لعبة الجغرافيا: لماذا تسعي واشنطن للسيطرة على الجزر؟
البرامج البحثية

لعبة الجغرافيا: لماذا تسعي واشنطن للسيطرة على الجزر؟

تشهد السياسة الخارجية الأمريكية تغييراً واضحاً في الآونة الأخيرة؛ إذ تبتعد عن المبادئ الدولية التقليدية وتتجه نحو أسلوب عملي يعتمد على المصالح المباشرة. وفي ظل هذا التغيير، يزداد الاهتمام الاستراتيجي بالجزر والممرات البحرية الضيقة كأدوات أساسية لفرض النفوذ. فلم تعد الجزر مجرد مناطق جغرافية بعيدة، بل أصبحت مواقع حيوية تضمن التفوق في مجالات الطاقة، وتأمين خطوط الإمداد، والملاحة البحرية. ويعكس هذا التوجه رغبة في السيطرة الفعلية على المواقع الجغرافية لضمان التواجد العسكري والنفوذ الاقتصادي، والتحكم في الممرات الأساسية التي تمر عبرها حركة التجارة العالمية.   إن التركيز على الجزر في السياسة الأمريكية الحالية يعكس طريقة تفكير تربط بين الموقع الجغرافي، والتواجد العسكري، والسيادة. وتتعامل هذه السياسة مع المواقع الجغرافية كأدوات يمكن الاستفادة منها عبر الشراء، أو استخدامها للضغط والمساومة. وتُعتبر الجزر، وفقاً لهذه الاستراتيجية، نقاطاً جغرافية محددة يسهل السيطرة عليها أو حمايتها لضمان النفوذ في مناطق أوسع. ويظهر هذا التوجه من خلال التعامل مع مناطق مثل: غرينلاند، وجزيرة خَرْج الإيرانية، وأرخبيل تشاغوس، وجزر فوكلاند في فترة رئاسة دونالد ترامب. وتأسيساً على هذه التحولات، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك المرتكزات الجيوسياسية والمنطلقات الاستراتيجية التي تحكم مقاربة إدارة ترامب لملف الجزر، بوصفها أدوات محورية في إعادة هندسة النفوذ الأمريكي.
آفاق التعاون في الأمن الغذائي بين المجر والإمارات
البرامج البحثية

