شهدت التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا تصعيدًا حادًا بلغ ذروته بتنفيذ هجوم مباشر أسفر عن اعتقال واحتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مادورو سلسلة اتهامات، شملت تحميله مسؤولية التحريض على موجات هجرة جماعية للفنزويليين، والتورط في تجارة مخدر الفنتانيل، والاستيلاء على عائدات النفط لتمويل أنشطة مرتبطة بتهريب المخدرات. وعلى هذا الأساس، أجاز ترامب شنّ هجمات على سفن فنزويلية، معتبرًا أنها كانت تنقل مواد مخدرة إلى الولايات المتحدة، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في البحر الكاريبي. ومع إتمام عملية اعتقال مادورو بعد أشهر من التصعيد المتدرج، تتعاظم حالة عدم اليقين إزاء مستقبل فنزويلا، وتداعيات هذا التحول على الإقليم، وانعكاساته الأوسع على بنية النظام الدولي.
يمكن النظر إلى هذا الهجوم، في إطار عملية العزم المطلق، بوصفه محاولة من الرئيس دونالد ترامب لفرض مسار تغيير للنظام في فنزويلا. ويترتب على اعتقال الرئيس مادورو تداعيات بالغة الخطورة لا تقتصر على أطراف الصراع المباشرة، بل تمتد إلى أميركا الجنوبية ومنطقة الكاريبي، فضلًا عن انعكاساتها على الساحة الدولية. وقد تتجسد هذه التداعيات في تفكك مؤسسات الدولة وانهيار قطاعات صناعية حيوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، إلى جانب تآكل مصداقية الولايات المتحدة، وزعزعة الاستقرار الإقليمي بفعل موجات لجوء واسعة النطاق، فضلًا عن آثار سلبية مباشرة تطال الاقتصاد العالمي.
لا يفضي اعتقال الرئيس مادورو بالضرورة إلى استعادة مؤسسات الدولة لوظيفتها أو إعادة تماسكها في فنزويلا. فبنية الحكم القائمة تتسم بدرجة عالية من المركزية، ما يجعل تفكيك النظام من دون تصور واضح لآلية انتقال السلطة وتعزيز المؤسسات القائمة مسارًا محفوفًا بعواقب مدمّرة. كما أن إقدام الولايات المتحدة على إزالة حكومة مادورو، في غياب خطة متكاملة لإعادة بناء الدولة، قد يفضي إلى تفكك مؤسسات الحكم وتشرذمها داخل شبكات متنافسة، بما يفتح فراغًا في السلطة سرعان ما يتحول إلى ساحة صراع بين قوى متنازعة.
يُشكّل الصراع الناجم عن التنافس على ملء فراغ السلطة سمةً غير مقصودة، لكنها متكررة، في تجارب تغيير الأنظمة التي قادتها الولايات المتحدة في مراحل سابقة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد أفضى غزو العراق عام 2003، وكذلك التدخل الذي قاده حلف شمال الأطلسي في ليبيا عام 2011، إلى إسقاط أنظمة مركزية من دون معالجة الاختلالات البنيوية في مؤسسات الدولة، ما أدى إلى تشرذم القوى السياسية وتفكك البنى المسلحة في كلا البلدين، وكانت المحصلة دورات طويلة من عدم الاستقرار والصراع المسلح. وفي هذا الإطار، تبرز احتمالية أن تسلك فنزويلا مسارًا مشابهًا إذا جرى إبعاد الرئيس مادورو بصورة مفاجئة عن الحكم من دون تصور مؤسسي واضح لإعادة بناء الدولة واستعادة فاعلية مؤسساتها.
