لم يعد النجاح التجاري للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وقراراته المتعلقة بالحوكمة يمثلان مسارين منفصلين، بل أصبحا، على نحو متزايد، وجهين لمنظومة واحدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع آليات إدارة اللعبة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة الأطراف المستفيدة من النموذج التجاري الحديث لكأس العالم، وكيف باتت إيرادات "فيفا" تعتمد بدرجة متزايدة على حضور النجوم وإقامة المواجهات الجماهيرية الكبرى، وما إذا كان هذا الاعتماد يفضي إلى نشوء حوافز مؤسسية قد تثير تساؤلات بشأن بعض القرارات المتعلقة بأهلية المشاركة أو التحكيم.
وتزداد أهمية هذه الإشكالية في ضوء الحجم غير المسبوق لنسخة كأس العالم 2026، التي تمثل الأكبر والأعلى قيمة تجارية في تاريخ "فيفا". كما تستند منظومة رعاية البطولة إلى هيكل متعدد المستويات يضم علامات تجارية عالمية وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع الأندية، بما يعكس اتساع المصالح الاقتصادية المرتبطة بالبطولة. وفي الوقت نفسه، شهدت منافسات هذا العام تراجعات عن قرارات تأديبية، إلى جانب حالات أثارت جدلًا تحكيميًا، ربطها منتقدون بصورة مباشرة بالحوافز التجارية التي تمثل أحد المحركات الرئيسة لإيرادات "فيفا".
وتستند هذه الدراسة إلى الإفصاحات المالية الصادرة عن "فيفا"، وبيانات الرعاية، والتغطيات المعاصرة للبطولة، مع الالتزام بالفصل بوضوح بين الوقائع الموثقة والتفسيرات محل الجدل. كما تميز بين ما تثبته الأدلة وما يندرج في إطار القراءات والتحليلات الإعلامية، ولا سيما في الحالات التي طُرحت فيها قرارات تحكيمية أو تأديبية باعتبارها مثارًا للتساؤل والنقاش، لا بوصفها دليلًا على وجود تلاعب.
لطالما شكّلت بطولة كأس العالم فضاءً عالميًا يتجاوز حدود الرياضة، إذ تجمع جماهير من مختلف أنحاء العالم حول مباريات مشوقة، وتخلق روابط إنسانية عابرة للثقافات والهويات. غير أن النسخة الحالية من البطولة، التي تستضيف الولايات المتحدة القسم الأكبر من مبارياتها، باتت محط موجة واسعة من الانتقادات، امتدت من إشكاليات فوارق التوقيت إلى قضايا أكثر حساسية وإثارة للجدل، من بينها ارتفاع أسعار التذاكر، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلًا عن تشديد سياسات الهجرة.
وقد تجسدت هذه السياسات في توظيف وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لمراقبة الملاعب ورصد المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب إلغاء التأشيرات وترحيل مهاجرين مقيمين بصورة قانونية قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة. ولم تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على إثارة انتقادات واسعة بين الجماهير فحسب، بل دفعت أيضًا إلى تصاعد التساؤلات بشأن مدى أهلية الولايات المتحدة لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.
ومن ثم، تكشف هذه النسخة من كأس العالم بوضوح كيف يمكن للدول توظيف الحدود وحرية التنقل كأدوات لحماية مصالحها وإبراز قوتها. ففي هذه الحالة، لا تبدو الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، مجرد ساحة محايدة لـ"اللعبة العالمية" التي تروّج لها الفيفا، بل تظهر بوصفها فاعلًا سياسيًا نشطًا يستخدم التأشيرات، والإجراءات الأمنية، والضوابط الحدودية للتحكم في من يُسمح له بالتنقل، ومتى، وتحت أي شروط.
لاقى فوز الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦ ترحيباً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الدولية، حيث اعتُبر إنجازاً استثنائياً للدبلوماسية الرياضية العابرة للحدود. وقد سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والدول المستضيفة، من خلال رفع شعار "نحن ٢٠٢٦"، إلى تقديم صورة مثالية للتعاون الإقليمي والتماسك المشترك، مروجين لفكرة انتصار القوة الناعمة للرياضة على الخلافات الجيوسياسية المعقدة.
ولكن مع حلول صيف عام ٢٠٢٦، اصطدمت هذه الوعود بواقع سياسي متناقض تماماً. فبدلاً من أن تعكس البطولة صورة للوحدة وسلاسة التنقل والحدود المفتوحة، كشفت التحضيرات لتنظيم هذا الحدث الضخم عن انقسامات عميقة وإجراءات أمنية صارمة تسيطر على قارة أمريكا الشمالية. وبذلك، تحولت بطولة كأس العالم من أداة للتكامل الإقليمي إلى عدسة مكبرة تفضح التناقضات السياسية الحادة التي تشكل السياسات الداخلية والخارجية للدول المستضيفة.