يركز برنامج الدراسات السياسية والأمنية على العلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية التي لها انعكاس مباشر على منطقة الشرق الأوسط، نأمل في تعزيز فهم واقعي لسياسات المنطقة في ظل التحديات الإقليمية والدولية.
لعبت المؤسسات الدولية لعقودٍ طويلة دور المرجعية الأساسية للأمن العالمي والمنسق الأول لإدارة الأزمات العابرة للحدود، غير أن إخفاقاتها المتتالية في احتواء الأزمات الراهنة كشف عن تصدعات هيكلية عميقة في بنيتها، مما ولّد حالة غير مسبوقة وملموسة من انعدام الثقة في دورها. ومع ذلك، فإن اختزال هذا المشهد في مجرد "حالة تراجع" يتجاهل تحولاً استراتيجياً أعمق تشهده أُطر حوكمة النظام العالمي؛ فهذه الأزمة، النابعة من التوزيع العتيق والتفاوت الممنهج في موازين القوى، ليست مجرد انهيار للنظام الليبرالي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، بل هي أشبه بـ "عملية تصحيح مسار" لواقع القوة. وأمام اتساع فجوة التمثيل داخل هذه المؤسسات والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي، لم تعد القوى الناشئة والمتوسطة تكتفي بمناشدة الإصلاح من داخل المؤسسات ذاتها؛ بل انتقلت لتبني استراتيجية تُعرف بـ "التحوط المؤسسي" عبر بناء خيارات وبدائل موازية، وعليه، يخلص هذا التحليل إلى أن نظام العمل متعدد الأطراف لم يلفظ أنفاسه الأخيرة، بل يتحول إلى سوق تنافسي للحوكمة، تتجاوز فيه الدول بيروقراطية الكيانات القديمة لصالح تحالفات "مصغرة" مرنة وتكتلات براغماتية تلبي مصالحها المباشرة.
لم يعد النجاح التجاري للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وقراراته المتعلقة بالحوكمة يمثلان مسارين منفصلين، بل أصبحا، على نحو متزايد، وجهين لمنظومة واحدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع آليات إدارة اللعبة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة الأطراف المستفيدة من النموذج التجاري الحديث لكأس العالم، وكيف باتت إيرادات "فيفا" تعتمد بدرجة متزايدة على حضور النجوم وإقامة المواجهات الجماهيرية الكبرى، وما إذا كان هذا الاعتماد يفضي إلى نشوء حوافز مؤسسية قد تثير تساؤلات بشأن بعض القرارات المتعلقة بأهلية المشاركة أو التحكيم.
وتزداد أهمية هذه الإشكالية في ضوء الحجم غير المسبوق لنسخة كأس العالم 2026، التي تمثل الأكبر والأعلى قيمة تجارية في تاريخ "فيفا". كما تستند منظومة رعاية البطولة إلى هيكل متعدد المستويات يضم علامات تجارية عالمية وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع الأندية، بما يعكس اتساع المصالح الاقتصادية المرتبطة بالبطولة. وفي الوقت نفسه، شهدت منافسات هذا العام تراجعات عن قرارات تأديبية، إلى جانب حالات أثارت جدلًا تحكيميًا، ربطها منتقدون بصورة مباشرة بالحوافز التجارية التي تمثل أحد المحركات الرئيسة لإيرادات "فيفا".
وتستند هذه الدراسة إلى الإفصاحات المالية الصادرة عن "فيفا"، وبيانات الرعاية، والتغطيات المعاصرة للبطولة، مع الالتزام بالفصل بوضوح بين الوقائع الموثقة والتفسيرات محل الجدل. كما تميز بين ما تثبته الأدلة وما يندرج في إطار القراءات والتحليلات الإعلامية، ولا سيما في الحالات التي طُرحت فيها قرارات تحكيمية أو تأديبية باعتبارها مثارًا للتساؤل والنقاش، لا بوصفها دليلًا على وجود تلاعب.
