لم يعد التنافس على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي يُحسم داخل المختبرات وحدها، بل امتد إلى صناديق الاقتراع. ففي وقتٍ لا تزال فيه الولايات المتحدة تواجه صعوبة في إقرار إطار تشريعي وتنظيمي شامل لإحدى أسرع التقنيات تطورًا في العالم، بدأت الشركات التي تقود هذا القطاع تتنافس على ما هو أثمن من الحصة السوقية، وهو النفوذ السياسي. وخلال دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أنفقت شركات الذكاء الاصطناعي ولجان العمل السياسي المرتبطة بها عشرات الملايين من الدولارات في سباقات الكونجرس، ودعمت مرشحين متنافسين، ووسعت نشاطها في مجال الضغط السياسي داخل واشنطن. وبذلك، لم تعد الانتخابات مجرد ساحة للتنافس على النفوذ، بل أصبحت جزءًا من الصراع على الجهة التي ستتولى صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل.
ويعكس ذلك تحولًا نوعيًا في العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة. فبدلًا من انتظار الحكومات لوضع الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، باتت الشركات الرائدة تسعى، على نحو متزايد، إلى التأثير في البيئة السياسية التي ستنبثق عنها تلك الأطر، قبل إقرارها. ومع استمرار الانقسام داخل الكونجرس بشأن تشريع شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي، غدت الانتخابات إحدى الساحات التي يتحدد فيها مستقبل حوكمة هذه التكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، قد تمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 أول اختبار لقدرة المؤسسات الديمقراطية على صياغة الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، قبل أن يبدأ النفوذ السياسي المتنامي للشركات العاملة في هذا القطاع في التأثير في صياغتها.
يعكس الانخراط السياسي المتزايد لشركات الذكاء الاصطناعي تحولًا جوهريًا في الطريقة التي تسعى بها كبرى شركات التكنولوجيا إلى ترسيخ نفوذها في واشنطن. ففي السابق، كانت هذه الشركات تركز جهودها على ممارسة الضغط على المسؤولين المنتخبين بعد وصول مشروعات القوانين إلى الكونجرس. أما اليوم، فقد انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تقوم على التأثير في تركيبة الكونجرس نفسها قبل أن تبدأ العملية التشريعية.
وقد تسارع هذا التحول بوتيرة لافتة. فوفقًا لبيانات مؤسسة “أوبن سيكريتس” (OpenSecrets)، تجاوز إنفاق لجان العمل السياسي المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي على انتخابات الكونجرس 43 مليون دولار بحلول أواخر يونيو 2026. وتُظهر أحدث بيانات الإفصاح عن تمويل الحملات الانتخابية أن هذا الإنفاق تجاوز 50 مليون دولار، استأثرت لجان العمل السياسي المرتبطة بشركتي “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”أنثروبيك” (Anthropic) بالنصيب الأكبر منه. ولم يقتصر دعم الشركتين على مرشحي حزب بعينه، بل امتد إلى مرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء. ويكشف ذلك أن هدفهما الرئيس لا يتمثل في ترجيح كفة تيار أيديولوجي بعينه، بقدر ما يتمثل في التأثير في السياسات المنظمة للذكاء الاصطناعي، بصرف النظر عمن يتولى صياغتها.
ويجسد ظهور لجان عمل سياسي فائقة متخصصة في قضايا الذكاء الاصطناعي هذا التحول بوضوح. ففي مقدمتها لجنة “ليدينج ذا فيوتشر” (Leading the Future)، المدعومة من رئيس شركة “أوبن إيه آي” جريج بروكمان، وشركة رأس المال الاستثماري “أندريسن هورويتز” (Andreessen Horowitz)، إلى جانب عدد من المستثمرين في قطاع التكنولوجيا. وتتخذ اللجنة موقفًا معارضًا للقيود التنظيمية التي ترى أنها قد تُبطئ وتيرة الابتكار أو تُضعف القدرة التنافسية للولايات المتحدة في مواجهة الصين.
