خلال العقد الماضي، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه فضاءً بحثيًا محدود الأثر إلى قوّة دافعة تُعيد رسم ملامح الاقتصادات على نطاق عالمي. فما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه قدرات افتراضية أو رهانات مستقبلية، - مثل تمكين الآلات من توليد الشيفرات البرمجية، وأتمتة مسارات عمل بالغة التعقيد، وتحسين سلاسل الإمداد العابرة للحدود، وإنتاج محتوى إبداعي -أضحى اليوم منظومة أدوات ناضجة قابلة للنشر واسع النطاق عبر مختلف القطاعات.
أثار الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي موجةً من التساؤلات المحورية لدى صانعي السياسات والاقتصاديين وقادة الأعمال، وعلى رأسها ما إذا كان هذا التحوّل التكنولوجي قادرًا على الإسهام الفعلي في دفع معدلات النمو الاقتصادي على المستوى الوطني، فضلًا عن تحديد الشروط المؤسسية والاقتصادية التي تسمح بتحويل هذه القدرات من وعود تقنية إلى مكاسب إنتاجية ملموسة ذات أثر مستدام.
تُظهر النماذج الاقتصادية الكلية، المدعومة بأدلة تجريبية راسخة، ميلاً واضحًا نحو تحقيق آثار إيجابية، وإن كانت هذه الآثار تظل رهينة جملة من القيود الهيكلية. فالذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا عامة الأغراض، لا يقتصر تأثيره على تحسين الكفاءة التشغيلية، بل يؤدي دورًا بنيويًا أوسع بوصفه محرّكًا للابتكار، ووسيلة لتعزيز الإنتاجية، وأداة لإعادة هيكلة الأنماط الاقتصادية القائمة.
كما شهد حضور الذكاء الاصطناعي واعتماده توسّعًا ملحوظًا، ولا سيما مع بروز تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما يتجلّى في تطبيقات مثل ChatGPT وGitHub Copilot، وهو ما أسهم في ترسيخه بوصفه مصدرًا متقدمًا للمعلومات والبيانات، بما يعود بالنفع على الشركات والاقتصاد الوطني الأوسع. غير أنّ تعظيم هذه الفوائد يظل مشروطًا بتوافر بنية تحتية قوية ورأس مال بشري مؤهّل قادر على التكامل الفعّال مع هذه التقنيات.