كتب بواسطة

لاقى فوز الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦ ترحيباً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الدولية، حيث اعتُبر إنجازاً استثنائياً للدبلوماسية الرياضية العابرة للحدود. وقد سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والدول المستضيفة، من خلال رفع شعار "متحدون ٢٠٢٦"، إلى تقديم صورة مثالية للتعاون الإقليمي والتماسك المشترك، مروجين لفكرة انتصار القوة الناعمة للرياضة على الخلافات الجيوسياسية المعقدة.

 

ولكن مع حلول صيف عام ٢٠٢٦، اصطدمت هذه الوعود بواقع سياسي متناقض تماماً. فبدلاً من أن تعكس البطولة صورة للوحدة وسلاسة التنقل والحدود المفتوحة، كشفت التحضيرات لتنظيم هذا الحدث الضخم عن انقسامات عميقة وإجراءات أمنية صارمة تسيطر على قارة أمريكا الشمالية. وبذلك، تحولت بطولة كأس العالم من أداة للتكامل الإقليمي إلى عدسة مكبرة تفضح التناقضات السياسية الحادة التي تشكل السياسات الداخلية والخارجية للدول المستضيفة.

بطولة مشتركة بحدود مغلقة

تتطلب استضافة بطولة كأس العالم لعام ٢٠٢٦ تنقلاً سلساً لملايين المشجعين والرياضيين والمسؤولين بين ثلاث دول، وهو ما يفرض الحاجة إلى إدارة حدودية مرنة ومفتوحة تشبه منطقة السفر الأوروبية الحرة. إلا أن هذا المطلب يصطدم بواقع مغاير تماماً، حيث تعتمد أمريكا الشمالية سياسات حدودية صارمة وإجراءات أمنية مشددة، وتحديداً على الحدود الأمريكية المكسيكية. ويخلق هذا التناقض الصارخ بين الأهداف التجارية والسياحية للبطولة من جهة، والواقع الأمني للحدود المغلقة من جهة أخرى، تحديات هائلة أمام أجهزة الأمن والاستقرار الداخلي.

 

وتنظر الولايات المتحدة إلى حدودها الجنوبية بحذر أمني شديد، مدفوعة بضغوط جماعات سياسية تعتبر أي مرونة في فتح الحدود تهديداً لسيادة الدولة. وقد وضع هذا النهج وزارة الأمن الداخلي وهيئة الجمارك وحماية الحدود في مأزق حقيقي، حيث تُطالب هذه الجهات بتسهيل وتسريع دخول زوار البطولة، وفي الوقت نفسه تواجه مطالبات داخلية متشددة بإحكام الإغلاق. وقد برز هذا التوتر بوضوح في الانتقادات المتبادلة داخل الأروقة السياسية، مما جعل الأجهزة الفيدرالية عالقة بين التزاماتها الدولية لاستضافة الحدث واسترضاء الأصوات المنادية بالتشدد الأمني.

 

ويزداد المشهد تعقيداً بسبب التوزيع الجغرافي للمدن المستضيفة للمباريات وصعوبات عبور الحدود، إذ تقع أبرز هذه المدن المضيفة في ولايات حدودية تشهد بالأصل انقسامات حادة حول قضايا الهجرة، مثل تكساس، التي تضم مدينتي هيوستن وأرلينغتون، وكاليفورنيا، التي تضم لوس أنجلوس ومنطقة خليج سان فرانسيسكو. وسيؤدي تنقل المشجعين المستمر عبر الحدود، من مكسيكو سيتي أو مونتيري إلى مباريات في تكساس أو كاليفورنيا، إلى ضغط غير مسبوق على عمليات الجمارك وحماية الحدود، مما يخلق أزمة لوجستية تتطلب إجراءات عبور شديدة التعقيد، ويوضح الجدول التالي المباريات التي تتطلب إجراءات معقدة لعبور الحدود:

 

 

