زيادة لافتة بلغت 420% في عمليات البحث عبر الإنترنت داخل المملكة المتحدة المرتبطة بالانتقال إلى دبي. وهي مؤشرات دالّة يُرجَّح أن تتواصل وتتصاعد مع استمرار انتقال البريطانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية إلى الإمارة. غير أنّ دوافع هذه الهجرة لا يمكن اختزالها في اعتبارات تقليدية مثل انخفاض الضرائب، أو مستويات الأمان المرتفعة، أو المناخ الجاذب فحسب. إذ يمكن القول إن تنامي الهجرة البريطانية إلى دبي يرتبط، على نحو أعمق، برغبة في التحرّر من نظام طبقي جامد، وبهيمنة نزعة الانحدار على المزاج العام، فضلًا عن الاضطراب العاطفي الذي غذّته أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة داخل المملكة المتحدة.