يؤدي تشرذم مؤسسات الدولة، حين يقترن بصراع أهلي ناتج عن مسار تغيير النظام، إلى تقويض قطاع الطاقة في فنزويلا على نحو شبه حتمي. فالبلاد تُعدّ من أكبر الدول امتلاكًا للاحتياطيات النفطية، ويعتمد نظام مادورو اعتمادًا بنيويًا على العائدات النفطية لتمويل أنشطة الحكم وضمان استمراريته. كما تشكّل عمليات تصدير النفط الخاضع للعقوبات ركيزة مركزية في منظومة الحكم، إذ تتيح الحفاظ على شبكات المحسوبية التي يستند إليها النظام، فضلًا عن كونها مصدره الرئيس للدخل في ظل العزلة الاقتصادية.
وبطبيعة الحال، لا يهدد الحصار الأميركي الأخير المفروض على النفط الفنزويلي بتقويض هذه المنظومة فحسب، بل يُلحق ضررًا مباشرًا بقطاع الطاقة ذاته. إذ سيؤدي الحصار الذي أقرّته إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى حرمان فنزويلا من جزء معتبر من مبيعاتها النفطية، ما يفرض على قطاع الطاقة تقليص مستويات الإنتاج والتكرير. ومن شأن هذا التطور، في حد ذاته، أن يُحدث صدمات واسعة في الاقتصاد الفنزويلي المتعثر أصلًا، وأن يعمّق مسار تدهوره الهيكلي على المديين المتوسط والبعيد.
يمثّل ذلك إحدى النتائج المباشرة للحصار القائم، غير أنّ التداعيات الأخطر والأكثر تدميرًا ترتبط بتغيير النظام ذاته وانعكاساته على قطاع الطاقة الفنزويلي. إذ إن المسار نحو تغيير النظام يقود، بدرجة عالية من الترجيح، إلى انهيار هذا القطاع، ذلك أن إقصاء الرئيس مادورو وما قد يعقبه من صراع داخلي سيفضي إلى اضطرابات واسعة في عمليات إنتاج النفط ونقله وتشغيله داخل البلاد. ويترتب على هذا التعطّل تقويض قدرة فنزويلا على إعادة بناء قطاعها النفطي، وتركه في حالة هشاشة بنيوية ممتدة تجعله عرضة لمزيد من الانكشاف وعدم الاستقرار.
لا تقتصر تداعيات تغيير النظام على تعطّل العمليات التشغيلية فحسب، بل تمتد لتشمل آثارًا أوسع على أسعار النفط العالمية. فمن شأن تغيير النظام أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع، بما لا يقتصر أثره السلبي على فنزويلا وحدها، بل ينعكس على أسواق النفط الدولية برمّتها. وقد جرى توصيف هذه المخاطر بدقة في التقدير الذي يشير إلى أن «فنزويلا غير المستقرة، ولا سيما إذا تحقق تغيير النظام عبر تدخل عسكري، قد تشهد تراجعًا إضافيًا ومؤقتًا في الإنتاج، بما يؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار قبل أن تتبلور أي مكاسب طويلة الأمد على مستوى الإمدادات». ومع تلاقي هشاشة الاقتصاد الفنزويلي، وتعطّل العمليات النفطية، وحالة عدم اليقين السياسي التي يفرضها تغيير النظام، تبرز إمكانية واقعية لأن تُسهم هذه الصدمات المتراكبة في انهيار شامل لقطاع الطاقة الفنزويلي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية تمتد إلى أميركا الجنوبية، وتداعيات أوسع تطال الاقتصاد العالمي.
إلى جانب مسارات التفكك المؤسسي والانهيار القطاعي، قد تقود محاولة أخرى فاشلة لتغيير النظام، تتولاها الولايات المتحدة، إلى تآكل ملموس في مصداقيتها الدولية. إذ تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب تدقيقًا متصاعدًا على خلفية الهجمات التي استهدفت قوارب فنزويلية ومصادرة ناقلات نفط تابعة لفنزويلا. ويتجلى ذلك في الضغوط الداخلية المتزايدة التي يتعرض لها الرئيس من الحزب الديمقراطي، فضلًا عن انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية، التي ترى أن استهداف القوارب وناقلات النفط قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتشكل هذه الممارسات، في حد ذاتها، عاملًا مضعفًا لمصداقية الولايات المتحدة؛ غير أن الأثر الأشدّ تدميرًا سينجم عن أي مسار لتغيير النظام تقوده واشنطن، إذ لن ينعكس ذلك على صورة الولايات المتحدة فحسب، بل سيقوض، بصورة أعمق، مصداقية الرئيس ترامب على المستويين الداخلي والدولي.