آفاق التعاون في الأمن الغذائي بين المجر والإمارات

ترتكز المجر على قطاع زراعي راسخ ومتطور يشكّل قاعدة إنتاجية موثوقة تعزز استقرار الإنتاج وتدعم استدامة منظومتها الزراعية على المدى الطويل، إذ تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة والمحاصيل الدائمة نحو 4.3 ملايين هكتار، من بينها قرابة 130 ألف هكتار من الأراضي المروية، بما يعكس قدرة إنتاجية مستقرة وقابلة للتوسع. وتشمل المحاصيل الرئيسية القمح بمساحة 0.9 مليون هكتار، والذرة بمساحة 0.8 مليون هكتار، ودوار الشمس بمساحة 0.7 مليون هكتار، في حين تغطي المراعي نحو 0.8 مليون هكتار وتمتد الغابات على مساحة 2 مليون هكتار، بما يعكس تنوعًا في أنماط الاستخدام الزراعي والموارد الطبيعية. وعلى مستوى الإنتاج الحيواني، تضم البلاد نحو 2.8 مليون رأس من الخنازير و33.8 مليون طائر من الدواجن، وهو ما يعزز من تنوع القاعدة الزراعية ويمنحها مرونة إنتاجية تدعم قدرتها على الإسهام في منظومات الأمن الغذائي على نطاق أوسع.   واتساقًا مع هذه القاعدة الإنتاجية، يعتمد اقتصاد المجر على التصدير بوصفه محرّكًا رئيسيًا للنمو، وهو ما دفع إلى تسريع تبنّي التطورات التكنولوجية وتخفيف القيود المالية، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة، عبر قطاعات متعددة، الأمر الذي انعكس مباشرة في تحسين جودة المنتجات وتعزيز مستويات الربحية. وفي هذا السياق، استفاد القطاع الزراعي بشكل لافت من هذه التحولات، إذ شهدت صادرات المحاصيل والإنتاج الحيواني نموًا متواصلًا على مدى السنوات. وقد شكّلت الصادرات الزراعية نحو 9.1% من إجمالي صادرات المجر في عام 2024، وتوزعت على سلع رئيسية تشمل الحبوب ومنتجاتها بنسبة 13%، وأعلاف الحيوانات بنسبة 12%، واللحوم ومنتجاتها بنسبة 9%، ومنتجات الألبان بنسبة 5%، إضافة إلى الفواكه والخضروات بنسبة 5%. وانطلاقًا من ذلك، يعزّز الدور المتقدم للمجر في القطاع الزراعي قدرتها على تبنّي مقاربات فعّالة لمعالجة تحديات الأمن الغذائي، بما يوسّع في الوقت ذاته نطاق العوائد الاستراتيجية للدول التي تنخرط في شراكات معها.     ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة والمجر بشراكة متينة تتجاوز الإطار الجغرافي التقليدي، إذ شهدت العلاقات الثنائية منذ إقامة الروابط الدبلوماسية بين البلدين مسارًا تصاعديًا نحو مستويات متقدمة من التنسيق والتكامل عبر مجالات متعددة، تشمل الطاقة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يعكس هذا الزخم التعاوني قابلية استراتيجية لتوسيع نطاق الشراكة بين أبوظبي وبودابست بما يتجاوز القطاعات التقليدية، ليشمل التعامل مع أحد أبرز التحديات العالمية المستمرة، والمتمثل في الأمن الغذائي.   وانطلاقًا من هذا الزخم التعاوني، تمتلك المجر قاعدة زراعية متقدمة وإمكانات إنتاجية معتبرة، في حين ترسّخ دولة الإمارات موقعها بوصفها بوابة إلى الأسواق العالمية، ومركزًا للتكنولوجيا، ومصدرًا فاعلًا لرأس المال. وعلى هذا الأساس، تبرز بين البلدين فرص نوعية لتطوير شراكة غذائية تتفوق في إمكاناتها على ما هو قائم مع بقية دول المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن لبودابست أن تؤدي دور حلقة ارتكاز في سلاسل إمداد الغذاء، تربط أوروبا الوسطى بالشرق الأوسط عبر موانئ البحر الأدرياتيكي، مدعومةً بالتعاون في التقنيات الزراعية بما يعزز كفاءة الإنتاج والنقل. وفي المقابل، يمكن لموانئ دولة الإمارات أن تؤدي دور حلقة وصل استراتيجية تتيح نفاذ المنتجات المجرية إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا بكفاءة أعلى، بما يرسّخ تكاملًا وظيفيًا بين القدرات الإنتاجية واللوجستية للطرفين.
محركات الحرب: لماذا يُعدّ قطاع السيارات الأسرع في التحول نحو الإنتاج العسكري؟
البرامج البحثية

محركات الحرب: لماذا يُعدّ قطاع السيارات الأسرع في التحول نحو الإنتاج العسكري؟

تتجه أنماط النزاعات المسلحة الحديثة من العمليات العسكرية المحدودة زمنياً والمستندة إلى التقنيات المتقدمة ذات الإنتاج المحدود، إلى صراعات ممتدة تعتمد على الاستنزاف الصناعي والتشغيل الواسع للأنظمة المستقلة. ويُظهر هذا التحول قصوراً في القدرات الإنتاجية لقطاع الصناعات الدفاعية التقليدية. ومع تراجع مخزونات الذخائر نتيجة للنزاعات الحالية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، أظهرت التقييمات العسكرية أن القدرة التصنيعية، ومرونة سلاسل التوريد، وسرعة التعبئة الصناعية تُعد محددات رئيسية في المنافسة الاستراتيجية، بالتوازي مع الابتكارات التقنية.   واستجابة لهذه المعطيات، تتجه دوائر الأمن القومي نحو تفعيل نماذج تاريخية تعتمد على إدماج قطاع التصنيع التجاري لدعم الإنتاج العسكري. وقد سبق تطبيق هذا النهج خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث وُجهت خطوط الإنتاج المدنية لشركة "فورد" لتصنيع قاذفات القنابل، وأنشأت شركة "كرايسلر" منشآت متخصصة لإنتاج الدبابات، فيما خصصت شركة "جنرال موتورز" قدراتها لتصنيع محركات الطائرات والذخائر.   وتتطلب بيئة العمليات العسكرية الراهنة توفيراً مستمراً للمنصات الميكانيكية التقليدية والأنظمة القابلة للاستهلاك، كالطائرات المسيرة والمركبات التكتيكية المزودة بأجهزة استشعار. وفي ظل تجاوز الاحتياجات الميدانية للطاقة الإنتاجية للمصانع الدفاعية، يبرز قطاع السيارات كخيار صناعي يمتلك البنية التحتية اللازمة للجمع بين الإنتاج الضخم والتصنيع الميكانيكي المعقد، وهو ما يستوجب تحليل المقومات والفنية التي تجعله القطاع الأنسب للتحول نحو دعم المجهود العسكري.
من الصمود إلى الصعود: كيف تحوّل الإمارات الأزمات إلى فرص
البرامج البحثية