وفي المقابل، تؤيد لجنة “بابلك فيرست أكشن” (Public First Action)، المدعومة من شركة “أنثروبيك”، اعتماد أطر تنظيمية أكثر صرامة، مع معارضتها للمقترحات الفيدرالية الرامية إلى منع الولايات من وضع قواعدها الخاصة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. ورغم اختلاف اللجنتين بشأن المستوى المناسب للتنظيم، فإنهما تلتقيان عند هدف واحد، يتمثل في توجيه استثمارات سياسية لضمان أن يكون المشرعون الذين سيتولون صياغة التشريعات المقبلة أكثر تقبلًا للرؤية التي تتبناها كل منهما لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
ولم يبق هذا التنافس حبيس الجدل حول السياسات، بل امتد إلى ساحات المنافسة الانتخابية نفسها. ففي الدائرة الثانية عشرة للكونجرس بولاية نيويورك، أنفقت لجان عمل سياسي مرتبطة بشركة “أوبن إيه آي” وأخرى مدعومة من شركة “أنثروبيك” نحو 27 مليون دولار لدعم مرشحين متنافسين. وبذلك، تحول هذا السباق، عمليًا، إلى مواجهة غير مباشرة بين رؤيتين متنافستين لتنظيم الذكاء الاصطناعي، أكثر منه منافسة تقليدية على مقعد في الكونجرس. ورغم فوز ميكا لاشر في نهاية المطاف على أليكس بوريس، من دون أن تتمكن أي من الشركتين من ترجيح كفة النتيجة لصالح مرشح بعينه، فإن حجم الإنفاق غير المسبوق كشف استعداد شركات الذكاء الاصطناعي للتعامل مع الانتخابات الفردية بوصفها استثمارات استراتيجية في معركة صياغة الأطر التنظيمية المقبلة.
ولم تقتصر هذه الاستراتيجية على نيويورك. ففي ولايات أخرى، وُجِّه الإنفاق السياسي المدعوم من شركات الذكاء الاصطناعي إلى سباقات انتخابية خاضها مرشحون يدعون إلى تشديد الرقابة على الذكاء الاصطناعي. ففي ولاية مونتانا، وجد المرشح الجمهوري آل أولشيفسكي، الذي خاض حملته بوصفه محافظًا يستند إلى دعم القواعد الشعبية، نفسه في مواجهة حملة ممولة بكثافة، بعدما أنفقت لجنة عمل سياسي مرتبطة بشركة “أوبن إيه آي” ما يقرب من 900 ألف دولار لدعم منافسه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري.
وفي تعليقه على تلك التجربة، قال أولشيفسكي: “لم يكن أمام مرشح يعتمد على دعم القواعد الشعبية أي فرصة لمنافسة هذا الحجم من الإنفاق”. وتبرز هزيمته الكيفية التي يمكن أن يعيد بها النفوذ المالي تشكيل المنافسة الانتخابية، ولا سيما في سباقات الكونجرس الأقل استقطابًا للاهتمام، حيث قد يكون لإنفاق محدود نسبيًا أثر يتجاوز حجمه في ترجيح كفة الحملات الانتخابية.
غير أن تمويل الحملات الانتخابية لا يمثل سوى أحد أبعاد استراتيجية نفوذ أوسع. فبالتوازي مع توسيع حضورها في السباقات الانتخابية، كثفت كبرى شركات التكنولوجيا نشاطها في مجال الضغط السياسي داخل واشنطن. ووفقًا لبيانات منظمة “إيشو ون” (Issue One)، أنفقت ثماني شركات كبرى في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي ما مجموعه 71 مليون دولار على أنشطة الضغط الموجهة إلى الحكومة الفيدرالية خلال عام 2025.
ولم يقتصر هذا الانخراط السياسي على تمويل الحملات الانتخابية أو توسيع شبكات الضغط. ففي الربع الأول من عام 2026 وحده، استعانت شركات “ألفابت” (Alphabet)، و”ميتا” (Meta)، و”مايكروسوفت” (Microsoft)، و”أنثروبيك”، و”إنفيديا” (Nvidia)، و”أوبن إيه آي” بأكثر من 300 من ممارسي الضغط السياسي، وأنفقت ما يقرب من 20 مليون دولار على أنشطة الضغط الموجهة إلى الحكومة الفيدرالية. ويعكس ذلك مستوى غير مسبوق من الانخراط السياسي المنسق داخل قطاع لم يعد ينظر إلى التنظيم بوصفه تحديًا تشريعيًا فحسب، بل باعتباره أحد أبرز المخاطر التجارية التي تواجهه.
وتمنح هذه الاستراتيجية المزدوجة، التي تجمع بين تمويل الحملات الانتخابية وتوسيع أنشطة الضغط السياسي، شركات الذكاء الاصطناعي قدرة على التأثير في البيئة السياسية قبل الانتخابات، وفي مسار العملية التشريعية بعدها. وبدلًا من انتظار المشرعين لوضع الأطر المنظمة للذكاء الاصطناعي، باتت هذه الشركات تتحرك استباقيًا للتأثير في هوية من سيتولون صياغة تلك الأطر. ومع تزايد تشابك المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي مع اعتبارات الأمن القومي، والريادة الاقتصادية، والتفوق التكنولوجي، لم تعد الانتخابات مجرد آلية لاختيار المشرعين، بل غدت ساحة جديدة تتنافس فيها شركات الذكاء الاصطناعي على ترجيح رؤيتها لمستقبل حوكمة هذه التكنولوجيا.