وعليه أدركت مختلف الأطراف السياسية حجم هذه التحديات الإدارية، فبدأت تستغل تدفق الزوار الأجانب لتسليط الضوء على نقاط الضعف في سياسات الهجرة والحدود، محذرة من تهديدات أمنية ومخاطر تدفق المهاجرين بطرق غير منظمة لتحقيق مكاسب انتخابية. وفي خضم هذا التجاذب، حذرت شركات الطيران الكبرى ورابطة السفر الأمريكية من التلويح بنقل ضباط الجمارك من المطارات لتغطية العجز في الحدود البرية، مؤكدة أن خطوة كهذه ستلحق أضراراً بالغة بحركة السفر الدولية والاقتصاد بشكل عام.

 

ولم يقتصر تأثير البطولة على الجانب السياسي والأمني، بل امتد ليمنح الناشطين وجماعات المعارضة فرصة ذهبية لتحدي سياسات الدولة علناً. فقد تحولت منشآت البطولة إلى ساحات للاحتجاج وتصفية الخلافات حول قوانين الهجرة، كما حدث في ملعب صوفي في مدينة لوس أنجلوس ذات الكثافة العالية من المهاجرين، حيث طالب ناشطون بمنع هيئة إنفاذ قوانين الهجرة من التواجد في الملاعب خلال البطولة، وهو ما اعتبره البعض تحدياً صريحاً لسلطة الدولة وقدرتها على فرض الأمن الداخلي.

 

وهكذا، لم تعد مشكلة الحدود مجرد أزمة جغرافية عند المعابر الفاصلة، بل تمددت لتؤثر بعمق على السياسة الداخلية للدول المستضيفة. فالتحدي المتمثل في إنهاء إجراءات ملايين الزوار بسرعة يتعارض كلياً مع رغبة الحكومات في استعراض قوتها وسيطرتها، مما أدى إلى تعميق الانقسام الحزبي حول الهجرة.

أمننة الملاعب

أصبح تأمين ملاعب كأس العالم، الذي يُتوقع أن يجذب نحو عشرة ملايين زائر إلى أمريكا الشمالية، من أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل والانقسام الداخلي في الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي يُنتظر فيه أن يجذب هذا الحدث الرياضي الضخم نحو ١٠ ملايين زائر إلى أمريكا الشمالية، تسبب احتمال نشر سلطات الهجرة الفيدرالية داخل الملاعب المستضيفة ومحيطها في خلق حالة من الاستقطاب الداخلي الحاد. وعلى الصعيد الرسمي، تمسكت الإدارة الأمريكية برفضها القاطع لاستبعاد عمليات اعتقال المهاجرين بالقرب من مناطق إقامة المباريات، متذرعةً بضرورات الحفاظ على الأمن القومي. وترى الحكومة أن وكالاتها الفيدرالية يجب أن تحتفظ بصلاحياتها المطلقة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود التي تترافق عادةً مع الأحداث العالمية الكبرى، مثل قضايا الاتجار بالبشر وتهريب البضائع. في المقابل، قوبل هذا التوجه الأمني برفض شديد من قِبل الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني، التي اعتبرت هذه الإجراءات مجرد تكتيك سياسي للترهيب المستهدف وليس حاجة أمنية فعلية.

 

 

وقد كشف استطلاع للرأي، أجرته صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع جامعة ميريلاند قبل أسابيع من البطولة، عن فجوة عميقة تعكس الانقسامات الحزبية والعرقية؛ حيث عارض ٦٥٪ من الجمهور العام التواجد الأمني لإدارة الهجرة في الملاعب، في حين دعمه ٣٥٪ فقط. وبرز هذا الانقسام بوضوح في الانتماءات السياسية، إذ عارض ٩٢٪ من الديمقراطيين هذه الإجراءات، مقابل تأييد ٧٢٪ من الجمهوريين لها. وعلى المستوى الديموغرافي، بلغت نسبة المعارضة نحو ٨٠٪ بين الأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية، مقارنة بـ ٥٨٪ من الأمريكيين البيض، بينما عارض ٦٨٪ ممن وصفوا أنفسهم بمشجعي كرة القدم هذا التواجد. وتؤكد هذه الإحصائيات أن نشر عملاء فيدراليين يُنظر إليه كتهديد داخلي للفئات المهمشة أكثر من كونه إجراءً لحماية ضيوف البطولة.