من الصمود إلى الصعود: كيف تحوّل الإمارات الأزمات إلى فرص

يقع الكثير من المحللين في خطأ منهجي متكرر عند تقييم مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة في خضم الاضطرابات الإقليمية؛ إذ يعمدون إلى قياس مناعة الدولة بمدى بُعدها الجغرافي عن بؤر الخطر، متجاهلين قدرتها الفائقة على إعادة ابتكار ذاتها في مواجهة ما يعترضها من أزمات. هذا الخطأ تحديداً هو ما يمنح السرديات التشاؤمية حول "أفول نجم الخليج" صدىً في القراءات الأولية المتعجلة، وهي سرديات سرعان ما تتهاوى أمام لغة الأرقام وصلابة الوقائع. فالإمارات لم تتجاوز الأزمات الكبرى التي عصفت بالمنطقة عبر العقود الماضية بفضل الاحتماء بمسافات آمنة أو مظلات خارجية، بل تجاوزتها لامتلاكها مقومات أعمق وأكثر ديمومة: تتمثل في براعتها في تحويل الصدمات إلى إصلاحات جادة، والارتقاء بتلك الإصلاحات لتصبح ميزة تنافسية راسخة.   من هنا لا يهدف هذا التحليل إلى التقليل من حجم التحديات التي تفرضها حرب إقليمية باتت تلقي بظلالها الثقيلة على أمن مضيق هرمز، وأسواق التأمين البحري، وتدفقات الاستثمار؛ بل يمثل مسعىً منهجياً للإجابة عن ثلاثة تساؤلات محورية مترابطة: كيف تمكنت الإمارات من تجاوز الأزمات الكبرى تاريخياً؟ وكيف استبقت اندلاع الأزمة الراهنة بتحصين بنيتها التحتية ومنظومتيها الاقتصادية لضمان استدامة صمودها؟ وأخيراً، كيف يمكن مقاربة المشهد الحالي، لا بوصفه إيذاناً بنهاية نموذج تنموي، بل باعتباره تمهيداً لمرحلة أكثر نضجاً ورسوخاً في صلب الاقتصاد العالمي.
هل يستطيع ترامب الانسحاب من حلف الناتو؟
البرامج البحثية

هل يستطيع ترامب الانسحاب من حلف الناتو؟

بلغ المشهد الجيوسياسي نقطة تحول حرجة وشديدة التقلب، تتسم بانقسامات عميقة بين ضفتي الأطلسي وتزعزع غير مسبوق في بنية الأمن العالمي، وأشعل الصراع العسكري العنيف في الشرق الأوسط شرارة هذا التصدع، إذ شنت الولايات المتحدة عمليات عسكرية استباقية ضد إيران، مما دفع طهران للرد بإغلاق مضيق هرمز. ونظراً لمكانة المضيق كممر مائي رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية، طالبت إدارة الرئيس دونالد ترامب الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنشر وحدات بحرية وتقديم دعم عسكري لتأمين المضيق. إلا أن العواصم الأوروبية رفضت هذا الطلب بشكل جماعي   وقد أدى هذا الرفض إلى توتر دبلوماسي مع الإدارة الأمريكية؛ إذ استند الموقف الأوروبي إلى غياب التشاور المسبق، وإلى تقييم استراتيجي يعتبر النزاع حرباً اختيارية تقع خارج النطاق الجغرافي للحلف وتتجاوز مهامه الدفاعية المحددة. ورداً على ذلك، صعدت الإدارة الأمريكية تهديداتها بالانسحاب من حلف الناتو، ووصفته علناً بأنه نمر من ورق، مشككةً في فاعليته العسكرية والسياسية. وقد حولت هذه المواجهة احتمالية التراجع الأمريكي عن الالتزامات الأمنية إلى معطى استراتيجي قيد التقييم الفعلي. وبناءً عليه، انتقلت العلاقات عبر الأطلسي من صيغة الالتزام الثابت إلى التفاعل القائم على تبادل المصالح. ويتطلب تقييم احتمالات الانسحاب الأمريكي مراجعة شاملة للاتفاقيات الدولية المنظمة، والخلافات الدستورية الداخلية التي تُقيد قرارات السلطة التنفيذية، والآثار العسكرية المترتبة على الانسحاب، بالإضافة إلى تحديد سيناريوهات مستقبل المنظومة الدفاعية الأوروبية."
أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
البرامج البحثية

أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟

أثر الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مصالح عدد كبير من الدول. وفي خضم هذا التصعيد، برزت الصين بوصفها طرفًا فاعلًا يسعى إلى الحد من تداعيات الأزمة على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، دعت بكين إلى وقف فوري للهجمات من الجانبين، وإلى ضمان حماية السفن العابرة في مضيق هرمز، قبل أن يعلن وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إرسال مبعوث خاص إلى الشرق الأوسط للمساهمة في جهود الوساطة.   ترتبط الصين بجملة من المصالح المتشابكة في الشرق الأوسط، وهي مصالح تتأثر بدرجة كبيرة بتداعيات الحرب الجارية. ومن المرجح أن تسهم هذه التطورات في إعادة تشكيل الفرص الاستراتيجية المتاحة لبكين في المنطقة، ولا سيما في مجالات أمن الطاقة، ومسارات التجارة، والعلاقات الدبلوماسية مع الفاعلين الإقليميين الرئيسيين. وفي هذا الإطار، يستند نهج السياسة الخارجية الصيني تجاه الشرق الأوسط إلى مقاربة براغماتية تركز على حماية المصالح الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من التوازن الاستراتيجي في علاقاتها مع أطراف المنطقة. وبناءً على ذلك، قد تتيح الحرب لبكين فرصة لإعادة تموضعها في الإقليم واستكشاف آفاق جديدة لتعزيز حضورها، ولا سيما عبر توثيق علاقاتها مع دول أخرى منتجة للنفط، وزيادة استثماراتها في جهود إعادة الإعمار.   وبالمثل، تقوم الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران في جوهرها على إمدادات النفط والاستثمارات واسعة النطاق. غير أن تداعيات الحرب تثير تساؤلات حول مستقبل هذه العلاقة، كما تفتح المجال أمام احتمال أن تعيد بكين النظر في سياستها الخارجية تجاه طهران إذا ما شهدت قدرة إيران على الحفاظ على هذه المصالح تراجعًا محتملاً نتيجة الضغوط التي قد تتعرض لها مواردها وقدراتها بعد الحرب.
صناعة الوهم: كيف حرفت الصحافة الغربية حقيقة ما جرى في دبي؟
البرامج البحثية

صناعة الوهم: كيف حرفت الصحافة الغربية حقيقة ما جرى في دبي؟

شهدت الساحة الجيوسياسية الإقليمية والدولية منذ نهاية شهر فبراير ٢٠٢٦ تصعيداً عسكرياً متسارعاً إثر اندلاع مواجهات مباشرة شملت حملات متقاطعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو الصراع الذي أسفر عن موجات ارتدادية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أثرت بشكل مباشر ومتقطع على المجال الجوي لدول الخليج العربي، وتحديداً دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم أن البنية التحتية الدفاعية والمؤسسية في دولة الإمارات وخصوصًا دبي أثبتت مرونة فائقة واستجابة عملياتية فورية في التعامل مع هذه التهديدات عبر تفعيل أنظمة الاعتراض الجوي المتقدمة، والإدارة الدقيقة والاحترازية لإغلاق المجال الجوي لفترات وجيزة لضمان سلامة الملاحة الجوية وحماية المدنيين، إلا أن الأزمة الحقيقية لم تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل امتدت لتشمل صراعاً معلوماتياً بالغ التعقيد. لقد ترافقت هذه التطورات الميدانية مع تطبيق صارم لقوانين الجرائم الإلكترونية المحلية التي قيدت تداول الصور ومقاطع الفيديو غير المصرح بها لمنع انتشار الذعر وحماية الأمن القومي، وهو ما خلق ذريعة استغلتها الآلة الصحفية الغربية بشكل استراتيجي وممنهج لفرض هيمنتها على مسار تدفق المعلومات وبناء صورة ذهنية مشوهة عن مجريات الأحداث.   وفي خضم هذا التباين الصارخ بين الواقع المادي المتماسك على الأرض والمشهد الافتراضي الذي رُسم عن بُعد، تحولت وسائل الإعلام الدولية، ولا سيما الصحافة الشعبية البريطانية (تابلويد)، إلى منصات لتضخيم الحدث بشكل درامي غير مسبوق، حيث صورت هذه التداعيات الإقليمية العابرة على أنها انهيار حتمي ووشيك لنموذج دبي الاقتصادي والاجتماعي برمته. من خلال تبني عناوين استقطابية واستفزازية تعلن بشكل قطعي أن دبي قد انتهت، وتصوير الأزمة على أنها تحطم مأساوي لحلم الملاذ الضريبي الآمن، اختارت هذه المؤسسات الصحفية مساراً تحليلياً مجافياً تماماً للواقع الميداني، متجاهلة الحقائق المثبتة حول استمرارية الأعمال وقوة المنظومة الأمنية لصالح سردية كارثية مسبقة الصنع، ويستدعي هذا التحول قراءة تحليلية وتاريخية لتفكيك الآليات والدوافع الاقتصادية والسياسية التي تُخرج المؤسسات الصحفية عن دورها كناقل موضوعي للحقائق، لتصبح جزءاً من مسار توجيه الرأي العام العالمي.
تأثيرات الحرب الإيرانية على مسار الحرب الروسية الأوكرانية
البرامج البحثية

تأثيرات الحرب الإيرانية على مسار الحرب الروسية الأوكرانية

أربك اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الجهود الممتدة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، في وقت كانت فيه مسارات التهدئة والتفاوض بين موسكو وكييف تواجه أصلًا تعقيدات عميقة وفرصًا محدودة للتقدّم. فقد أسهمت الضربات التي استهدفت إيران، وما تبعها من ارتدادات إقليمية واسعة في الشرق الأوسط، في زيادة الضغوط على بيئة دولية مثقلة بالأزمات، بما انعكس سلبًا على مسار التسوية في أوروبا الشرقية. وفي هذا الإطار، تثير هذه الحرب تساؤلات جوهرية بشأن حجم تأثيرها في التوازنات الجيوسياسية الأوسع، ولا سيما في ظل احتمال أن تؤدي إلى تحويل الاهتمام الدولي بعيدًا عن الحرب الروسية الأوكرانية، وإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على مسار الصراع بين موسكو وكييف واتجاهاته المقبلة.
ما بعد المعاهدات التقليدية: نحو إعادة تشكيل حوكمة الأسلحة النووية
البرامج البحثية

ما بعد المعاهدات التقليدية: نحو إعادة تشكيل حوكمة الأسلحة النووية

يشهد نظام حوكمة الأسلحة النووية تحوّلًا يتجاوز مجرد تآكل الاتفاقيات القائمة، ليطال الأسس التي قامت عليها منظومة الضبط الاستراتيجي منذ نهاية الحرب الباردة. فلم تعد المعاهدات التقليدية قادرة بالفاعلية نفسها على احتواء التنافس النووي أو تنظيم سلوك القوى المنخرطة فيه، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات وتآكل الثقة وتزايد الاعتماد على الردع الصلب. وفي هذا السياق، يتراجع منطق الضبط التعاوني لصالح مقاربات أكثر حدة تقوم على فرض الوقائع بالقوة. ففي 4 فبراير 2026، انتهت معاهدة New START دون أي مؤشرات جدية على تجديدها، في دلالة واضحة على عمق التآكل الذي أصاب منظومة الحد من التسلح. وبعد أسابيع قليلة، شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 فبراير 2026، في تنفيذ ضربات ضد إيران، مبررتين ذلك بتعثر المفاوضات النووية وغياب أي تقدم ملموس فيها. وتكشف هذه التطورات أن البيئة النووية العالمية لم تعد تُدار بالمنطق المؤسسي الذي حكمها في العقود الماضية، بل باتت تتحرك بصورة متزايدة تحت ضغط الردع القسري والتفوق الاستراتيجي وفرض الوقائع بالقوة.   وفي موازاة ذلك، تتزايد دوافع بعض الدول لتطوير قدراتها النووية، في مقابل تمسك قوى نووية قائمة باحتكار موازين الردع ومنع أي إعادة توزيع لها. ومن ثم، لم يعد التحدي مقتصرًا على مستقبل الحد من الانتشار النووي، بل امتد إلى مستقبل الحوكمة النووية ذاتها وحدود قدرتها على الصمود في بيئة دولية تتراجع فيها الضوابط وتتقدم فيها اعتبارات القوة. يثير هذا التحول تساؤلات جوهرية حول احتمال انتقال النظام الدولي من معاهدات الحدّ من التسلح التقليدية إلى نمط جديد لحوكمة الأسلحة النووية. وقد تتبلور مرحلة مختلفة تقوم على الإشارات غير الرسمية والتقديرات الاستراتيجية المتبادلة، بما يطرح شكوكًا حول كفاية هذا النمط في ضمان التحقق من الالتزام. وفي المقابل، يظل أي نظام نووي ناشئ محاطًا بدرجة عالية من عدم اليقين، سواء من حيث آليات تطبيقه وفاعليته، أو عدد الدول المستعدة للانخراط فيه، فضلًا عن قدرته على كبح مسار قد يدفع العالم نحو مواجهة نووية.
أنسنة الطاقة: هل تنجح خطة البحر الاسود في حل أزمة مضيق هرمز؟
البرامج البحثية

أنسنة الطاقة: هل تنجح خطة البحر الاسود في حل أزمة مضيق هرمز؟

يمر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بتحولات هيكلية إثر اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. ورداً على هذا التصعيد، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وناقلات النفط، معتمدة على قدراتها غير المتكافئة من الألغام البحرية، والصواريخ المتقدمة، والطائرات المسيرة لتحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية.   ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال. إذ أسفر الإغلاق عن تداعيات اقتصادية فورية تمثلت في توقف حركة الملاحة، وامتناع شركات التأمين عن تقديم تغطيتها للسفن، فضلاً عن تسجيل ارتفاع حاد في أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل. وفي مسعى لاحتواء الأزمة، طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة دبلوماسية تقضي بإنشاء ممر بحري آمن في مضيق هرمز تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان تدفق إمدادات الطاقة بسلام.   وتستند مبادرة كالاس إلى محاكاة "مبادرة البحر الأسود" التي أتاحت تصدير الحبوب الأوكرانية بضمانات دولية، وتأتي التحركات الأوروبية مدفوعة بمخاوف من أن انقطاع إمدادات الغاز سيقوض الإنتاج العالمي للغذاء لارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة الزراعية، وتهدف المبادرة إلى تحييد سفن الطاقة عن دائرة الاستهداف العسكري لتأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي ضوء هذه المعطيات، وهو ما يطرح تساؤل حول مدي جدوى هذه المبادرة في حلحلة الأزمة الراهنة؟ وما هي الخيارات المتاحة في حال فشل تنفيذ مقترح البحر الأسود؟
من شركاء حرب إلي خصوم سياسة… هل تشعل إيران الخلاف بين ترامب ونتنياهو؟
البرامج البحثية

من شركاء حرب إلي خصوم سياسة… هل تشعل إيران الخلاف بين ترامب ونتنياهو؟

اتسمت الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بقدرة استثنائية على استيعاب التباينات التكتيكية وإدارتها؛ إلا أن التطورات التي رافقت إطلاق عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية بالتزامن مع عملية "الأسد الزائر" الإسرائيلية في أواخر فبراير 2026، وضعت هذا التحالف أمام اختبار غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. فعلى الرغم من أن هذه الحملة المنسقة حققت في انطلاقتها نجاحات عملياتية حاسمة، والتي تمثلت في القضاء على المرشد الأعلى الإيراني وتفكيك الهيكل القيادي للحرس الثوري، إلا أن مشهد التوافق المطلق الذي يُصدره الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخفي في طياته تناقضات جوهرية في الرؤى والأهداف. وبالقراءة الدقيقة لتاريخ هذه العلاقة ومحدداتها السياسية الحالية تؤكد أن إطالة أمد هذا الصراع ستُعري التباين الحاد في المصالح الاستراتيجية لكلا العاصمتين، مع حتمية تحول المعركة من ضربات خاطفة إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة تتجاوز عاقبتها واشنطن وتل أبيب، ستتحول هذه التباينات إلى تصدعات هيكلية عميقة. تقدم هذه الورقة تحليلاً استراتيجياً لتفكيك هذه الديناميكية، مبينة كيف أن الاختلاف الجذري في القدرة على تحمل التبعات الاقتصادية، واستيعاب الخسائر البشرية، والارتهان لجداول انتخابية صارمة، سيحيل الخلافات التكتيكية المكتومة إلى شرخ استراتيجي معلن يصعب تجاوزه أو إنكاره.
معضلة الصاروخ والمسيّرة: حين يصبح الدفاع أغلى من الهجوم
البرامج البحثية

معضلة الصاروخ والمسيّرة: حين يصبح الدفاع أغلى من الهجوم

تغيرت الطبيعة الأساسية لحروب الجوفضائية الحديثة تغيراً جذرياً ونهائياً؛ فـقد تحولت الجيوش من استخدام الأسلحة المتقدمة والمكلفة، إلى الاعتماد على الاستنزاف الصناعي والأسلحة الرخيصة التي تُنتج بكميات ضخمة، وقد ظهر هذا الواقع العملياتي بوضوح في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦، وذلك بالتزامن مع بدء القوات الأمريكية لعملية "الغضب الملحمي"، وتنفيذ الجيش الإسرائيلي لعملية "الأسد الهادر" الموازية لها.   بسبب انهيار المفاوضات النووية، أطلق التحالف العسكري حملة استباقية واسعة النطاق. ومن ثَمَّ، حشد التحالف قوة جوفضائية هائلة، فـقصف أكثر من ألف هدف استراتيجي داخل الأراضي الإيرانية خلال ال ٢٤ساعة الأولى. أمَّا القوات الأمريكية فـقد نفذت بمفردها أكثر من ٩٠٠ ضربة دقيقة في أول ١٢ ساعة، مستخدمةً قاذفات التخفي، والمقاتلات البحرية، وصواريخ كروز. ثُمَّ ارتفع عدد الضربات ليتجاوز ١٢٥٠ضربة موجهة خلال ٤٨ ساعة. وفي الوقت نفسه، نفذت القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من ٧٠٠طلعة جوية في اليوم الأول، وألقت أكثر من ١٢٠٠ قذيفة، لكي تحقق نجاحات تكتيكية فورية وتفرض سيطرتها الجوية.   على الرغم من هذا الهجوم المكثف، إلا أنَّ الرد الفوري والمستمر من جانب الحرس الثوري الإيراني، عبر عملية "الوعد الصادق ٤"، فرض ضغطاً كبيراً ومستمراً على منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للولايات المُتحدة وإسرائيل. فـخلال أول ٤٨ ساعة من النزاع، أطلقت إيران حوالي ٤٢٠ صاروخاً باليستيًا متوسط المدى لاستهداف إسرائيل بالإضافة لعدة دول أخرى في المنطقة. ولم يقتصر الهجوم على ذلك، بَل رافقه إطلاق أعداد هائلة من الطائرات المسيرة الهجومية، اسقطت إسرائيل الغالبية العظمى منها مُستنفذةً آلاف الصواريخ الاعتراضية من منظومات الدفاع الجوي.   كشف هذا الاستهلاك السريع للصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة -التي تكلف ملايين الدولارات- في مواجهة أسلحة معادية رخيصة الثمن وكثيرة العدد، عن ضعف واضح في خطوط الإمداد العسكرية المعاصرة، ونظرًا لـعدم قدرة قطاع الصناعات الدفاعية العالمي على تعويض هذه الأسلحة المتقدمة بنفس سرعة استهلاكها في المعارك، فـإن كلا الطرفين يواجهان خطر نفاد المخزون العسكري قريباً. بناءً على ذلك، إذا أراد أي طرف مواصلة الحرب وتحقيق نصر استراتيجي حاسم، فـمن الضروري استبدال هذه الأسلحة المتقدمة والمكلفة ببدائل أخرى رخيصة يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة، أي يجب تغيير العقيدة العسكرية للتركيز على الكثافة العددية والقدرة على تحمل الاستنزاف المستمر.