في الثاني من مارس 2026، أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب مواربًا أمام احتمال الدفع بقوات برية إلى داخل إيران إذا ما فرضت تطورات الميدان ذلك. غير أنّ هذا الطرح يتجاهل ما ينطوي عليه هذا الخيار من كلفة استراتيجية باهظة، في ضوء الامتداد الجغرافي الشاسع لإيران وتعقيد بنيتها العسكرية وتشابك منظوماتها الدفاعية. وتشير الحسابات الاستراتيجية إلى أن أي تدخل بري أميركي لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل مغامرة عالية المخاطر قد تفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة، بما قد يعرّض القوات الأميركية لخسائر جسيمة من دون ضمان تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي قد تُرسم لها في واشنطن.
في المقابل، اتسم موقف ترامب، في مجمله، بنزعة واضحة نحو تجنب الانخراط في حروب برية واسعة النطاق. فعلى الرغم من إجازته تنفيذ عمليات عسكرية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك ضربات جوية استهدفت إيران ودولًا أخرى، ظل نهجه يميل إلى استخدام القوة بصورة محدودة ومحسوبة، مع الاعتماد أساسًا على التفوق الجوي والعمليات الخاصة بدلًا من الدفع بعشرات الآلاف من الجنود إلى ساحات قتال مفتوحة قد تفرض عليه كلفة سياسية وعسكرية يصعب احتواؤها. ويرتبط هذا التوجه برؤية أوسع لدى ترامب لطبيعة الصراعات المسلحة؛ إذ ينظر إلى النزاعات الممتدة والمشحونة بالفوضى بوصفها ساحات يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، وغالبًا ما تنتهي بنتائج يصعب التنبؤ بها أو التحكم في مساراتها. فالعمليات البرية الواسعة لا تفتح فقط الباب أمام اضطرابات طويلة الأمد، بل تجعل أيضًا تقدير تداعياتها الاستراتيجية أمرًا بالغ التعقيد. ولهذا لم يُظهر ترامب، خلال ولايته الأولى ولا في بدايات ولايته الثانية، ميلًا واضحًا إلى الزج بأعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية في الخارج.
إضافةً إلى ذلك، يدرك كلٌّ من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن فرض تغيير جذري للنظام في طهران يمثل واحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية الممكن تصورها. فالبنية السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية تتسم بتماسك مؤسسي واضح، ولا تقوم على حكم شخصاني فحسب، بل ترتكز إلى منظومة عقائدية ودينية متجذرة حافظت على استمراريتها منذ قيام النظام عام 1979. وعلى هذا الأساس، تنطلق المقاربة الحالية من مزيج من الضغط العسكري المتدرج وأدوات أخرى تستهدف إنهاك النظام وإضعافه بمرور الوقت، من دون ضمان بأن يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى انهياره أو تقويض ركائزه الأساسية.
ينبغي لأي نقاش جاد حول احتمالات تغيير النظام في إيران أن ينطلق من حقيقة بنيوية مفصلية مفادها أن الجمهورية الإسلامية ليست كيانًا يسهل اقتلاعه. فالنظام الإيراني لم يُبنَ كنموذج حكم شخصاني هش، ولا كسلطة تتمحور حول إرادة فرد واحد، بل تشكّل منذ نشأته بوصفه منظومة مؤسسية متعددة الطبقات صُممت بعناية لضمان البقاء وامتصاص الصدمات وإعادة إنتاج نفسها في مواجهة الأزمات والتحولات السياسية.