 

ولم تقف هذه المعارضة عند حدود الرفض النظري، بل تحولت إلى حراك ميداني ونقابي منظم يهدد سير العمليات اللوجستية للبطولة بشكل مباشر. فقد شكلت جماعات حقوق المهاجرين والنقابات العمالية في المدن الأمريكية الإحدى عشرة المستضيفة جبهة مقاومة متطورة لتوثيق وتعطيل أي عمليات محتملة لإنفاذ قوانين الهجرة. ففي لوس أنجلوس، لوّحت نقابة عمالية تضم أكثر من ٢٠٠٠ عامل بقطاع الضيافة في ملعب “صوفي” بتنظيم إضراب شامل في حال اقتراب عناصر إدارة الهجرة من الملعب الذي يتسع لسبعين ألف مشجع. وفي دالاس، نشطت حركات الحقوق المدنية في وضع خطط احترازية، شملت توزيع المئات من أدوات التنبيه والموارد القانونية على الفئات المستهدفة لتحذيرهم من أي مداهمات أمنية محتملة خلال أيام المباريات.

 

إلى جانب ذلك، تم توظيف الأنشطة التجارية المحلية كأدوات للمقاومة المدنية والسياسية. ففي مدينة فيلادلفيا، انطلقت حملات توعية لحث المطاعم وأماكن الترفيه على إعلان نفسها “مساحات آمنة” لحماية المهاجرين، مدعومة بشبكة جاهزة من محامي الهجرة للتدخل الفوري إذا استهدفت السلطات الفيدرالية هذه المنشآت. وفي خطوة مشابهة في سياتل، وفرت مجموعات حقوقية تدريبات مكثفة للعاملين في قطاع الخدمات حول حقوقهم المكفولة في التعديل الرابع للدستور الأمريكي، لتمكينهم من التعامل القانوني السليم مع عناصر الأمن الفيدرالي في حال حدوث أي احتكاك.

 

وتتويجاً لهذه التحركات، وفي خطوة ألحقت ضرراً كبيراً بصورة القوة الناعمة للولايات المتحدة، أصدر تحالف يضم أكثر من ١٢٠ منظمة مجتمع مدني تحذيراً رسمياً من السفر وُجه لملايين المشجعين الدوليين. ونبّه التحالف الزوار من احتمالية تعرضهم لانتهاكات حقوقية جسيمة، تشمل الرفض التعسفي للدخول، والاحتجاز، والترحيل. وبهذا المشهد المعقد، تحولت بطولة كأس العالم من مجرد احتفال رياضي يعزز الوحدة العالمية، إلى بؤرة توتر لامركزية للعصيان المدني، لتثبت أن الفعاليات الكبرى تفشل دائماً في إخفاء الأزمات الداخلية العميقة حينما يتم استغلال الأمن لتعميق الاستقطاب المجتمعي.

تسييس التأشيرات

تُعد الحدود الجغرافية والإجراءات الإدارية، مثل إصدار التأشيرات، أدوات قوية لإثبات سيادة الدول والتحكم في حركة الأفراد. وفي بطولة كأس العالم ٢٠٢٦، اتخذت الولايات المتحدة من شروط الدخول والتأشيرات وسيلة للاستبعاد السياسي، حيث غلّبت اعتبارات الأمن القومي وأهداف سياستها الخارجية على لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التي تنص على الحياد وحق الجميع في المشاركة. وبهذا التصرف، تحول هذا الحدث الرياضي العالمي المفتوح إلى ساحة لفرض الشروط وإقصاء الآخرين.

 

وقد تجلى هذا التوجه بوضوح مع بداية عام ٢٠٢٦، عندما وسعت الحكومة الأمريكية نطاق قيودها الصارمة مثل تعليق إصدار التأشيرات بدرجات مختلفة لتشمل ٣٩ دولة بدلاً من ١٩دولة بعضها من الدول المشاركة في كأس العالم، مما يعكس نهجاً أكثر تشدداً في سياسات الهجرة. ورغم إقرار وزارة الخارجية الأمريكية استثناءً يسمح بدخول المنتخبات والطواقم الفنية لتجنب أزمة مع الفيفا، إلا أن هذا الاستثناء لم يشمل الجماهير، مما أدى إلى حرمان مشجعي تلك الدول المشمولة بالقيود من الحضور بشكل قاطع، ليقتصر الحضور الجماهيري في البطولة فعلياً على مواطني الدول الغربية وحلفائها. يوضح الجدول التالي قيود التأشيرات الأمريكية المطبقة خلال كأس العالم 2026 لتبيان حجم هذا الاستبعاد:

 

 

إلى جانب القيود السياسية، استخدمت الولايات المتحدة العقبات المالية كأداة إضافية للاستبعاد، وذلك من خلال توسيع برنامج تأمين التأشيرات. فرضت السلطات على الزوار من الدول ذات الدخول المنخفضة والنامية دفع مبلغ تأمين يصل إلى ١٥ ألف دولار أمريكي لضمان مغادرتهم بعد انتهاء فترة الإقامة، ويعتبر المتابعون هذا الشرط التعجيزي وسيلة لتعزيز السيطرة الاقتصادية الأمريكية تحت غطاء الحفاظ على الأمن الداخلي، مما يمنع مشجعي تلك الدول من القدرة على تحمل تكاليف حضور البطولة.

 

ولم تقتصر تداعيات هذه القيود على الجماهير، بل انعكست بشكل معقد على مشاركة بعض المنتخبات، كما حدث مع المنتخب الإيراني. ففي ظل الصراعات العسكرية المستمرة في عام ٢٠٢٦ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في موقف متناقض؛ حيث التزمت بقواعد الفيفا وسمحت للمنتخب الإيراني بخوض مبارياته في مدينة لوس أنجلوس، لكنها واجهت في الوقت ذاته مخاوف أمنية وانتقادات داخلية حادة. أدى هذا الوضع إلى تخبط في التصريحات الرسمية بين الترحيب والتحذير، مما أضر بصورة الولايات المتحدة كدولة مضيفة قادرة على استيعاب الجميع.

 

حتى الدول الحليفة والمحايدة لم تسلم من هذه التعقيدات الإدارية الصارمة، وهو ما ظهر بوضوح في الأزمة التي واجهت منتخب جنوب أفريقيا قبل مباراته في ولاية جورجيا. فقد تعطل سفر المنتخب إلى معسكره في المكسيك لمدة 24 ساعة، والأهم من ذلك أن السلطات الأمريكية رفضت فجأة ودون إبداء أسباب منح مساعد المدرب، هيلمان مخاليلي، تأشيرة دخول، مما أجبره على البقاء في بلاده. أثار هذا الموقف غضب وزير الرياضة الجنوب أفريقي الذي اعتبره إهانة لسمعة بلاده، مما أثبت أن هذه الإجراءات لا تضر فقط بعدالة المنافسة الرياضية، بل تتسبب أيضاً في توتر العلاقات الدبلوماسية.

 

وفي محاولة لتخفيف الضغوط الخارجية والانتقادات، أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية نظاماً تحت اسم (FIFA PASS) لتسريع مواعيد المقابلات لحاملي التذاكر، مع إعفاء مؤقت من شرط التأمين المالي. إلا أن هذا الإجراء كان شكلياً ولم يغير من الشروط الأساسية للحصول على التأشيرة فلم يعف المتقدمين من دفع الرسوم ولم يلغ قرارات الحظر السابقة.