سيكون الضرر الذي قد يُلحقه تغيير النظام بمصداقية الرئيس دونالد ترامب بالغًا، ولا سيما أن أحد تعهداته المحورية تمثّل في إنهاء انخراط الولايات المتحدة في ما يُعرف بـ«الحروب التي لا تنتهي»، ضمن إطار سياسته الخارجية القائمة على مبدأ «أميركا أولًا». وقد عُرف ترامب منذ سنوات بكونه من أبرز منتقدي حروب تغيير الأنظمة، إذ وجّه انتقادات علنية لعدد من الرؤساء الأميركيين السابقين، وفي مقدمتهم الرئيس جورج دبليو بوش، على خلفية حرب تغيير النظام في العراق. وقد شكّل غزو العراق ضربة قاسية لمصداقية الولايات المتحدة ولمفهوم تغيير الأنظمة ذاته، بعدما أفضت تلك الحرب إلى أعباء مالية ضخمة وخسائر بشرية جسيمة. ووفقًا لما نقلته الباحثة روزماري كيلانيك في مجلة «تايم»، فإن حروب العراق وأفغانستان مجتمعة أودت بحياة نحو سبعة آلاف جندي أميركي، فضلًا عن أعداد أكبر بكثير من العراقيين والأفغان، وبلغت كلفتها قرابة 4.4 تريليون دولار، وأسهمت في تقويض فكرة تغيير الأنظمة عبر التدخل العسكري المباشر.
تؤكد هذه المعطيات أن تغيير الأنظمة مسار بالغ الكلفة، وأن الإخفاق في تحقيق أهدافه يخلّف عواقب وخيمة على الجهة المبادِرة به. ويتجلى ذلك في أن أي محاولة فاشلة لتغيير النظام في فنزويلا من شأنها أن تُقوّض مصداقية السياسة الخارجية الأميركية، وتُثير ارتدادات داخلية سلبية، بما لا يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في مكانة الولايات المتحدة وهيبتها على الساحة الدولية.
يمكن القول إن تغيير النظام في فنزويلا قد يفضي إلى إلحاق ضرر بالغ بالسمعة الدولية، لا بالولايات المتحدة بوصفها قوة عالمية فحسب، بل كذلك بالرئيس دونالد ترامب باعتباره قائدًا يقدّم نفسه مناهضًا للتدخلات الخارجية. فقد كان ترامب واضحًا خلال حملتيه الرئاسيتين لعامي 2016 و2024 في التزامه بعدم الانخراط في ما يُعرف بـ«الحروب التي لا تنتهي» أو السعي إلى تغيير الأنظمة، نظرًا لما تنطوي عليه من كلفة اقتصادية مرتفعة وخسائر بشرية جسيمة.
فضلًا عن ذلك، تكبّدت الولايات المتحدة في السابق أضرارًا ملموسة في سمعتها نتيجة إخفاقات في سياستها الخارجية وحروب تغيير أنظمة لم تحقق أهدافها، كما في العراق وأفغانستان. وبناءً عليه، فإن المضي في مسار تغيير النظام في فنزويلا لا يهدد بأن يكون إخفاقًا جديدًا في السياسة الخارجية فحسب، بل ينطوي كذلك على خطر تكريس تآكل مصداقية الولايات المتحدة على المستويين الدولي والداخلي، بما يضع مكانتها وهيبتها السياسية أمام اختبار حاسم.