في 17 يونيو 2026، أصدرت الصين أول كتاب أبيض شامل حول الحوكمة العالمية بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها"، في خطوة تعكس سعيًا صينيًا متواصلًا إلى إعادة صياغة رؤيتها للنظام الدولي، وتعزيز دورها في رسم قواعده المستقبلية. ويطرح الكتاب تصورًا متكاملًا للحوكمة العالمية، يقوم على إعادة صياغة المبادئ والمؤسسات الناظمة للنظام الدولي، مع التأكيد على التعددية وتعزيز دور الأمم المتحدة بوصفهما الركيزتين الأساسيتين لهذا التصور. غير أن القراءة المتأنية للوثيقة تكشف أن بكين تراهن على نموذج للقيادة يستمد نفوذه من صياغة القواعد والمعايير الدولية، أكثر مما يستند إلى تحمل الأعباء المالية والعسكرية التي ارتبطت تاريخيًا بقيادة النظام الدولي. ويأتي صدور هذا الكتاب الأبيض في وقت تواجه فيه الصين متغيرات داخلية متسارعة، وفي مقدمتها التحديات الهيكلية التي تضغط على اقتصادها. ويوفر هذا السياق مفتاحًا لفهم تركيز بكين على القوة المعيارية بوصفها بديلًا عن أنماط القيادة التقليدية الأعلى كلفة. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تنطلق منه هذه الدراسة: هل يستطيع النموذج الصيني، القائم على تقليص كلفة القيادة العالمية، تحويل نفوذه المعياري إلى قيادة جيوسياسية مستدامة؟
التزمت إسرائيل -لأكثر من ثلاثة عقود- بسياسة الغموض الاستراتيجي تجاه مذابح الأرمن، مفضلةً الامتناع عن الاعتراف الرسمي بها، رغم تعالي الأصوات الداخلية —برلمانياً وأكاديمياً— المطالبة باتخاذ موقف حاسم. لم يكن هذا التردد الإسرائيلي عشوائياً، بل كان نتاج حسابات براغماتية دقيقة تهدف إلى حماية شبكة معقدة من المصالح الحيوية؛ إذ مثّل هذا الصمت ضمانة لاستمرار التحالفات الوثيقة مع كل من أنقرة وباكو، وحافظ على شريان تدفق النفط، وتأمين طرق النقل التجاري، فضلاً عن حماية التواجد الاستخباراتي الإسرائيلي الحساس على التخوم الإيرانية.
لكن المشهد تبدل جذرياً في يونيو عام ٢٠٢٦، حين اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً يتبنى رسمياً توصيف الإبادة الجماعية. هذا التحول المفاجئ فجّر غضباً أذربيجانياً غير مسبوق، حيث سارعت باكو إلى إدانة الخطوة بشدة، واصفةً إياها بـتشويه للحقائق التاريخية وافتقاراً لأي أساس قانوني أو علمي، ومطالبةً إسرائيل بمراجعة موقفها فوراً. في هذه اللحظة، تجلت ملامح مثلث التناقضات بوضوح: فبينما تُسوّق إسرائيل قرارها بغلاف أخلاقي، تكشف الوقائع عن دوافع سياسية وانتقامية محضة. هكذا، زجّت تل أبيب بنفسها في مواجهة مكشوفة مع تركيا، وصدام مكتوم مع أذربيجان، في وقت تقف فيه إيران متربصة لالتقاط أي فرصة تُمكّنها من تقليص النفوذ الإسرائيلي الخانق على حدودها الشمالية.
تجاوز صعود تركيا، بوصفها قوة صناعية دفاعية، مجرد كونه تفصيلاً ثانوياً في سياسات حلف الناتو؛ ليغدو تحولاً هيكلياً عميقاً يلقي بظلاله على طرق تجهيز الحلف، وتوجهات القوى الإقليمية نحو تنويع مصادر تسليحها، فضلاً عن كيفية ممارسة النفوذ الاستراتيجي بين أوروبا، والولايات المتحدة، والشرق الأوسط. وفي حين يتركز النقاش العام حول الناتو على مسألتي تقاسم الأعباء والتهديدات الخارجية، يتكشف بهدوء تحول استراتيجي موازٍ؛ إذ تؤسس تركيا ممراً صناعياً يربط بين احتياجات الحلف، وأسواق التصدير الإقليمية، وطموحاتها التكنولوجية الوطنية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية مضاعفة مع الاستعدادات الجارية لاستضافة أنقرة القمة السادسة والثلاثون في السابع والثامن من يوليو لعام ٢٠٢٦. ولا تقتصر أهمية هذه القمة المرتقبة على الجمع السياسي للقادة، بل تبرز الدور المتنامي لقطاع الدفاع التركي الذي شهد توسعاً ملحوظاً وتطوراً نوعياً في الآونة الأخيرة، فقد نجحت أنقرة في توظيف هذا التطور لتوسيع قاعدة عملائها الاستراتيجيين؛ لتشمل أسواقاً حيوية في أوروبا، والخليج العربي، وأفريقيا، وآسيا.
ولا يسفر هذا المسار المتسارع عن إيجاد بديل لحلف الناتو، كما لا يشكل تكتلاً مناهضاً للغرب من الداخل، بل يفرز واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً وأهمية يتمثل في تقديم مصدر بديل وموثوق للقدرات العسكرية داخل منظومة الحلف ذاتها، تلجأ إليه الدول بشكل متزايد كلما واجهت تباطؤاً، أو قيوداً سياسية، أو عوائق إجرائية من قِبَل واشنطن أو بروكسل. وبذلك، لا تسعى أنقرة إلى بناء تحالف منافس، بل تشق مساراً صناعياً وتسليحياً مرناً ضمن التحالف القائم.
لطالما شكّلت بطولة كأس العالم فضاءً عالميًا يتجاوز حدود الرياضة، إذ تجمع جماهير من مختلف أنحاء العالم حول مباريات مشوقة، وتخلق روابط إنسانية عابرة للثقافات والهويات. غير أن النسخة الحالية من البطولة، التي تستضيف الولايات المتحدة القسم الأكبر من مبارياتها، باتت محط موجة واسعة من الانتقادات، امتدت من إشكاليات فوارق التوقيت إلى قضايا أكثر حساسية وإثارة للجدل، من بينها ارتفاع أسعار التذاكر، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلًا عن تشديد سياسات الهجرة.
وقد تجسدت هذه السياسات في توظيف وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لمراقبة الملاعب ورصد المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب إلغاء التأشيرات وترحيل مهاجرين مقيمين بصورة قانونية قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة. ولم تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على إثارة انتقادات واسعة بين الجماهير فحسب، بل دفعت أيضًا إلى تصاعد التساؤلات بشأن مدى أهلية الولايات المتحدة لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.
ومن ثم، تكشف هذه النسخة من كأس العالم بوضوح كيف يمكن للدول توظيف الحدود وحرية التنقل كأدوات لحماية مصالحها وإبراز قوتها. ففي هذه الحالة، لا تبدو الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، مجرد ساحة محايدة لـ"اللعبة العالمية" التي تروّج لها الفيفا، بل تظهر بوصفها فاعلًا سياسيًا نشطًا يستخدم التأشيرات، والإجراءات الأمنية، والضوابط الحدودية للتحكم في من يُسمح له بالتنقل، ومتى، وتحت أي شروط.
أظهرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمًا واضحًا على إعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، باعتبارها إحدى الدوائر الرئيسة في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، عادت كوبا إلى واجهة المشهد بوصفها إحدى أبرز بؤر التوتر في المنطقة. ومع التوسع المتواصل للنفوذ الاقتصادي والاستراتيجي لكل من بكين وموسكو في هافانا، تحولت كوبا إلى ساحة رئيسة للتنافس بين القوى الكبرى، تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا. وانطلاقًا من اعتبار هذا الحضور المتنامي تهديدًا مباشرًا، صعّدت واشنطن من حدة خطابها تجاه الجزيرة. والأهم أن الإدارة وصفت كوبا صراحة بأنها "دولة فاشلة"، وهو توصيف لا يسلط الضوء على عمق أزماتها الداخلية فحسب، بل يعكس أيضًا قناعة واشنطن بأن التدخل الاستباقي والحاسم بات ضرورة للحيلولة دون تفاقم حالة عدم الاستقرار في جوارها المباشر.