الوجه المظلم لمونديال ٢٠٢٦

تلجأ الدول المضيفة للأحداث الرياضية الكبرى في كثير من الأحيان إلى استغلال هذه المناسبات لتحسين صورتها وسمعتها الدولية، معتمدة على التغطية الإعلامية الإيجابية والشعبية الجارفة للرياضة للرد على الانتقادات الخارجية. وتُعد بطولة كأس العالم ٢٠٢٦ نموذجاً غير مسبوق لهذه الاستراتيجية، حيث تسعى الدول المضيفة الثلاث، إلى جانب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لتلميع صورتها أمام العالم من خلال ما يُعرف بـ “التبييض الرياضي”. وفي المقابل، تصطدم هذه المساعي بحراك داخلي نشط يهدف إلى استغلال الاهتمام العالمي بالبطولة لتسليط الضوء على التجاوزات الحكومية، وقد برز هذا بوضوح في تحذيرات منظمات حقوقية بارزة، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وتحالف الرياضة والحقوق، من محاولات الإدارة الأمريكية استغلال أجواء البطولة لتقديم صورة مثالية عن الوحدة والأمن، في مسعى لإخفاء سياساتها الصارمة ضد المهاجرين وحملات الترحيل الواسعة وقراراتها الخارجية المتشددة.

 

وتعززت هذه المخاوف بشكل جلي في شهر ديسمبر من عام ٢٠٢٥، عندما قدم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، جائزة “فيفا للسلام” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حفل سحب قرعة البطولة في واشنطن. وبرر إنفانتينو هذه الخطوة بالإشادة بدور ترامب في التوسط لوقف إطلاق النار في صراعات دولية، مما ربط اسم الفيفا بأهداف الإدارة الأمريكية وأنهى فعلياً أي ادعاءات بالحياد الرياضي. أثار هذا التقارب أزمة حادة داخل المؤسسات الرياضية، تجلت في الشكوى الرسمية التي قدمتها رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم، ليز كلافينيس، بدعم من مؤسسات حقوقية، حيث اتهمت إنفانتينو بانتهاك قواعد الحياد واستحداث جائزة تفتقر للشفافية، مما كشف عن حجم الانقسامات العميقة داخل إدارة كرة القدم العالمية حول تسييس الرياضة.

 

ويبرز التناقض بوضوح عند مقارنة هذا الواقع بالوعود التي رافقت ملف استضافة البطولة عام ٢٠١٨، والذي تضمن التزامات صارمة بحماية حقوق الإنسان والعمال ومكافحة التمييز. ومع اقتراب موعد انطلاق المنافسات، تراجعت هذه الالتزامات بشكل ملحوظ، حيث أشارت التقارير الحقوقية إلى أن أربع مدن أمريكية فقط نشرت خططها المتعلقة بحقوق الإنسان. وفي ظل هذا الغموض وغياب القواعد الواضحة، أبدت روابط المشجعين قلقها من طرق تعامل السلطات مع الاحتجاجات السلمية أو المخالفات البسيطة، مما يحول البطولة من منصة لحماية الحقوق إلى فرصة محتملة للتغطية على التجاوزات الأمنية.

 

ورغم مساعي كندا لاستغلال البطولة كواجهة لإبراز تماسكها الاجتماعي وحيويتها الاقتصادية، إلا أن التحضيرات المسبقة كشفت عن واقع قاسٍ يتمثل في تهميش الفئات الضعيفة وتطهير الشوارع لتحسين المظهر العام. ففي كندا على سبيل المثال، شهدت مدينة تورنتو تصاعداً في وتيرة العنف ضد المشردين، حيث وثقت تقارير حقوقية تعرضهم لاستهداف جسدي منهجي وتهجير قسري من قِبل حراس الأمن، بهدف إبعادهم عن أنظار السياح وعدسات الإعلام لتصدير صورة مثالية مصطنعة. وتكرر المشهد ذاته في مدينة فانكوفر، حيث انتقدت منظمات مناهضة للتشرد خطط البلدية ووصفتها بالاستعراضية، مشيرة إلى تسارع وتيرة إزالة خيام المشردين وممتلكاتهم بالقوة، مما يعكس تفضيل الحكومات لراحة السياح الجمالية على حساب حقوق الفئات المهمشة وحرياتهم المدنية، وهو ما يضر بصورة كندا الحقوقية دولياً.