لن تقتصر تداعيات تغيير النظام في فنزويلا على الداخل الفنزويلي أو على الولايات المتحدة وحدها، بل ستمتد لتطال أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي على حدّ سواء. فمن شأن هذا المسار أن يُحدث اختلالًا ملموسًا في منظومات الأمن الإقليمي في كلتا المنطقتين، بفعل احتمالات تصاعد موجات هجرة جماعية لمواطنين فنزويليين نحو الدول المجاورة هربًا من تداعيات الصراع. وفي الواقع، تشهد المنطقة بالفعل حركة نزوح واسعة النطاق لمواطنين فنزويليين يسعون إلى الفرار من الفقر والاضطهاد السياسي. ووفقًا لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد غادر نحو 6.5 ملايين فنزويلي بلادهم إلى دول مجاورة في أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، حيث استقر معظمهم في كولومبيا والبرازيل وبيرو.
كما سيؤدي تغيير النظام إلى تفاقم أزمة الهجرة القائمة، ويدفع نحو موجة نزوح واسعة ستكون لها آثار مزعزِعة للاستقرار على دول أميركا الجنوبية والبحر الكاريبي التي تستضيف اللاجئين الفنزويليين. ويستند هذا التقدير إلى أن «التدفّقات البشرية الهائلة الخارجة من فنزويلا قد تُقوّض الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في الدول المجاورة». ويمكن أن تتخذ مظاهر هذا الاضطراب أشكالًا متعددة، من بينها هشاشة أمن الحدود بما يمسّ سيادة الدول، فضلًا عن تشكّل حركات وتنظيمات سياسية داخل مخيمات اللاجئين.
يُقدّم إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثالًا دالًا على هذه الديناميات، إذ أسفرت موجات التهجير القسري خلال الحرب الأهلية السورية، وكذلك حرب عام 1948 العربية–الإسرائيلية، عن نزوح جماعي للسوريين والفلسطينيين إلى دول الجوار. وقد أفضت هاتان الحربان إلى تصاعد حاد في هشاشة أمن الحدود في دول مثل لبنان والأردن، فضلًا عن فرض ضغوط جسيمة على الموارد المتاحة، حيث اضطرت هذه الدول إلى توفير الحماية والخدمات الأساسية للاجئين إلى جانب تلبية احتياجات السكان المحليين.
وبالمثل، قد يفضي اندلاع صراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى تهجير قسري واسع النطاق لأعداد كبيرة من الفنزويليين نحو دول الجوار في أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي. ومن شأن ذلك أن يُفاقم هشاشة أمن الحدود ويُثير تحديات تمسّ سيادة الدول، ويستنزف الموارد، ويُرهق المؤسسات الحكومية، بما يقود في المحصلة إلى زعزعة سياسية واقتصادية ممتدة في هاتين المنطقتين.
وعلى الرغم من أن الهجرة الجماعية الناجمة عن تغيير النظام قد تُشكّل تحدّيًا مباشرًا لأمن الحدود ولمبدأ سيادة الدول المجاورة في أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، فإن هذا المسار قد يفضي أيضًا إلى نشوء جماعات مسلّحة عابرة للحدود، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية جسيمة على الدول المستضيفة. فليست ظاهرة استغلال مخيمات اللاجئين من قبل جماعات مسلّحة أمرًا مستجدًا، إذ يُظهر التاريخ حالات متكررة لاندساس عناصر مقاتلة بين المدنيين النازحين، بهدف الاحتماء داخل المخيمات وإعادة تنظيم صفوفها.
ويُعدّ ما جرى عقب الإبادة الجماعية في رواندا مثالًا دالًا على هذا النمط، حين اندسّ مقاتلون من الهوتو في موجات اللجوء الجماعي وانتقلوا إلى زائير. وبالقياس على هذا النموذج، فإن تولّي الولايات المتحدة إدارة مسار تغيير النظام في فنزويلا قد يفتح المجال أمام تسلّل عناصر موالية للرئيس مادورو إلى دول الجوار، مستفيدةً من الفوضى المصاحبة لأزمة لجوء محتملة.
من شأن هذا السيناريو أن يشكّل تهديدًا أمنيًا مباشرًا للدول المستضيفة، إذ قد تُستغلّ مخيمات اللاجئين كمنصّات لتنفيذ هجمات عابرة للحدود في سياق الصراع. وقد يترتب على ذلك توسيع نطاق الانخراط الأميركي ليشمل دول الجوار، عبر تنفيذ عمليات تستهدف «تطهير» مخيمات اللاجئين من عناصر موالية لمادورو. ومن شأن هذا النمط من المواجهة أن يفضي إلى تدهور خطير في البيئة الأمنية عبر أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، وأن يحوّل حرب تغيير النظام من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي أوسع نطاقًا.
في حين قد تنحصر بعض تداعيات تغيير النظام في النطاق الإقليمي، فإن انعكاساته العالمية لا يمكن إغفالها. ففي هذا السياق، وعلى غرار صراعات أخرى شهدها العالم في السنوات الأخيرة، قد يخلّف تغيير النظام آثارًا جسيمة على الاقتصاد العالمي. ويمكن أن تتجسد هذه التداعيات في تباطؤ معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع مستويات الأسعار، والانزلاق نحو أزمة تضخمية حادة ذات آثار واسعة النطاق.
أولًا، تجدر الإشارة إلى أن تباطؤ الاقتصاد العالمي لا يتطلب بالضرورة اندلاع حرب فعلية لتغيير النظام، إذ إن مجرّد الخشية من هذا السيناريو قد تكون كافية لإحداث آثار سلبية ملموسة. ويتجسد ذلك بوضوح في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، حيث ذهب عدد من الاقتصاديين إلى أن الانتقال من نظام اقتصادي قائم على القواعد إلى نمط تنافسي تحكمه موازين القوة يُعدّ، في جوهره، شكلًا من أشكال «تغيير النظام» في البنية الاقتصادية الدولية.
وانطلقت هذه الحجة من أن الخشية من تحقّق هذا التحوّل المحتمل في بنية النظام الاقتصادي من شأنها أن تقوّض قدرة الشركات على «الاعتماد على التجارة الدولية بوصفها مصدرًا مستقرًا للعملاء والمورّدين». ونتيجة لذلك، يتباطأ النمو الاقتصادي مع بدء تراجع الناتج المحلي الإجمالي تحت وطأة هذا القلق البنيوي المرتبط بإمكانية تغيّر قواعد النظام الاقتصادي. وبالقياس على ذلك، فإن مجرّد التهديد بتغيير النظام قد يسهم في إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي عالميًا، ويغذّي في الوقت نفسه مخاوف متزايدة لدى الشركات والاقتصاديين من انحسار النشاط الاقتصادي وتراجع مستويات اليقين في الأسواق الدولية.
وعلاوةً على ذلك، قد يُسهم تغيير النظام بتأثيرٍ أميركي في دفع موجة تضخّم عالمي متصاعدة. فمسار تغيير النظام، حين يقترن بضغوط اقتصادية مثل العقوبات والحصارات، يؤدي إلى ارتفاع أسعار طيفٍ واسع من السلع الأساسية، بما يفضي إلى معدلات تضخّم مرتفعة. ويُعدّ ما شهدته الحرب الروسية–الأوكرانية مثالًا دالًا في هذا السياق، إذ أسفرت العقوبات المفروضة على المنتجات الروسية عن زيادات حادة في أسعار الغذاء والنفط، وهو ما ألحق أضرارًا ملموسة بعدد كبير من دول الجنوب العالمي التي تعتمد على هذه السلع في تأمين احتياجات سكانها.
وفي هذا الإطار، تُظهر الضغوط الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة على فنزويلا آثارًا تضخمية قائمة بالفعل تطال الاقتصاد الفنزويلي والاقتصاد العالمي في آنٍ واحد. ويتجلى ذلك في الارتفاع الملحوظ في الأسعار العالمية للنفط نتيجة العقوبات والحصار النفطي، بالتوازي مع أزمة حادة في تدهور قيمة العملة داخل فنزويلا. وإلى جانب ذلك، أسهمت حالة التوتر المتصاعدة في دفع أسعار المعادن النفيسة إلى الارتفاع، حيث زاد سعر الذهب بنسبة 2.4 في المئة، وارتفع سعر الفضة بنسبة 3.4 في المئة.