في مرحلته الثورية الأولى، حمل النظام الإيراني ملامح حكم تمحور بدرجة كبيرة حول الكاريزما الشخصية للمرشد الأعلى آية الله روح الله الخميني. غير أنّ هذا النمط لم يظل ثابتًا مع مرور الوقت؛ إذ شهد تحوّلًا تدريجيًا أعاد تشكيل بنية السلطة داخله. ففي عهد آية الله علي خامنئي، اتجه النظام نحو ترسيخ طابع مؤسسي أعمق، حيث انتقلت مراكز القوة من الاعتماد على الشخص إلى الاعتماد على شبكة مؤسسات مترابطة. وخلال هذه المرحلة، جرى تثبيت شبكات الولاء داخل مفاصل الدولة، وتعزيز المؤسسات الموازية، وبناء منظومة متداخلة من الصلاحيات والوظائف، بما يعزز قدرة النظام على الاستمرار ويحدّ من قابليته للاهتزاز.
واليوم، يبدو النظام أقرب إلى بنية مؤسسية متشعبة تستند إلى عدة أعمدة متساندة، لا إلى هرم ضيق يقوم على شخص واحد يمكن أن يختل بزواله. فخلف الواجهة السياسية الرسمية تقف منظومة أمنية واستخبارية واسعة النفوذ، تتشابك معها شبكات اقتصادية ترتبط مصالحها ارتباطًا وثيقًا ببقاء النظام واستمراره. وهؤلاء الفاعلون لا يمثلون مجرد تابعين ينتظرون التوجيهات، بل يشكلون طبقة نفوذ راسخة تستمد شرعيتها ومواردها من استدامة المنظومة، وتعمل بوصفها أحد أهم ركائز تماسكها وقدرتها على الصمود.
ولا يقتصر هذا البناء على البعد السياسي فحسب، بل يمتد إلى الإطار الدستوري ذاته. فالهندسة الدستورية للجمهورية الإسلامية تُكرّس هذا الطابع الاستمراري بوضوح؛ إذ تنص المادة 111 على آلية التعامل مع حالة وفاة المرشد الأعلى أو عجزه عن أداء مهامه. وبموجب هذا الترتيب، تنتقل الصلاحيات مؤقتًا إلى مجلس يتألف من رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية ورجل دين يختاره مجلس تشخيص مصلحة النظام، في صيغة مؤسسية تستهدف ضمان استمرارية السلطة ومنع أي فراغ سياسي قد يهدد تماسك النظام. وفي السياق ذاته، شُكّل مجلس قيادة مؤقت من ثلاثة أعضاء لتولي إدارة شؤون الدولة وفقًا لمنظومة القوانين الناظمة للجمهورية الإسلامية. ويضم هذا المجلس رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، والفقيه علي رضا أعرافي، عضو مجلس صيانة الدستور وقائد قوات الباسيج. وعلى الرغم من أن هذا المجلس يضطلع بإدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية، فإن صلاحية اختيار المرشد الأعلى الجديد تبقى من اختصاص مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 عضوًا، الذين يُنتخبون كل ثماني سنوات بعد خضوعهم لعملية تدقيق واعتماد يجريها مجلس صيانة الدستور.
وتتسع هذه الشبكة المؤسسية لتشمل مؤسسات أخرى تضطلع بأدوار محورية في بنية النظام. فمجلس صيانة الدستور يتولى مراجعة التشريعات والإشراف على أهلية المرشحين للانتخابات، بينما يختص مجلس خبراء القيادة باختيار المرشد الأعلى ومراقبة أدائه. أما مجلس تشخيص مصلحة النظام فيضطلع بمهمة تسوية الخلافات بين مؤسسات الحكم، في حين يتكفل الحرس الثوري بحماية النظام في الداخل والخارج. وقد صُممت هذه المؤسسات ضمن بنية متداخلة عمدًا، بحيث يشدّ بعضها أزر بعض ويحول دون نشوء أي فراغ في السلطة. ويعكس هذا التصميم ذاكرة تاريخية عميقة لدى النخب الإيرانية، تشكلت على وقع فترات متكررة من الاضطراب والتدخل الخارجي. ومن ثم لا يُنظر إلى الفراغ السياسي بوصفه فرصة للتغيير، بل باعتباره تهديدًا وجوديًا قد يفتح الباب أمام الفوضى أو الاختراق الخارجي.