 

وعلى الجانب الآخر، يتزامن تنظيم البطولة في المكسيك مع تحولات جذرية في سياستها الخارجية بعد تولي الرئيسة كلوديا شينباوم السلطة، والتي سعت لاستغلال هذا الحدث العالمي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتأكيد استقلالية بلادها في مواجهة الضغوط الأمريكية. وقد تصاعدت التوترات بين البلدين مطلع عام ٢٠٢٦ إثر الخلافات حول مكافحة المخدرات، والعمليات غير المصرح بها للمخابرات الأمريكية، والتهديدات بالتدخل العسكري، ودفع هذا الوضع الرئيسة المكسيكية لانتقاد التدخلات الأمريكية بشدة، والسعي لإقرار تعديلات دستورية تسمح بإلغاء نتائج الانتخابات في حال إثبات أي تدخل أجنبي، وهو ما اعتبرته المعارضة محاولة من الحزب الحاكم لاحتكار السلطة بحجة حماية السيادة الوطنية.

 

ورغم مساعي الحكومة المكسيكية لاستخدام كأس العالم كدليل على الاستقرار وللرد على المزاعم الأمريكية التي تصفها بالدولة الفاشلة، إلا أنها تصطدم بواقع داخلي معقد يهدد هذه الصورة. ففي ولاية خاليسكو، التي تستضيف عاصمتها غوادالاخارا أربع مباريات، تفرض عصابات مسلحة شديدة العنف سيطرتها، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات الاختفاء وتفشي ظاهرة الإفلات من العقاب. وفي مواجهة ذلك، تخطط مجموعات الناشطين وعائلات المفقودين لاستغلال التغطية الإعلامية للبطولة لتنظيم احتجاجات واسعة، منتقدين التفاوت الكبير بين الإنفاق الحكومي السخي على تنظيم الرياضة وتجاهل تمويل عمليات البحث عن ذويهم، ليجعلوا من الحدث نافذة عالمية تكشف التناقض الصارخ بين الصورة التي تروج لها الدولة وواقع أزماتها الداخلية.

 

وفي الختام، يتبين أن محاولات الدول المستضيفة لاستغلال الحدث الرياضي الأبرز عالمياً في “التبييض الرياضي” وتحسين صورتها الدولية تصطدم بحراك شعبي وحقوقي متزايد. فقد تحولت الملاعب والمدن المضيفة إلى ساحات لرفض التجاوزات الحكومية، بدءاً من الاحتجاج على التواجد الأمني المكثف لإدارة الهجرة في الملاعب الأمريكية، مروراً بالتنديد بالقيود التعسفية على التأشيرات، وصولاً إلى فضح سياسات تهميش المشردين في كندا والتغطية على العنف الداخلي في المكسيك. وفي النهاية، يثبت مونديال ٢٠٢٦ أن الفعاليات الرياضية الكبرى لا يمكنها الانفصال عن الواقع السياسي، وأن استخدام الرياضة كقناع لإخفاء الأزمات الداخلية والاستقطاب المجتمعي غالباً ما ينتهي بالفشل.

المراجع

——-. “Goals and Geopolitics: The Iran-US War and the 2026 World Cup.” ResearchGate. ResearchGate, accessed June 3, 2026. https://www.researchgate.net/publication/404887089_Goals_and_Geopolitics_The_Iran-US_War_and_the_2026_World_Cup.

 

American Immigration Council. “50 Days until the World Cup: Travel Bans, ICE, and Iran Cause Uncertainty for Players and Fans.” American Immigration Council. American Immigration Council, April 2026. https://www.americanimmigrationcouncil.org/blog/world-cup-travel-bans-ice-iran-50-days/.