ويعكس هذا الانخراط الأمريكي المتزايد في نصف الكرة الغربي توجهًا راسخًا نحو إحكام السيطرة الإقليمية والحد من تمدد المنافسين الجيوسياسيين. ولا ينفصل هذا التوجه عن الإرث الاستراتيجي لعقيدة مونرو، التي قامت تاريخيًا على تكريس الهيمنة الأمريكية في القارة الأمريكية ورفض أي نفوذ خارجي داخلها. وفي خضم هذا التصعيد المتنامي، يبرز تساؤل استراتيجي محوري: هل باتت الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى التدخل العسكري المباشر لحسم الملف الكوبي، أم ستواصل انتهاج سياسة "الضغط الأقصى"، بالاعتماد على أدوات قسرية تشمل العقوبات الاقتصادية المشددة، والعزلة الدبلوماسية، والضغط السياسي، من أجل تحقيق أهدافها بعيدة المدى؟
يبدو أن تحوّل الحرب في أوكرانيا من مواجهة ميدانية مباشرة إلى استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف استنزاف المجهود الحربي الروسي بصورة منهجية، بدأ يترك أثرًا متزايدًا على تماسك النخبة الحاكمة في موسكو، مع تعمّق الانقسامات وتصاعد التوترات داخل دوائر السلطة. وقد عزز هذا المسار التقديرات بشأن احتمال حدوث انشقاقات داخل النخبة المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل وفتح الباب أمام سيناريوهات تتعلق بإمكانية إبعاده عن السلطة. ووفق هذا التصور، فإن استمرار الحرب وما يرافقه من استنزاف متراكم قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الاستقرار الداخلي لروسيا وتقويض ثقة النخبة في صلابة النظام، بما قد يفضي في نهاية المطاف إلى تحولات أوسع في المشهد السياسي، وربما إلى تغيّر جذري في بنية النظام نفسه.
غير أن تعقيد بنية النظام الروسي يفرض مسارًا مغايرًا لفهم كيفية انعكاس تنامي استياء النخبة على مسار الأحداث، كما يعيد تشكيل العلاقة بين تصدّع النخبة واستقرار النظام. فمن منظور أكثر عمقًا، لا يقود تصاعد الاستياء داخل النخبة بالضرورة إلى انهيار النظام، بل قد يفضي إلى أنماط أكثر تعقيدًا من التآكل الداخلي مع بقاء النظام قائمًا. وعليه، لم يعد السؤال الاستراتيجي يتمحور حول ما إذا كانت روسيا قادرة على تحمّل الخسائر في ساحة المعركة، بل حول ما إذا كان الكرملين قادرًا على مواصلة الصمود أمام الضغوط التراكمية الناجمة عن تصاعد الإحباط داخل أوساط النخبة الحاكمة، وإلى متى يمكنه احتواء هذا التآكل قبل أن يمتد أثره إلى الركائز التي يقوم عليها النظام نفسه.
لاقى فوز الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦ ترحيباً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الدولية، حيث اعتُبر إنجازاً استثنائياً للدبلوماسية الرياضية العابرة للحدود. وقد سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والدول المستضيفة، من خلال رفع شعار "نحن ٢٠٢٦"، إلى تقديم صورة مثالية للتعاون الإقليمي والتماسك المشترك، مروجين لفكرة انتصار القوة الناعمة للرياضة على الخلافات الجيوسياسية المعقدة.
ولكن مع حلول صيف عام ٢٠٢٦، اصطدمت هذه الوعود بواقع سياسي متناقض تماماً. فبدلاً من أن تعكس البطولة صورة للوحدة وسلاسة التنقل والحدود المفتوحة، كشفت التحضيرات لتنظيم هذا الحدث الضخم عن انقسامات عميقة وإجراءات أمنية صارمة تسيطر على قارة أمريكا الشمالية. وبذلك، تحولت بطولة كأس العالم من أداة للتكامل الإقليمي إلى عدسة مكبرة تفضح التناقضات السياسية الحادة التي تشكل السياسات الداخلية والخارجية للدول المستضيفة.