في ضوء هذه البنية المؤسسية المتماسكة، يتضح لماذا يصعب إسقاط ما يُعرف بـ”النموذج الفنزويلي” على الحالة الإيرانية. ففي الثاني من مارس، استعاد الرئيس الأميركي ما جرى في كاراكاس أثناء حديثه عن احتمال تغيير النظام في طهران. غير أن المماثلة بين إيران وتجارب مثل فنزويلا أو ليبيا، حيث انهار النظام عقب مقتل معمر القذافي، تنطوي على قدر كبير من التبسيط الذي يتجاهل تعقيد البنية الإيرانية. فالأنظمة شديدة الشخصنة قد يؤدي سقوط رأس السلطة فيها إلى انهيار الدولة بأكملها، لأن السلطة تكون متماهية مع الحاكم ذاته. أما إيران، فتنتمي إلى نمط مختلف؛ إذ تعمل قيادتها داخل إطار ثوري مؤسسي صُمم منذ نشأته لضمان استمرارية النظام بغض النظر عن الأفراد. ومن ثم، فإن وفاة علي خامنئي، رغم أهميتها السياسية، لا تعني بالضرورة انهيار النظام. فعلى الرغم من الطابع الدرامي لمثل هذا الحدث، تشير التجربة الإيرانية إلى أن النخب الحاكمة تميل في لحظات الأزمات إلى التماسك بدلًا من الانقسام. وينسحب المنطق نفسه على المجال المجتمعي. فمنذ مقتل مهسا أميني قبل أكثر من ثلاث سنوات، شهدت إيران موجات احتجاج واسعة تعكس سخطًا اجتماعيًا عميقًا. ومع ذلك، لم يتحول هذا الاضطراب إلى انهيار للنظام. ففي لحظات التهديد الخارجي، تميل المجتمعات غالبًا إلى الالتفاف حول الدولة، في ظاهرة تعرف في الأدبيات السياسية بتأثير “الالتفاف حول العلم”.
إذا كان الانهيار الداخلي للنظام مستبعدًا في المدى المنظور، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتمثل في طبيعة الخيارات المتاحة أمام ترامب ونتنياهو. غير أنّ الواقع يشير إلى أنه لا توجد أداة واحدة قادرة بمفردها على إحداث تغيير في النظام. فأقصى ما يمكن أن تفضي إليه هذه الأدوات هو إضعاف المنظومة أو زيادة الضغوط عليها، من دون ضمان أن يقود ذلك في نهاية المطاف إلى انهيارها.
ويتمثل أحد المسارات المحتملة في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية عبر حملة جوية واسعة النطاق تبدأ باستهداف منظومات الدفاع الجوي بهدف انتزاع أي تفوق في المجال الجوي. وقد كشفت عمليات إسرائيلية سابقة عن وجود ثغرات في شبكة الدفاعات الإيرانية، وإن كانت بعض هذه الأنظمة قد خضعت لاحقًا لعمليات إصلاح وإعادة تشغيل. وبمجرد ترسيخ السيطرة الجوية، يمكن توجيه الضربات نحو البنية التحتية للصواريخ الباليستية الإيرانية، التي تمثل ركيزة أساسية في معادلة الردع الإيرانية. فهذه الترسانة تمنح طهران القدرة على تهديد القواعد العسكرية والبنية التحتية الإقليمية للطاقة والممرات البحرية الحيوية، الأمر الذي يجعل أي تدخل خارجي أكثر تعقيدًا.
ومن ثم قد تسعى واشنطن إلى استهداف المنشآت المحصنة تحت الأرض المعروفة اصطلاحًا بـ”مدن الصواريخ”، حيث تُخزَّن الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. غير أن إضعاف القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة إسقاط النظام؛ إذ قد يفضي ذلك إلى تقليص هامش الردع وزيادة الضغوط الداخلية، من دون أن يمس الركيزة السياسية للمنظومة.