 

Amnesty International UK. “World Cup 2026: Growing Threats to Human Rights Set to Undermine FIFA’s Responsibilities One Year out from Kick Off.” Amnesty International UK. Amnesty International UK, June 2025. https://www.amnesty.org.uk/latest/world-cup-2026-growing-threats-human-rights-set-undermine-fifas-responsibilities-one/.

 

Baldwin, Rosemary. “Beneath Mexico’s World Cup Host City: A Crisis of Forced Disappearances.” Independent Australia. Independent Australia, May 20, 2026.  https://independentaustralia.net/life/life-display/beneath-mexicos-world-cup-host-city-a-crisis-of-forced-disappearances,21128.

 

Business & Human Rights Resource Centre. “Unity: Canada, Mexico, and the United States United Bid to Host the 2026 FIFA World CupTM.” Business & Human Rights Resource Centre. Business & Human Rights Resource Centre, June 2024. https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/unity-canada-mexico-and-the-united-states-united-bid-to-host-the-2026-fifa-world-cuptm/.

 

CBC News Staff. “Vancouver Reveals Final FIFA Human Rights Action Plan.” CBC News. Canadian Broadcasting Corporation, May 23, 2026. https://www.cbc.ca/news/canada/british-columbia/fifa-human-rights-action-plan-vancouver-bc-9.7211481.

 

Centro de Derechos del Migrante. “FIFA: Publish Robust Rights Framework for 2026 World Cup.” CDMigrante.org. Centro de Derechos del Migrante, March 2024. https://cdmigrante.org/fifa-rights-framework/.

 

Chan, Melissa. “U.S. Waives Visa Bonds for World Cup Ticketholders from Some Countries.” Time. Time USA, May 14, 2026. https://time.com/article/2026/05/14/fifa-world-cup-us-visa-bonds-waiver-immigration-ice/.

 

Colvin, Jill. “Democrats Slam Mullin in Heated Senate Hearing.” AP News. Associated Press, May 23, 2024. https://apnews.com/article/mullin-senate-border-immigration-trump-ice-e1603018878f708ca073ab62a2d1e68c.

 

Department of Homeland Security. “CBP Reports Surge in Travel Applications as U.S. Ramps Up FIFA World Cup 2026 Preparations.” HSToday. Government Executive Media Group, April 30, 2026. https://www.hstoday.us/subject-matter-areas/border-security/cbp-reports-surge-in-travel-applications-as-u-s-ramps-up-fifa-world-cup-2026-preparations/.

 

Envoy Global. “FIFA World Cup 2026: Final Travel Readiness Guide for Visitors Entering the U.S.” Envoy Global. Envoy Global, May 2026. https://www.envoyglobal.com/insight/fifa-world-cup-2026-final-travel-readiness-guide-for-visitors-entering-the-us/.

 

Eriksson, Linnea. “Sports & Politics: Legacy, Rights, and Labour within the Soft Power of the 2026 World Cup.” DiVA Portal. Malmö University, September 11, 2023. https://www.diva-portal.org/smash/get/diva2:1796482/FULLTEXT01.pdf.

 

Felicello, Daniel. “The Legal Realities Behind FIFA’s 2026 World Cup Agreements amid Public Safety Concerns.” Felicello Law P.C. Felicello Law P.C., October 27, 2025. https://www.felicellolaw.com/news-insights/publications/2025-10-27-the-legal-realities-behind-fifa-2026-world-cup-agreements-amid-public-safety-concerns.

 

Forum Together. “Explainer: Impact of Travel and Immigration Restrictions on the 2026 FIFA Men’s World Cup.” Forum Together. Forum Together, May 2026. https://forumtogether.org/article/explainer-impact-of-travel-and-immigration-restrictions-on-the-2026-fifa-mens-world-cup/.

 

Front Office Sports. “Norway Backs FIFA Complaint over Trump’s Peace Prize.” Front Office Sports. Front Office Sports, December 7, 2025. https://frontofficesports.com/trump-world-cup-fifa-peace-prize/.

 

Gallón, Natalie. “How Dangerous Is Watching the World Cup in Mexico, Really?” CNN. Cable News Network, May 31, 2026. https://keyt.com/news/national-world/cnn-world/2026/05/31/how-dangerous-is-watching-the-world-cup-in-mexico-really/.

 

Hytner, David. “Trump Awarded Inaugural Fifa Peace Prize at World Cup Draw in Washington.” The Guardian. Guardian News & Media, December 5, 2025. https://www.theguardian.com/football/2025/dec/05/fifa-peace-prize-trump-world-cup-infantino.

 

Ibrahim, Miriam. “Toronto World Cup: Union Station Security Targeting Homeless People Ahead of World Cup, Toronto Group Says.” CP24. Bell Media, May 27, 2026. https://www.cp24.com/local/toronto/2026/05/27/union-station-security-targeting-homeless-people-ahead-of-world-cup-toronto-group/.

 

India Today Web Desk. “South Africa Squad Departs for World Cup without Assistant Coach after US Visa Delay.” India Today. Living Media India Limited, June 1, 2026. https://www.indiatoday.in/sports/football/story/south-africa-world-cup-squad-departs-late-assistant-coach-awaits-us-visa-2920545-2026-06-01.

 

Kitroeff, Natalie. “President Sheinbaum Allows Iran Team to Stay in Mexico during World Cup amid US Tensions.” The Guardian. Guardian News & Media, May 25, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/may/25/mexico-fifa-iran-team.

 

Lakhani, Nina. “‘We Want Fans to Know the Risks’: US Immigrant Rights Groups Warn over ICE at World Cup.” The Guardian. Guardian News & Media, June 1, 2026. https://www.theguardian.com/us-news/2026/jun/01/ice-fifa-world-cup-immigrant-rights.

 

Lewis, Paul. “World Cup Will Be ‘Bonanza of Sportswashing’ under Trump, Say Rights Groups.” The Guardian. Guardian News & Media, April 27, 2026. https://www.theguardian.com/football/2026/apr/27/world-cup-bonanza-of-sportswashing-donald-trump-ice-human-rights.

 

Phillips, Tom. “Sheinbaum Tells US Envoy to Keep Out of Mexican Politics after Drug Remarks.” The Guardian. Guardian News & Media, June 2, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/jun/02/sheinbaum-rebukes-us-ambassador.

 

Rein, Lisa. “Most Americans Oppose ICE Presence at World Cup Stadiums, Poll Finds.” The Washington Post. The Washington Post, June 2, 2026. https://www.washingtonpost.com/sports/2026/06/02/most-americans-oppose-ice-presence-world-cup-stadiums-poll-finds/.

 

Simmons, Brian. “US Visitor Visa Rules for the 2026 FIFA World Cup: What Fans Should Know.” Fragomen. Fragomen, March 18, 2026. https://www.fragomen.com/insights/us-visitor-visa-rules-for-the-2026-fifa-world-cup-what-fans-should-know.html.

 

Simmons, Brian. “US Visitor Visa Rules for the 2026 FIFA World Cup: What Fans Should Know.” Fragomen. Fragomen, March 18, 2026. https://www.fragomen.com/insights/us-visitor-visa-rules-for-the-2026-fifa-world-cup-what-fans-should-know.html.

 

The Global Treasurer. “FIFA Secures Last-Minute Federal Tax Breakthrough for 2026 World Cup Teams.” The Global Treasurer. The Global Treasurer, April 30, 2026. https://www.theglobaltreasurer.com/2026/04/30/fifa-secures-last-minute-federal-tax-breakthrough-for-2026-world-cup-teams/.

 

Zamfir, Sorina. “Human Rights, Migration, and Soccer: The Role of FIFA.” In Custodia Legis. Law Library of Congress, November 18, 2021. https://blogs.loc.gov/law/2021/11/human-rights-migration-and-soccer-the-role-of-fifa/.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *