لطالما مالت الكفة في معادلة الأمن السيبراني لمصلحة المهاجم، لكن الذكاء الاصطناعي بات يوسع هذه الأفضلية ويعمق الفجوة الاقتصادية بين كلفة شن الهجوم وكلفة التصدي له. فالأنظمة الوكيلة ذاتية التشغيل تختزل العمليات المعقدة في حلقات مؤتمتة لاتخاذ القرار، بما يتيح لفريق بشري صغير إسناد الجزء الأكبر من العمل التكتيكي إلى الآلة، من الاستطلاع واستغلال الثغرات إلى الحركة الجانبية داخل الشبكات. وبدلًا من أن تظل وتيرة التنفيذ رهينة سرعة العمل البشري، تنتقل هذه المهام إلى إيقاع الآلة وقدرتها على العمل المتواصل والمتوازي. وفي حالة موثقة واحدة على الأقل، تولى الذكاء الاصطناعي بنفسه ما بين 80% و90% من هذا العمل.
ولا يعني ذلك أن الهجوم أصبح بلا كلفة، وإنما أن العلاقة بين الكلفة وحجم الهجوم آخذة في التغير. فكلما ازداد عدد الأهداف، لم تعد الكلفة ترتفع بالمعدل نفسه الذي كانت تفرضه العمليات المعتمدة بدرجة أكبر على العنصر البشري؛ إذ تتيح الأتمتة توسيع نطاق الهجوم من دون زيادة موازية في حجم العمل البشري اللازم لتنفيذه. وفي المقابل، تتحرك الكلفة على الجانب الدفاعي في الاتجاه المعاكس. فكلفة الاختراقات آخذة في الارتفاع، فيما يضيف انتشار "الذكاء الاصطناعي الخفي" عبئًا جديدًا يرتبط بمتطلبات الحوكمة والرقابة، لتزداد بذلك الكلفة التي تتحملها المؤسسات في الدفاع عن أنظمتها والتعافي من الاختراقات.
ومن هذا التباين تتشكل المفارقة الاقتصادية التي تقف في صميم التحليل: الأتمتة تخفض كلفة العمل البشري اللازمة للهجوم، بينما ترتفع على الجانب الدفاعي نفقات التعافي وأعباء الامتثال والتنظيم. ومع تحرك طرفي المعادلة في اتجاهين متعاكسين، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل اقتصاديات الأمن السيبراني، ويغير من أساسها معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع.