شهدت الساحة الجيوسياسية الإقليمية والدولية منذ نهاية شهر فبراير ٢٠٢٦ تصعيداً عسكرياً متسارعاً إثر اندلاع مواجهات مباشرة شملت حملات متقاطعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو الصراع الذي أسفر عن موجات ارتدادية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أثرت بشكل مباشر ومتقطع على المجال الجوي لدول الخليج العربي، وتحديداً دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم أن البنية التحتية الدفاعية والمؤسسية في دولة الإمارات وخصوصًا دبي أثبتت مرونة فائقة واستجابة عملياتية فورية في التعامل مع هذه التهديدات عبر تفعيل أنظمة الاعتراض الجوي المتقدمة، والإدارة الدقيقة والاحترازية لإغلاق المجال الجوي لفترات وجيزة لضمان سلامة الملاحة الجوية وحماية المدنيين، إلا أن الأزمة الحقيقية لم تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل امتدت لتشمل صراعاً معلوماتياً بالغ التعقيد. لقد ترافقت هذه التطورات الميدانية مع تطبيق صارم لقوانين الجرائم الإلكترونية المحلية التي قيدت تداول الصور ومقاطع الفيديو غير المصرح بها لمنع انتشار الذعر وحماية الأمن القومي، وهو ما خلق ذريعة استغلتها الآلة الصحفية الغربية بشكل استراتيجي وممنهج لفرض هيمنتها على مسار تدفق المعلومات وبناء صورة ذهنية مشوهة عن مجريات الأحداث.
وفي خضم هذا التباين الصارخ بين الواقع المادي المتماسك على الأرض والمشهد الافتراضي الذي رُسم عن بُعد، تحولت وسائل الإعلام الدولية، ولا سيما الصحافة الشعبية البريطانية (تابلويد)، إلى منصات لتضخيم الحدث بشكل درامي غير مسبوق، حيث صورت هذه التداعيات الإقليمية العابرة على أنها انهيار حتمي ووشيك لنموذج دبي الاقتصادي والاجتماعي برمته. من خلال تبني عناوين استقطابية واستفزازية تعلن بشكل قطعي أن دبي قد انتهت، وتصوير الأزمة على أنها تحطم مأساوي لحلم الملاذ الضريبي الآمن، اختارت هذه المؤسسات الصحفية مساراً تحليلياً مجافياً تماماً للواقع الميداني، متجاهلة الحقائق المثبتة حول استمرارية الأعمال وقوة المنظومة الأمنية لصالح سردية كارثية مسبقة الصنع، ويستدعي هذا التحول قراءة تحليلية وتاريخية لتفكيك الآليات والدوافع الاقتصادية والسياسية التي تُخرج المؤسسات الصحفية عن دورها كناقل موضوعي للحقائق، لتصبح جزءاً من مسار توجيه الرأي العام العالمي.
لفهم الديناميكيا المعقدة التي يقوم من خلالها الإعلام الجماهيري بتشويه وتوجيه السرديات أثناء الأزمات الجيوسياسية، يجب الاحتكام في المقام الأول إلى الأطر النظرية التأسيسية في سوسيولوجيا الإعلام والاتصال السياسي، وفي طليعتها نموذج الدعاية (Propaganda Model) أو ما يُعرف بنظرية صناعة الإذعان (Manufacturing Consent) التي صاغها المفكران إدوارد هيرمان (Edward Herman) ونعوم تشومسكي (Noam Chomsky) حيث يوضح هذا النموذج كيف تخدم وسائل الإعلام المهيمنة مصالح النخبة السياسية والاقتصادية عبر فلاتر أو مرشحات تحدد ما ينشر، بدلاً من نقل الحقيقة. وتتجلى هذه الفلاتر بوضوح في معالجة الصحافة الغربية لأحداث دبي، حيث يفرض تركز الملكية الصحفية والاعتماد المفرط على الإيرادات الإعلانية على هذه المؤسسات إنتاج محتوى استهلاكي يستجيب لرغبات السوق الغربية المركزية.