أما المسار الثاني فيتمثل في استهداف عدد من القيادات العليا بصورة متزامنة. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقتل نحو 48 من القادة الإيرانيين في الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة. ومع ذلك، فإن الدستور الإيراني يتضمن آليات واضحة للخلافة، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث انهيار مؤسسي. فحتى بعد مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والمسؤولين النافذين، ظل النظام قادرًا على مواصلة أداء وظائفه، مستندًا إلى ما يتمتع به من مرونة مؤسسية وقدرة على امتصاص خسارة الأفراد.
ويتمثل المسار الثالث في السعي إلى اختراق النظام من الداخل والدفع به نحو انقسام داخلي أو حدث ذي طابع انقلابي. غير أنّ هذا الخيار يظل بالغ الصعوبة، نظرًا للطبيعة الأمنية المغلقة للنظام الإيراني ووجود منظومة واسعة لمكافحة التجسس. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد هذا السيناريو بصورة كاملة. فقد أشارت تقارير صحفية إلى مؤشرات على صراع داخلي داخل أوساط النخبة الحاكمة خلال ذروة الاحتجاجات. وذكرت صحيفة “لو فيغارو” أن شخصيات بارزة، من بينها الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، حاولت الدفع باتجاه تقليص دور المرشد الأعلى في إدارة الأزمة. غير أن هذه المحاولة لم تُكتب لها الاستمرارية بعدما امتنع علي لاريجاني عن تقديم الدعم اللازم لها. كما أفادت تقارير لاحقة لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن لاريجاني اضطلع لاحقًا بدور تنفيذي موسع في إدارة ملفات الأمن والتنسيق الإقليمي والمفاوضات النووية. ومع ذلك، فإن رصد تباينات داخل أوساط النخبة الحاكمة لا يعني بالضرورة تحوّلها إلى تعاون فعلي مع قوى خارجية.
في المحصلة، يتبيّن أن تغيير النظام في إيران ليس مهمة يسيرة. ومع ذلك، فإن عالم السياسة نادرًا ما تحكمه الحتميات القاطعة، ومن ثم لا يمكن استبعاد احتمال حدوث تحولات مفاجئة. غير أن الحسابات الاستراتيجية تشير إلى أن أي محاولة لإضعاف النظام الإيراني ستتطلب مزيجًا معقدًا من الأدوات، تشمل الاغتيالات الانتقائية، والاستنزاف العسكري المتواصل، ومحاولات الاختراق الداخلي. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الضغوط المتراكمة قادرة بالفعل على تفكيك منظومة صُممت منذ نشأتها لتقاوم الانهيار. فإحداث تحول حقيقي في بنية النظام الإيراني لن يكون عملية خاطفة، بل مسارًا طويلًا من الضغط المتواصل وحرب استنزاف تُدار عبر جبهات متعددة. وعندئذ فقط قد تبدأ بنية النظام بالتآكل تدريجيًا، بما يفتح المجال في نهاية المطاف لاحتمال سقوطه.
The Economist. 2026. “War, Succession and the Perilous Test of Two Myths About Iran.” The Economist, Middle East and Africa, March 1, 2026. https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2026/03/01/war-succession-and-the-perilous-test-of-two-myths-about-iran.
RT Arabic. 2026. “تقرير فرنسي يكشف محاولة إنقلاب على خامنئي بسبب لاريجاني.” RT Arabic, March 2, 2026. https://arabic.rt.com/world/1760422-تقرير-فرنسي-يكشف-محاولة-انقلاب-على-خامنئي-بسبب-لاريجاني/.
Sky News. 2024. “Who’s in Charge of Iran Now – and Who Will Be Its New Leader?” Sky News, <date published if available or accessed>. https://news.sky.com/story/whos-in-charge-of-iran-now-and-who-will-be-its-new-leader-13513739.
The Conversation. 2026. “Despite Massive US Attack and Death of Ayatollah, Regime Change in Iran Is Unlikely.” The Conversation, March 2026. https://theconversation.com/despite-massive-us-attack-and-death-of-ayatollah-regime-change-in-iran-is-unlikely-277180.
تعليقات