ومن المرجّح أن يفضي تغيير النظام إلى أزمة تضخمية تُحاكي تلك التي فجّرتها الحرب الروسية–الأوكرانية، ولا سيما إذا اتجهت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى توسيع نطاق العقوبات المفروضة على القطاعات الفنزويلية بوصفها أداة ضغط لإجبار ما تبقّى من حكومة مادورو على الإذعان. وستُفضي هذه الضغوط الاقتصادية، بدورها، إلى تأثيرات متسلسلة ذات طابع تراكمي، تدفع بأسعار النفط وغيرها من السلع التي تتاجر بها فنزويلا إلى الارتفاع، بما ينعكس سلبًا على الاقتصادات التي تعتمد على التبادل التجاري معها.
سيترتّب على تغيير النظام في فنزويلا عواقب مدمّرة تطال فنزويلا والولايات المتحدة معًا، مع قابلية واضحة لامتداد آثارها إلى دول الإقليم. وفي المحصلة، تبرز ضرورة أن تضع الولايات المتحدة خارطة طريق مستقرة وواضحة للحفاظ على الاستقرار في فنزويلا، إذ إن إزالة ما تبقّى من حكومة مادورو من دون إطار محكم لإدارة المرحلة اللاحقة لا تُهدّد استقرار فنزويلا فحسب، بل قد تُزعزع أيضًا أمن واستقرار أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي. وعليه، يتعيّن على الولايات المتحدة استخلاص العِبر من إخفاقات العراق وليبيا، وتجنّب تكرارها في الحالة الفنزويلية.
Alhashmi, Amnah Abdulrahman . 2022. “The Impact of the Ukraine War on the Global Economy.” Trendsresearch.org. December 26, 2022. https://trendsresearch.org/insight/the-impact-of-the-ukraine-war-on-the-global-economy/?srsltid=AfmBOoo0c5tYMNfTj1HimBvMTJk3jj4-GeuwEBJQ7pH2tCjtJ05ws-6d
Atlantic Council experts. 2025. “What Trump’s Venezuela Oil Blockade Means for Maduro and the World.” Atlantic Council. December 18, 2025. https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/what-trumps-venezuela-oil-blockade-means-for-maduro-and-the-world/
Blum, Jordan. 2025. “A U.S. Oil Blockade on Venezuela Could ‘Devastate’ Its Economy and Further Pressure Maduro. But How Far Is Trump Willing to Take It?” Fortune. December 17, 2025. https://fortune.com/2025/12/17/us-oil-blockade-venezuela-economy-maduro-trump/
Brennan, Chris. 2025. “Trump’s Lethal Fixation on Venezuela Is about Oil, Not Drugs | Opinion.” USA TODAY. December 21, 2025. https://www.usatoday.com/story/opinion/columnist/2025/12/21/trump-venezuela-oil-blockade-maduro-regime-change/87829271007/
Buschschlüter, Vanessa. 2025. “Why Is US President Trump Threatening Venezuela’s President Maduro?” BBC News, December 17, 2025. https://www.bbc.com/news/articles/c93n4nx5yqro
Collinson, Stephen. 2025. “What Trump’s Latest Dramatic Venezuela Move Means.” CNN. December 11, 2025. https://edition.cnn.com/2025/12/10/politics/trump-venezuela-tanker-escalation
Dadush, Uri. 2019. “A Fear of Regime Change Is Slowing the Global Economy.” Bruegel | the Brussels-Based Economic Think Tank. October 25, 2019. https://www.bruegel.org/blog-post/fear-regime-change-slowing-global-economy
Denison, Ben. 2020. “The More Things Change, the More They Stay the Same: The Failure of Regime-Change Operations.” Cato.org. January 6, 2020. https://www.cato.org/policy-analysis/more-things-change-more-they-stay-same-failure-regime-change-operations
Haddad, Mohammed. 2025. “Venezuela Has the World’s Most Oil: Why Doesn’t It Earn More from Exports?” Al Jazeera. September 4, 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/9/4/venezuela-has-the-worlds-most-oil-why-doesnt-it-earn-more-from-exports