ويتقاطع هذا النموذج بشكل وثيق مع نظرية التأطير (Framing Theory) التي طورها عالم الاجتماع إيرفينغ جوفمان (Erving Goffman)، والتي تقدم تفسيراً تحليلياً دقيقاً لكيفية قيام القائمين بالاتصال باختيار وانتقاء جوانب معينة ومحدودة من الواقع المتشابك، وجعلها أكثر بروزاً وحضوراً في النص التواصلي، بهدف ترويج تعريف محدد للمشكلة وتقييم أخلاقي يخدم أجندة مسبقة ومدروسة. ففي حالة الهجمات الصاروخية واضطرابات الطيران التي طالت الأجواء الإماراتية، كان من الممكن مهنياً تأطير الحدث إعلامياً ضمن سياق صمود البنية التحتية المدنية، أو كجزء من أزمة دبلوماسية إقليمية واسعة تتطلب تحليلاً رصيناً للعلاقات الدولية وتضافر الجهود لاحتواء التصعيد. غير أن الاختيار التحريري للصحافة الشعبية الغربية وقع بدلاً من ذلك على تأطير الحدث حصرياً ومكثفاً من خلال عدسة الخوف، والنزوح الجماعي، وانهيار الأحلام الاقتصادية للمغتربين الأثرياء الذين يبحثون عن الملاذات الضريبية. هذا التأطير الانتقائي يعزل المُتلقي تماماً عن السياق الكلي والموضوعي للأزمة، ويدفعه نفسياً وعاطفياً لاستنتاج أن دبي كوجهة استثمارية وكملاذ آمن قد فقدت صلاحيتها، وهو ما يخلق واقعاً نفسياً موازياً يطغى بقوة على الحقائق الميدانية الصلبة التي تؤكد استمرار الحياة الطبيعية والسيطرة الفعالة على مجريات الأمور.
ويعمل هذا الإطار المعرفي جنباً إلى جنب وبشكل متناغم وتكاملي مع نظرية ترتيب الأولويات أو وضع الأجندة (Agenda-Setting Theory)، التي وضعها الباحثان ماكسويل ماكومبس (MAXWELL E. McCOMBS) ودونالد شاو (DONALD L. SHAW)، وتؤكد هذه النظرية أن وسائل الإعلام لا تملي على الجمهور “كيف يفكرون”، بل “فيما يفكرون”، عبر التركيز المكثف على قضايا محددة وإبرازها. لقد فرضت العناوين المتتالية والمكررة حول نزوح رؤوس الأموال من الخليج، والتهديدات التي تواجه المغتربين الأوروبيين، ومستقبل الاستثمارات الأجنبية، نفسها بقوة على الأجندة العامة الدولية والداخلية، مما حول النقاش العالمي من تقييم مسارات الحرب الإقليمية المعقدة وتداعياتها الأمنية الكلية، إلى نقاش محلي شعبوي في الدول الغربية يركز بشكل ضيق على سياسات الهجرة، والتهرب الضريبي، وولاء النخب المالية لبلدانها الأصلية. من خلال هذه الممارسة الموجهة، تقوم وسائل الإعلام باختطاف الانتباه العام وتوجيهه نحو قضايا تخدم الانقسامات الأيديولوجية الداخلية، مستخدمة الأزمة الخارجية الجيوسياسية كمجرد محفز لفتح ملفات داخلية بحتة تتعلق بالصراع الطبقي والسياسات الاقتصادية الحمائية في المجتمعات الغربية.
ولا تكتمل هذه الترسانة النظرية دون التطرق إلى التطور المعاصر لما يُعرف أكاديمياً بتأثير سي إن إن (CNN)، وهو المفهوم الذي ظهر تاريخياً في تسعينيات القرن العشرين لوصف قدرة التغطية التلفزيونية الحية والمستمرة للأزمات والصراعات على إجبار صناع القرار على التدخل السريع وتغيير مسارات السياسة الخارجية. بيد أن هذا المفهوم الكلاسيكي قد تحور وتطور بشكل جذري في العصر الرقمي الحالي ليصبح تفاعلاً خوارزمياً هجيناً يتم من خلاله استغلال الصور المجتزأة، ومقاطع الفيديو القصيرة، والسرديات الانفعالية المتداولة لتوليد ضغط سياسي واقتصادي استباقي على الأسواق والمنظومات المالية. في حالة دبي، تضافرت جهود الصحافة الشعبية ذات الانتشار الواسع مع خوارزميات المنصات الرقمية التي تكافئ المحتوى المثير للجدل بشكل تلقائي، لضمان انتشار الرواية الكارثية المبالغ فيها بسرعة فائقة تتجاوز قدرة البيانات الحكومية التقليدية على دحضها، حيث تتنافس السردية الصحفية الموجهة مع الواقع الميداني في سباق محموم للسيطرة على الإدراك الجماهيري وثقة المستثمرين، مما يثبت أن تدفق المعلومات اللحظي في زمن الحرب قد تحول إلى أداة هندسية اقتصادية بالغة الخطورة لتشكيل السياسات وليس مجرد توثيق محايد للأحداث الطارئة.
يرتبط مسار التغطيات الصحفية التي تميل إلى تضخيم الأحداث خلال الأزمات الجيوسياسية بعوامل هيكلية واقتصادية وسياسية متأصلة في بنية المؤسسات الصحفية المعاصرة. ويبرز “اقتصاد الانتباه الرقمي” كدافع مادي رئيسي لهذه التوجهات، في ظل التحديات المالية التي تواجهها المؤسسات التقليدية والمنصات الإخبارية، والمتمثلة في انخفاض إيرادات الإعلانات المطبوعة وتراجع نماذج الاشتراك لصالح هيمنة محركات البحث وتقنيات الذكاء الاصطناعي على الحصة الأكبر من السوق.
وتتجلى هذه التحديات على سبيل المثال البيانات المالية الأخيرة لشركة “ديلي ميل آند جنرال ترست” (DMGT)، التي سجلت تراجعاً بنسبة ١٥٪ في عائدات إعلاناتها الرقمية، ويُعزى هذا الانخفاض المباشر إلى اعتماد محركات البحث الرئيسية على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم ملخصات إخبارية للمحتوى ضمن صفحات النتائج مباشرة، وتؤدي هذه الآلية التقنية إلى تقليل معدلات انتقال المستخدمين إلى المواقع الإخبارية الأصلية، مما يحد بدوره من قدرة الناشرين على عرض الإعلانات المبرمجة وتحقيق العوائد المالية.
كما تفرض بيئة العمل الرقمية وتنافسيتها العالية تحولات ملموسة في الهيكل التحريري للمؤسسات الصحفية، حيث تتراجع الجدوى التجارية للتحليلات الجيوسياسية الموضوعية لصالح المحتوى الاستقطابي الموجه لزيادة التفاعل اللحظي. وتُظهر المؤشرات المالية أن هذا التحول يهدف بالأساس إلى تعويض انخفاض العوائد الإعلانية، وذلك عبر تبني استراتيجيات تعتمد على ما يُعرف باقتصاد التفاعل العاطفي؛ إذ تُعطى الأولوية الخوارزمية للمواد الإخبارية المُصممة لإثارة ردود فعل سلبية لدى الجمهور، كالقلق أو الاستياء، مما يضمن تحقيق معدلات انتشار مرتفعة وزيادة في مرات ظهور الإعلانات المبرمجة، حتى وإن تعارض ذلك مع معايير المسؤولية المهنية.