لم يعد الانخراط السياسي المتزايد لشركات الذكاء الاصطناعي يقتصر على تمويل الحملات الانتخابية، بل أصبح جزءًا من سباق أوسع على صياغة القواعد التي ستحكم تكنولوجيا يُنتظر أن تعيد تشكيل الاقتصادات، وأسواق العمل، والأمن القومي، والقدرات العسكرية خلال العقود المقبلة. وفي قلب هذا السباق يبرز سؤال جوهري: من يمتلك سلطة صياغة القواعد التي ستنظم هذه التكنولوجيا؟ فعلى خلاف الثورات التكنولوجية السابقة، التي لم تلحقها الأطر التنظيمية إلا بعد سنوات من انتشارها الواسع، تجد الحكومات نفسها اليوم مطالبة بوضع قواعد لتنظيم الذكاء الاصطناعي في الوقت الذي لا تزال فيه هذه التكنولوجيا تتطور بوتيرة متسارعة. ومن ثم، لم تعد الانتخابات مجرد استحقاقات سياسية دورية، بل غدت إحدى الساحات التي يتحدد فيها شكل الإطار التنظيمي للذكاء الاصطناعي قبل أن يستقر ويتحول إلى أمر واقع.
ويفسر ذلك لماذا باتت شركات الذكاء الاصطناعي تنظر إلى الانتخابات بوصفها استثمارات استراتيجية طويلة الأجل، لا مجرد معارك سياسية قصيرة المدى. فبالنسبة إلى الشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لن تحدد القرارات التنظيمية التي ستُتخذ خلال السنوات القليلة المقبلة تكلفة الامتثال للمتطلبات التنظيمية فحسب، بل سترسم أيضًا حدود الوصول إلى الأسواق، ومستوى القدرة التنافسية الدولية، وقواعد حوكمة البيانات، ومعايير المسؤولية القانونية، وبيئة الاستثمار. ومن ثم، قد يكون حسم الجدل حول القواعد المنظمة للقطاع هو العامل الذي سيحدد الشركات القادرة على الهيمنة على صناعة عالمية يُتوقع أن تولد قيمة اقتصادية تُقدَّر بتريليونات الدولارات.
ولا يعني ذلك أن شركات الذكاء الاصطناعي تتبنى رؤية موحدة لتنظيم هذا القطاع. فالخلاف بينها لا يدور حول ضرورة التنظيم في حد ذاته، وإنما حول الكيفية التي ينبغي أن تُصاغ بها قواعده. ففي حين تدافع شركة “أوبن إيه آي” (OpenAI) وحلفاؤها السياسيون عن معايير تنظيمية موحدة على المستوى الفيدرالي، فإنهم يحذرون من تحول المشهد التنظيمي إلى شبكة متباينة من القواعد التي تعتمدها كل ولاية على حدة. وينطلق هذا الموقف من قناعة بأن تعدد المتطلبات التنظيمية بين الولايات من شأنه أن يرفع تكاليف الامتثال، ويبطئ طرح المنتجات في الأسواق، ويقوض الميزة التنافسية للولايات المتحدة في مواجهة الصين. وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” (OpenAI)، سام ألتمان، خلال مشاركته في القمة العالمية للحكومات في وقت سابق من هذا العام، أن “العالم بحاجة إلى قواعد تنظم الذكاء الاصطناعي، لكن ينبغي أن تكون قواعد عالمية”. ويعكس هذا التصريح تفضيل الشركة لنظام حوكمة موحد، بدلًا من تعدد الأطر التنظيمية بين الولايات أو تداخلها.
وعلى النقيض من ذلك، تميل شركة “أنثروبيك” (Anthropic) إلى تأييد أطر تنظيمية أكثر صرامة، مع دفاعها عن حق الولايات في سن تشريعات خاصة بالذكاء الاصطناعي في حال غياب إطار تشريعي فيدرالي. ويعكس هذا الموقف امتدادًا لنهج الشركة الذي يولي أولوية خاصة لسلامة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما النماذج المتقدمة التي قد تنطوي على مخاطر مجتمعية واسعة النطاق. ورغم اتفاق الشركتين على أن تنظيم الذكاء الاصطناعي أصبح أمرًا لا مفر منه، فإن خلافهما لا يدور حول مبدأ التنظيم، بل حول الجهة التي تضع قواعده، والوتيرة التي تُصاغ بها، ومدى صرامتها.