Hajdari, Una. 2025. “Euronews.com.” Euronews. euronews.com. December 23, 2025. https://www.euronews.com/business/2025/12/23/year-of-the-metals-venezuela-tensions-send-gold-and-silver-soaring
Hayes, Alexander Rossell. 2025. “Most Americans Oppose Military Involvement in Venezuela.” Yougov.com. YouGov. September 12, 2025. https://today.yougov.com/politics/articles/52958-most-americans-oppose-military-involvement-in-venezuela-maduro-poll
Kelanic, Rosemary. 2025. “On Venezuela, Trump Is Forgetting the Lessons of the Middle East.” TIME. Time. December 17, 2025. https://time.com/7339836/trump-venezuela-maduro-regime-change-risks/
Lischer, Sarah Kenyon. 2017. “The Global Refugee Crisis: Regional Destabilization & Humanitarian Protection | American Academy of Arts and Sciences.” Www.amacad.org. September 29, 2017. https://www.amacad.org/publication/daedalus/global-refugee-crisis-regional-destabilization-humanitarian-protection
Lynch, Marc, and Laurie Brand. 2017. “Refugees and Displacement in the Middle East.” Carnegieendowment.org. March 29, 2017. https://carnegieendowment.org/posts/2017/03/refugees-and-displacement-in-the-middle-east?lang=en
Meyerson, Sam. 2020. “How to Fail at Regime Change.” Harvard Political Review. January 22, 2020. https://harvardpolitics.com/regime-change-failure/.
Mills, Robin. 2025. “What Major Political Upheaval in Venezuela Will Mean for the Oil-Rich Nation’s Energy Sector.” The National. December 8, 2025. https://www.thenationalnews.com/business/energy/2025/12/08/what-major-political-upheaval-in-venezuela-will-mean-for-the-oil-rich-nations-energy-sector/.
O’Neil, Shannon K. 2018. “A Venezuelan Refugee Crisis.” Council on Foreign Relations. February 2018. https://www.cfr.org/report/venezuelan-refugee-crisis#chapter-title-0-3.
Rose, Caroline, Rafaella Lipschitz, William Brundage, and Robert Kremzner. 2025. “Why Regime Change Would Fail to Slow Venezuelan Drug Flows – New Lines Institute.” New Lines Institute. November 12, 2025. https://newlinesinstitute.org/state-resilience-fragility/illicit-economies/why-regime-change-would-fail-to-slow-venezuelan-drug-flows/.
Salhani, Justin. 2025. “Are Palestinian Groups in Lebanon about to Give up Their Weapons?” Al Jazeera. May 26, 2025. https://www.aljazeera.com/features/2025/5/26/are-palestinian-groups-in-lebanon-about-to-give-up-their-weapons.
Schulz, Christian, and Alexander Robey. 2025. “Venezuela Instability: Market Implications.” Allianzgi.com. Allianz Global Investors. December 8, 2025. https://uk.allianzgi.com/en-gb/insights/outlook-and-commentary/venezuela-instability-market-implications.
Sfakianakis, John. 2025. “The Strategic Illusion of Regime Change.” GRC. Gulf Research Center. June 23, 2025. https://www.grc.net/single-commentary/276.
Sullivan, Arthur. 2025. “Venezuela Blockade: What It Means for Maduro and Oil Markets.” Dw.com. Deutsche Welle. December 17, 2025. https://www.dw.com/en/venezuela-blockade-what-it-would-mean-for-the-maduro-regime-and-oil-markets/a-75201861.
UNHCR. 2024. “Venezuela Crisis Explained.” Www.unrefugees.org. April 17, 2024. https://www.unrefugees.org/news/venezuela-crisis-explained/.
تعليقات