وقد انعكس هذا التوجه بوضوح في التغطية الصحفية للأحداث المرتبطة بدبي؛ إذ جرى تهميش الأبعاد الاستراتيجية والعسكرية للنزاع الإقليمي لصالح التركيز على سرديات تستهدف إثارة التباينات الاجتماعية. ومن خلال صياغة عناوين تركز على التداعيات المفترضة على الشرائح ذات الدخل المرتفع، سعت بعض الصحف إلى جذب انتباه الجمهور ودفعهم للمشاركة والتعليق. وبذلك، تحولت التغطية الإخبارية إلى أداة اقتصادية لزيادة النقرات التفاعلية، بدلاً من تقديم قراءة تحليلية دقيقة لمجريات الأحداث والأهداف الجيوسياسية للأطراف المعنية.
وعلى المستوى الجيوسياسي والسياسي الداخلي، تتداخل هذه الدوافع الصحفية التجارية والتنافسية بشكل مباشر مع التحيزات القومية والمصالح الاقتصادية العليا للدول الغربية، والتي تشهد منذ سنوات نزيفاً مزمناً ومقلقاً في رؤوس الأموال وهجرة ملحوظة للكفاءات ورواد الأعمال لصالح أسواق الشرق الأوسط الصاعدة وفي مقدمتها دولة الإمارات. فقد نجحت دبي خلال العقد الماضي في إعادة تشكيل خريطة الهجرة العالمية للثروات من خلال سياسات ضريبية جاذبة، وبنية تحتية فارهة وفائقة التطور، وبيئة تشريعية مرنة وشديدة الأمان، وهو ما أدى إلى خروج الآلاف من أصحاب الثروات الفائقة والشركات الكبرى من مراكز مالية تقليدية ومثقلة بالبيروقراطية والضرائب مثل لندن ونيويورك. وفي هذا السياق المحتدم من المنافسة الجيواقتصادية، تجد وسائل الإعلام الغربية وصناع القرار السياسي في الأزمات العسكرية الإقليمية فرصة استراتيجية سانحة وذهبية لشن حرب نفسية واقتصادية مضادة تهدف إلى زعزعة الثقة في هذا الملاذ المالي الناشئ. كما إن تصوير دبي على أنها منطقة حرب ملتهبة وغير قابلة للحياة يخدم أجندة وطنية مبطنة تسعى لترهيب رؤوس الأموال الدولية، وتوجيه رسائل مبطنة للمستثمرين بضرورة عكس مسارهم والعودة القسرية إلى الملاذات الغربية التي تُسوق لنفسها إعلامياً على أنها قلاع حصينة للديمقراطية والاستقرار الدائم، حتى وإن كانت تعاني من ركود اقتصادي أو سياسات مالية قاسية تنفر الاستثمار.
إلى جانب هذه الدوافع الاقتصادية التنافسية والضغوط الحمائية لرأس المال، تعمل وسائل الإعلام الجماهيرية كصدى أيديولوجي مخلص وممتد للسياسات الخارجية للدول التي تنتمي إليها وللمحاور التي تمثلها عالمياً، حيث تتوافق السرديات الكارثية الموجهة ضد القوى الإقليمية المستقلة مع الرغبة الغربية العميقة والدفينة في الحفاظ على الهيمنة الأحادية في نظام دولي يميل بخطى حثيثة نحو التعددية القطبية. إن احتفاظ دول الخليج بعلاقات دبلوماسية واقتصادية متنوعة ومتوازنة مع قوى شرقية، ورفضها الانخراط المطلق والتلقائي في سياسات المحاور الغربية التقليدية وقراراتها الجيوسياسية، يجعلها هدفاً مستمراً لعمليات التحجيم الإعلامي الممنهج ومحاولات تقويض القوة الناعمة.
وبناءً على ذلك، تقوم الصحافة الجماهيرية بتوظيف الأزمات الإقليمية العابرة لتذكير هذه الدول الصاعدة بمدى انكشافها الجيوسياسي وارتباطها الحتمي بمحيط شرق أوسطي يُصوَّر دائماً وبشكل نمطي في المخيلة الغربية على أنه مضطرب، وعنيف بطبيعته، وغير قادر على الحفاظ على استقراره بمعزل عن الحماية الغربية. وبهذا المعنى الدقيق والمحوري، تصبح التغطية الصحفية المنحازة للأزمات امتداداً غير رسمي لأدوات السياسة الخارجية التي تهدف إلى تقويم سلوك الدول، وفرض هيمنة ناعمة تعاقب النجاح الاقتصادي المستقل عبر سلاح التشويه السردي الذي يضرب بقسوة في صميم السمعة الدولية والاستقرار الاستثماري الذي تعتمد عليه تلك النماذج التنموية.