ولا يقتصر هذا الجدل على شركات التكنولوجيا وصناع السياسات، بل امتد إلى الرأي العام، في ظل تزايد القلق من تداعيات الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين، مع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أماكن العمل، والمؤسسات التعليمية، والحياة اليومية. ونتيجة لذلك، أصبح المناخ السياسي أكثر تقبلًا لتشديد الأطر المنظمة لهذه التكنولوجيا. وتعكس استطلاعات الرأي الحديثة هذا التحول بوضوح؛ إذ يؤيد ما يقرب من ثلاثة أرباع الأمريكيين تشديد تنظيم الذكاء الاصطناعي، فيما يرى نحو ثلثيهم أن هذه التكنولوجيا تتطور بوتيرة تفوق قدرة المجتمع على مواكبتها. كما يعتقد معظم الأمريكيين أنها تنطوي على مخاطر كبيرة، تشمل فقدان الوظائف، وانتشار المعلومات المضللة، وتصاعد الجرائم السيبرانية، وتزايد تركّز النفوذ الاقتصادي في أيدي عدد محدود من شركات التكنولوجيا.
واللافت أن هذه المخاوف لم تعد حكرًا على تيار سياسي بعينه، بل امتدت إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء. ولم يعد الخلاف بينهما يدور حول ضرورة تنظيم الذكاء الاصطناعي، وإنما حول الكيفية التي ينبغي أن تُصاغ بها قواعده. ويضفي هذا القدر من التوافق بين الحزبين خصوصية لافتة على قضية الذكاء الاصطناعي في المشهد السياسي الأمريكي، حيث بات من النادر أن تحظى القضايا الكبرى بإجماع يتجاوز الانقسامات الحزبية. ومن ثم، لم يعد تنظيم الذكاء الاصطناعي مجرد ملف تقني يقتصر على المختصين، بل أخذ يتحول تدريجيًا إلى قضية انتخابية رئيسة، لم يعد في وسع المرشحين تجاهلها.
غير أن هذا التحول في المزاج العام لم يجد طريقه بعد إلى التشريع. فما زالت واشنطن عاجزة عن ترجمة تصاعد القلق المجتمعي إلى إطار تشريعي شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي. ورغم وجود توافق واسع بين المشرعين على ضرورة إخضاع هذه التكنولوجيا لأطر حوكمة واضحة، فإن الخلافات بشأن الابتكار، والأمن القومي، والمنافسة مع الصين، والخصوصية، وحدود صلاحيات الولايات، لا تزال تحول دون إقرار تشريع فيدرالي شامل. وقد أوجد هذا الفراغ التشريعي البيئة التي يتعاظم فيها النفوذ السياسي للشركات. فمع غياب قواعد مستقرة، لم تعد الانتخابات مجرد وسيلة لاختيار المشرعين، بل أصبحت فرصة للتأثير في هوية من سيتولى صياغة القواعد المنظمة للذكاء الاصطناعي.
ولا يتوقف نفوذ شركات الذكاء الاصطناعي عند حدود تمويل الحملات الانتخابية، بل يندرج ضمن استراتيجية سياسية أوسع. فإلى جانب توسيع أنشطة الضغط السياسي، تواصل هذه الشركات بناء شبكات علاقاتها مع صناع القرار، وتمويل المنظمات المعنية بالتأثير في السياسات العامة، والمشاركة المباشرة في مشاورات إعداد التشريعات. ويمنحها هذا الحضور، مقترنًا بتمويل الحملات الانتخابية، قدرة متزايدة على التأثير في مسار النقاشات التشريعية قبل وصول مشروعات القوانين إلى اللجان المختصة، بما يعزز نفوذها في مختلف مراحل صنع السياسات.
ولا تقتصر آثار هذا التحول على قطاع الذكاء الاصطناعي وحده، بل تمتد إلى آلية صنع السياسات في النظم الديمقراطية نفسها. فقد درجت الصناعات، تاريخيًا، على محاولة التأثير في القرارات التنظيمية بعد أن تفرز المؤسسات الديمقراطية ممثليها المنتخبين. أما اليوم، فيبدو أن شركات الذكاء الاصطناعي باتت مستعدة لتوجيه موارد ضخمة نحو التأثير في نتائج الانتخابات ذاتها، قبل الشروع في صياغة التشريعات. ويعني ذلك، عمليًا، قلب الترتيب التقليدي لصنع السياسات في النظم الديمقراطية، بحيث تصبح التفضيلات التنظيمية عاملًا مؤثرًا في المنافسة الانتخابية، بدلًا من أن تكون نتاجًا لها.