اعتمد المشهد السياسي في المملكة المتحدة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية على نظام حزبي ثنائي مستقر، حيث ترسخ هذا التوازن هيكلياً عبر نظام "الفائز الأول" (First-Past-The-Post) الانتخابي الذي ضمن سيطرة حزبي العمال والمحافظين على الحكم لما يقارب قرن. وأظهرت نتائج الانتخابات المحلية التي جرت في مايو ٢٠٢٦ تغيراً واضحاً في هذا النظام، وكشفت هذه النتائج عن تشتت الكتلة التصويتية وتوجهها نحو خمسة أحزاب رئيسية، إثر تقدم حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، وزيادة الدعم لحزب الخضر، واحتفاظ التيارات القومية الإقليمية بتأثيرها. وانخفضت الحصة التصويتية المشتركة للحزبين التقليديين إلى مستوى تاريخي غير مسبوق بلغ ٣٧.٧٪ نتيجة التشتت السريع بمتغيرات اقتصادية مستمرة، وتراجع فاعلية العقد الاجتماعي، وضعف المؤسسات في تقديم الخدمات، لتبرز أزمة هيكلية داخل النظام تفرض إعادة تقييم مسار النظام البريطاني؛ لتحديد اتجاه الدولة نحو نظام دائم متعدد الأحزاب مشابه للنموذج الأوروبي، أو قدرة الآليات الهيكلية لبرلمان وستمنستر على إعادة فرض توازن جديد لنظام الحزبين.
ظهرت الانقسامات بين المسؤولين الإيرانيين بوضوح في أواخر أبريل ٢٠٢٦. حيث يعارض التيار المتشدد تقديم أي تنازلات في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، ويطالب بإبعاد ملف البرنامج النووي تمامًا عن طاولة التفاوض، بينما يرفض تيار آخر أكثر تشددًا الدخول في مفاوضات من الأساس. وفي المقابل، يدعو التيار المعتدل إلى الانخراط في مفاوضات الملف النووي، رغم تمسكه بمبادئ الثورة الإسلامية. ويدرك هذا التيار أن التفاوض قد يساهم في رفع العقوبات جزئيًا، ويخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين نتيجة التدهور الاقتصادي المستمر، كما يرى أن إنهاء الحرب بات ضرورة استراتيجية، وخاصة بعد أن استنزفت القدرات العسكرية الإيرانية، وتسببت في مقتل قيادات بارزة.
وامتدت هذه الانقسامات لتتضح داخل الجهاز الدبلوماسي للنظام الإيراني. وصدرت تصريحات متناقضة من أعضاء الوفد الإيراني ذاته خلال زيارة إلى إسلام آباد يومي ٢٣ و٢٤ أبريل ٢٠٢٦. وتطرح هذه الخلافات تساؤلات مباشرة حول مستقبل مساري المفاوضات والحرب، وتبرز السيناريوهات المحتملة التي قد تنتج عن هذه الانقسامات داخل النظام الإيراني.
لم تسلم دولة أو مجتمع أو مؤسسة من الاضطرابات التي أطلقتها الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، غير أن التحول الأكثر إثارة ربما لم يتجسد في ميادين القتال بقدر ما ظهر داخل بنية أقوى مؤسسة عسكرية في العالم. ففي خضم الحرب، أطلق وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث حملة إقصاء واسعة استهدفت أعلى مستويات القيادة العسكرية، عبر الإطاحة بعدد من كبار المسؤولين بأسلوب بدا أقرب إلى إعادة إحكام السيطرة على مراكز النفوذ داخل المؤسسة، منه إلى مجرد عملية إعادة تنظيم مرتبطة باعتبارات الأمن القومي أو ضرورات إدارة الحرب. وفي هذا السياق، لا تبدو هذه التحركات مجرد تغييرات إدارية عابرة، بل تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن طبيعة التحول الجاري داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية. فهل يسعى هيجسيث إلى إعادة تشكيل الجيش بما يخدم أجندة سياسية تتجاوز الحسابات الاستراتيجية التقليدية؟ وهل تمثل هذه الإقالات محاولة لتحصين موقعه داخل الإدارة في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالحرب؟ وهل تكشف هذه التحولات عن وجود اعتراضات داخلية أوسع على مسار المواجهة العسكرية؟ والأهم من ذلك، إلى أي جهة ستؤول في النهاية مرجعية هذا الجيش بعد إعادة تشكيل بنيته القيادية والعقائدية؟