تؤكد القراءة المتأنية والأكاديمية لتاريخ الصراعات والحروب أن الأنماط السردية الاستقطابية التي نشهدها في التغطية المعاصرة لأزمة الخليج والتوترات الإقليمية المحيطة بها ليست انحرافاً طارئاً أو استثناءً مفاجئاً أفرزته خوارزميات العصر الرقمي، بل هي امتداد مؤسسي راسخ ومتكرر لسوابق تاريخية تخلت فيها وسائل الإعلام طوعاً وبشكل حاسم عن حيادها وموضوعيتها لصالح التعبئة القومية أو الإثارة التجارية العنيفة.
قدمت التغطية الصحفية الغربية، وتحديداً الصحافة البريطانية، إبان حرب الفوكلاند في أوائل ثمانينيات القرن العشرين نموذجاً صارخاً ومبكراً لكيفية تخلي الصحافة الشعبية عن أي التزام بالمسؤولية المهنية لصالح تأجيج المشاعر الشوفينية. لقد حولت الصحف التابلويد حينها الحرب العسكرية الدامية والمعقدة دبلوماسياً إلى ما يشبه الحدث الترفيهي أو المباراة الرياضية، واستخدمت لغة دموية واحتفالية فجة لتحقيق مكاسب استثنائية وغير مسبوقة في أرقام التوزيع والمبيعات، متجاهلة تماماً التكاليف البشرية العميقة والمأساوية للنزاع. إن آلية تحويل الحدث العسكري الصادم والمأساوي إلى دراما استهلاكية مبسطة تخدم غرائز الجماهير هي ذاتها الآلية الهيكلية والسيكولوجية التي تعمل اليوم بجد في الفضاء الرقمي المعاصر على تسليع المخاوف المتعلقة بالأمان الاقتصادي في دبي، حيث يتم تصدير الصراع الميداني المعقد في صورة قصة انهيار طبقي مثيرة تلبي احتياجات الجمهور الغربي المتعطش للدراما والباحث عن انتصارات معنوية تعزز شعوره بالتفوق.
ومع تطور أدوات النقل التلفزيوني والاتصال الجماهيري في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كشفت حرب الخليج عام ١٩٩١ عن تحول استراتيجي خطير وعميق في طرق تصوير النزاعات، حيث أدارت الإدارات العسكرية الغربية بالتواطؤ المؤسسي مع وسائل الإعلام الكبرى نظاماً صارماً ومحكماً للتحكم في تدفق المعلومات وتصفيتها قبل وصولها إلى الرأي العام العالمي. نتج عن هذا التواطؤ ولادة ما اصطلح على تسميته بأسطورة الحرب النظيفة، والتي اقتصرت فيها التغطيات الإخبارية على عرض لقطات مقطوعة السياق للأسلحة الذكية والتقنيات العسكرية المبهرة، مع طمس كامل ومدروس للمعاناة الإنسانية الفادحة أو الدمار المادي الفعلي على الأرض. هذا النموذج من التحكم الاستعراضي والموجه في الصورة يعكس بوضوح كيف يتم بناء وعي جماهيري زائف يعتمد بالكلية على ما تسمح السلطات أو الخطوط التحريرية المركزية بمروره بهدف حشد الدعم وتقليل المعارضة، وهو ذات المنطق الانتقائي والتحكمي الذي تستنسخه التغطية الغربية الحالية لأزمة دبي، ولكن باتجاه عكسي وتدميري، حيث يتم استبعاد وتجاهل كل مشاهد استمرار الحياة الطبيعية والسيطرة الفعالة على الأزمة، ليركز البث الخوارزمي حصراً وبكثافة على صور الارتباك المزعوم وسرديات الهلع المختلقة لترسيخ صورة الضعف والانهيار.
كما رسخت التغطيات الصحفية المكثفة والموجهة في حقبة ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر إطاراً استشراقياً وثقافياً مهيمناً ضمن ما عُرف إعلامياً وسياسياً بمصطلح الحرب على الإرهاب، وهو الإطار الذي أعاد تشكيل الوعي الغربي تجاه المنطقة بأسرها. في هذه المرحلة المفصلية، تبنت وسائل الإعلام الكبرى نظرية صراع الحضارات كعقيدة تحريرية ثابتة، حيث تم تصوير وتأطير الشرق الأوسط بأكمله ككتلة جيوسياسية متجانسة ومغلقة تتسم بالعنف المتأصل، والتخلف، وعدم الاستقرار الجذري، في مقابل الغرب الذي جرى تقديمه وتسويقه كممثل حصري لملاذ العقلانية، والقانون، والأمان الدائم.
علاوة على ذلك التواطؤ التاريخي الصارخ، مثلت مرحلة التحضير لغزو العراق عام ٢٠٠٣ الانتكاسة المهنية والأكاديمية الأكبر والأكثر فداحة في تاريخ الصحافة الغربية الحديثة، حيث تحولت المؤسسات الصحفية العريقة، التي طالما ادعت الاستقلالية والموضوعية، إلى غرف صدى عمياء تردد دون أي تمحيص أو تدقيق ادعاءات الحكومات الغربية بوجود أسلحة دمار شامل وارتباطات مزعومة بالإرهاب الدولي. لقد تنازلت الصحافة في تلك الحقبة الحرجة تماماً عن دورها الرقابي والنقدي المزعوم، واستسلمت كلياً لفرضية الإجماع النخبوي، مقصية ومهمشة بذلك أي أصوات معارضة، أو تقييمات استخباراتية مستقلة، أو تحقيقات علمية أممية تناقض السردية المهيمنة. هذا السلوك المؤسسي المعيب يعكس عمق تأثير التحيزات الهيكلية التي تفرضها نظرية الفهرسة الصحفية، والتي تجعل الصحافة أداة مرنة وموثوقة لتبرير التدخلات الجيوسياسية المسبقة الصنع. وتكمن الخطورة البالغة والمستمرة لهذه السابقة التاريخية في كونها أسست لمنهجية تبرير الاستهداف الإقليمي عبر تشويه الآخر الجغرافي وتشويه واقعه المادي والمعنوي، وهو تكتيك استبعادي لا يزال يُمارس بانتظام وكثافة حتى اليوم عند التعامل مع أي أزمة أمنية أو سياسية تصيب دول الشرق الأوسط، حيث تُفترض الهشاشة والفوضى كحقائق حتمية لا تقبل النقاش المفتوح.
وفي الختام، يتضح بشكل جلي من خلال ما سبق سرده أن هندسة السرديات وصياغة افتتاحيات الصحف في أوقات الحروب والأزمات الجيوسياسية ليست بأي حال من الأحوال مجرد ظاهرة عرضية ناتجة عن تسارع وتيرة نقل الأخبار أو نتيجة حتمية لضغوطات العمل الصحفي اللحظي، بل هي عملية استراتيجية ومؤسسية منهجية متجذرة بعمق في البنيان الاقتصادي والسياسي للمؤسسات الصحفية الكبرى في العالم. إن التغطية الصحفية الدولية للهجمات والتوترات التي طالت دبي في مارس من عام ٢٠٢٦ تُعد نموذجاً معاصراً ومكثفاً يكشف بوضوح قاطع كيف تتضافر وتتقاطع الدوافع المتعلقة باقتصاد الانتباه الرقمي واصطياد النقرات، مع التوجهات القومية اليمينية والسياسات الحمائية، ومحاولات استعادة التدفقات المالية وهجرة العقول، لتحوير صراع جيوسياسي معقد ومحدود التأثير العملياتي إلى دراما انهيار مُصطنعة وموجهة تلبي غرائز الجماهير، وتغذي المخاوف، وتخدم استراتيجيات الهيمنة والمحافظة على المركزية الغربية في وجه القوى الناشئة. وفي هذا السياق المعقد، تظل الحقيقة المجردة والموضوعية المهنية هي الضحية الأولى والدائمة التي تُقدم بدم بارد على مذبح المصالح المتقاطعة والمنفعة المتبادلة في ساحات الصراع العالمي المعاصر، مما يحتم على المجتمعات والدول الصاعدة بناء استراتيجيات اتصال سيادي مضادة، وتأسيس وعي نقدي حصيف ومستدام، قادر على تفكيك هذه السرديات الموجهة وحماية منجزاتها الحضارية والاقتصادية من محاولات التدمير الرمزي والمعنوي عبر حروب الجيل الحديث المعلوماتية، ويحتم على الأفراد استياق المعلومات من مصادرها الرسمية والمعترف بها من الدول حتي لا يقع فريسة لفخ المقالات والافتتاحيات المضللة.
Amin, Sherif. 2025. “British Migration to Dubai.” Al Habtoor Research Centre. December 23, 2025. Available on: https://www.habtoorresearch.com/programmes/british-migration-dubai/.
Demopoulos, Alaina. 2026. “Dubai’s Influencers Try to Keep Calm and Carry on as War Comes to the Gulf.” The Guardian, March 3, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/mar/03/dubai-influencers-iran-war-strikes.
Ellis-Petersen, Hannah. 2026. “‘The Shine Has Been Taken Off’: Dubai Faces Existential Threat as Foreigners Flee Conflict.” The Guardian, March 11, 2026. Available on: https://www.theguardian.com/world/2026/mar/11/the-shine-has-been-taken-off-dubai-faces-existential-threat-as-foreigners-flee-conflict
Entman, Robert M. 2007. “Framing Bias: Media in the Distribution of Power.” Journal of Communication 57 (1): 163–73.
Gilboa, Eytan, Maria Gabrielsen Jumbert, Jason Miklian, and Piers Robinson. “Moving Media and Conflict Studies beyond the CNN Effect.” Review of International Studies 42, no. 4 (2016): 654–72. https://doi.org/10.1017/S026021051600005X.
Herman, Edward S., and Noam Chomsky. 1988. Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. New York: Pantheon Books.
Jolly, Nathan. 2026. “Daily Mail Blames Google AI Overviews for 15% Digital Advertising Dip.” February 4, 2026. Available on: https://mumbrella.com.au/daily-mail-blames-google-ai-overviews-for-15-digital-advertising-dip-913759.
McCombs, Maxwell E., and Donald L. Shaw. 1972. “The Agenda-Setting Function of Mass Media.” Public Opinion Quarterly 36 (2): 176–87.
POGRUND, ADAM. 2026. “‘Dubai Is Finished’: Expats Say They Will Leave and Never Come Back as Tax-Free Dream Is Shattered by War and Officials Begin Prosecuting People for Posting Missile Videos.” Daily Mail, March 12, 2026. Available on: https://www.dailymail.co.uk/news/article-15638471/Dubai-finished-Expats-say-leave-never-come-tax-free-dream-shattered-war-officials-begin-prosecuting-people-posting-videos-missiles.html
Thornton, Joanna Margaret (2015) Government Media Policy during the Falklands War. Doctor of Philosophy (PhD) thesis, University of Kent. https://kar.kent.ac.uk/50411/.
UAE Ministry of Foreign Affairs. 2026. “Statement by the UAE Ministry of Foreign Affairs in Response to Inaccurate Reporting by Bloomberg.” March 3, 2026. https://www.mofa.gov.ae/en/MediaHub/News/2026/3/3/Statement-by-the-UAE-Ministry-of-Foreign-Affairs-in-Response-to-Inaccurate-Reporting-by-Bloomberg.
تعليقات