ولا يُرجح أن يتراجع هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة، بل يُتوقع أن يتصاعد الإنفاق السياسي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، مع استمرار تطور هذه التكنولوجيا بوتيرة تفوق قدرة الحكومات على مواكبة تنظيمها. فالمنافسة المتزايدة بين الشركات الأمريكية، وتصاعد التنافس الجيوسياسي مع الصين، واتساع التطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي، وتنامي القلق العام إزاء مخاطره، كلها عوامل تدفع هذه الشركات إلى تعميق انخراطها السياسي وتوسيعه.
وإذا استمرت الاتجاهات الراهنة، فقد تشهد الدورات الانتخابية المقبلة انخراطًا أكبر للشركات في تمويل الانتخابات، ولا سيما في سباقات الكونجرس المتقاربة، حيث يمكن لاستثمارات مالية محدودة نسبيًا أن تحقق عوائد سياسية تتجاوز بكثير قيمتها. غير أن جوهر القضية يتجاوز تمويل الحملات الانتخابية أو الإنفاق على أنشطة الضغط السياسي. فالسؤال الحقيقي يتمثل في ما إذا كانت المؤسسات الديمقراطية قادرة على وضع أطر حوكمة تتمتع بالشرعية للتكنولوجيا التي باتت تؤثر، على نحو متزايد، في الإنتاجية الاقتصادية، والنقاش العام، والأمن القومي، والحياة الاجتماعية، من دون أن تهيمن الجهات الخاضعة لهذه الأطر التنظيمية على عملية صياغتها. ولا خلاف على أن مشاركة الشركات في النقاش العام وصنع السياسات تمثل جانبًا مشروعًا من العملية الديمقراطية. غير أن استمرار هيمنتها على تمويل الحملات الانتخابية قد يقوض ثقة الرأي العام في أن سياسات الذكاء الاصطناعي تُصاغ بما يخدم المصلحة الوطنية الأوسع، لا الأولويات التجارية لعدد محدود من الشركات الكبرى.
وعلى هذا الأساس، لا تمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 مجرد استحقاق انتخابي آخر، بل تشكل مؤشرًا مبكرًا على الكيفية التي قد تستجيب بها النظم الديمقراطية لصعود الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز التقنيات الاستراتيجية التي ستشكل ملامح القرن الحادي والعشرين. وإذا استمرت الاتجاهات الراهنة، فمن المرجح أن تشهد الدورات الانتخابية المقبلة منافسة أشد بين شركات الذكاء الاصطناعي للتأثير في التشريعات قبل صياغتها، بما يحول الحملات الانتخابية، على نحو متزايد، إلى إحدى الساحات الرئيسة في التنافس العالمي على صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي. ولن تقتصر تداعيات هذا المسار على الكيفية التي سيُنظَّم بها الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، بل ستمتد إلى اختبار قدرة المؤسسات الديمقراطية على الاحتفاظ بدورها في توجيه التقنيات التي يتزايد تأثيرها في تشكيل مستقبل المجتمعات، والقوة الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي.
Bond, Shannon. 2026. “AI and Tech Are Trying to Influence the Midterm Elections.” NPR. June 22, 2026. https://www.npr.org/2026/06/22/nx-s1-5856359/ai-anthropic-congress-spending-openai-midterms-election.
Kerr, Dara. 2026. “Tech Billionaires Are Spending Unprecedented Sums in California Races. Experts Say It’s the Tip of the Iceberg.” The Guardian. The Guardian. June 2026. https://www.theguardian.com/us-news/2026/jun/01/tech-billionaires-california-elections.
Kimelman, Jeremia. 2026. “Tech Giants Are Spending More than Ever to Shape California Politics. See How Much.” CalMatters. March 27, 2026. https://calmatters.org/politics/2026/03/meta-google-ai-regulation-elections/.
Leath, Mason. 2026. “Exclusive: Anthropic CEO Calls for Stronger Regulation of AI.” ABC News. June 11, 2026. https://abcnews.com/Business/exclusive-anthropic-ceo-calls-stronger-regulation-ai/story?id=133753620.
Rogelberg, Sasha. 2026. “Anthropic and OpenAI Waged a $27 Million Proxy War in a Manhattan Congressional Race. The Winner Told Them Both to Get Lost.” Fortune. June 26, 2026. https://fortune.com/2026/06/26/anthropic-openai-ny12-proxy-war-no-winners-election-super-pac-donations/.
Wilkins, Joe. 2026. “AI Companies Are Trying to Seize Control of Elections.” Yahoo News. June 23, 2026. https://www.yahoo.com/news/politics/articles/ai-companies-trying-seize-control-164536048.html.
تعليقات