من التبعية إلى التأثير: كيف غيّر الجنوب العالمي خريطة الأمم المتحدة؟
البرامج البحثية

من التبعية إلى التأثير: كيف غيّر الجنوب العالمي خريطة الأمم المتحدة؟

يتجاوز قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن "تصحيح الخريطة" نطاق النقاش التقني حول إسقاطات الخرائط، ليكشف عن ساحة رمزية جديدة تتحرك داخلها دول "الجنوب العالمي" لإعادة التفاوض حول الطريقة التي يُمثَّل بها العالم. فالقرار، الذي شجّع على استخدام إسقاطات متساوية المساحة؛ وفي مقدمتها "الأرض المتساوية" (Equal Earth)، لا يفرض خريطة موحدة ولا يغيّر حدود الدول، لكنه يمنح مطلباً إفريقياً قديماً شرعية أممية واضحة: ألا تُعرض القارة في التعليم، والإعلام، والمؤسسات الدولية بصورة تقلص وزنها المكاني مقارنة بمناطق الشمال. ومن هذه الزاوية، لا يبدو التصويت مجرد تصحيح جغرافي، بل اختراقٌ سياسيٌ في مجال "الحوكمة البصرية"، حيث تتقاطع المعرفة مع القوة، ويتحول شكل العالم المعروض أمام الجمهور إلى موضوع تفاوض داخل النظام متعدد الأطراف.   وقد جاء هذا الحراك في توقيت يشهد صعوداً متزايداً لقدرة دول الجنوب على تحويل قضايا الهوية والتمثيل إلى بنود على الأجندة الدولية. وقد أظهر تمرير القرار أن القوة الناعمة لا تُمارس فقط عبر الثقافة والخطاب، بل كذلك عبر تحديد المعايير التي تنتج المعرفة العامة. ولا يعني ذلك أن تغيير الإسقاط الخرائطي سيعيد، بمفرده، توجيه الاستثمارات أو رسم سلاسل الإمداد، لكنه يوفر أداة سردية تساعد دول إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب آسيا على إبراز اتساع أسواقها، وامتداد ممراتها، وموقعها في شبكات الموارد والتجارة العالمية. وبذلك يصبح "التحرر البصري" مدخلاً لإعادة تقديم الوزن الجيواقتصادي للجنوب، لا بديلاً عن عناصر القوة المادية، وإنما إطارٌ يساعد على رؤيتها والتعامل معها بقدر أكبر من الجدية.   وقد شكّلت الخرائط، عبر التاريخ، إحدى أكثر أدوات السلطة المعرفية تأثيراً. فهي تؤدي وظيفة عملية في الملاحة والإدارة، لكنها في الوقت نفسه تختار ما يوضع في المركز، وما يظهر على الهامش، وكيف تُرسم الحدود وتُسمّى الأماكن. ولهذا لم تكن الخرائط منفصلة عن الدولة والإمبراطورية؛ فقد استُخدمت في المسح، والضرائب، والحملات العسكرية، وترسيم مناطق النفوذ، كما أسهمت في تحويل المجال الجغرافي إلى واقع قابل للإدارة والسيطرة. وتحمل كل خريطة، إلى جانب بياناتها، افتراضات تتعلق بالغرض والمقياس والإسقاط وموقع المشاهد. ومن ثمّ، فإن قراءة الخريطة لا تقتصر على سؤال "هل هي دقيقة؟"، بل تمتد إلى سؤال أكثر سياسية: دقيقة بالنسبة إلى أي غرض، ومن الذي اختار طريقة عرض العالم، وما التصورات التي يرسخها هذا الاختيار حين يتحول إلى معيار واسع الانتشار؟   ومنذ القرن السادس عشر، احتل إسقاط "ميركاتور" موقعاً استثنائياً في رسم خرائط العالم. وقد صُمم أساساً لخدمة الملاحة؛ إذ يحافظ على الزوايا ويجعل الاتجاهات الثابتة خطوطاً مستقيمة، لكنه يضخم المساحات كلما اقتربنا من القطبين. والمشكلة، إذن، ليست في استخدامه للمهمة التي صُمم من أجلها، وإنما في تحوله إلى صورة عامة للعالم داخل الفصول الدراسية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حتى في السياقات التي تكون فيها مقارنة المساحات هي الغرض الأساسي. وتظهر نتيجة هذا الاختيار بوضوح في المقارنة بين إفريقيا وغرينلاند: إذ تبدوان متقاربتين بصرياً على كثير من خرائط ميركاتور، بينما تبلغ مساحة إفريقيا نحو ٣٠.٣٧ مليون كيلومتر مربع، أي قرابة أربعة عشر ضعفاً لمساحة غرينلاند البالغة نحو ٢.١٧ مليون كيلومتر مربع. وعندما تتكرر هذه الصورة جيلاً بعد جيل، فإنها لا تنشئ التهميش السياسي بمفردها، لكنها تمنحه لغة بصرية تتسق مع مركزية الشمال في المخيال العالمي.   ويأتي قرار تصحيح الخريطة، الذي قادته توغو باسم المجموعة الإفريقية وسانده الاتحاد الإفريقي، ليضع هذا الاعتراض داخل إطار مؤسسي دولي. وقد اعتمدت الجمعية العامة النص الوارد في الوثيقة A/80/L.104 بأغلبية ١٦٤ دولة، مقابل صوت واحد رافض للولايات المتحدة وستة امتناعات عن التصويت. وتنبع الدلالة السياسية لهذه النتيجة من اتساع التأييد خارج إفريقيا والجنوب التقليدي، إذ انضمت إلى القرار دول أوروبية وقوى دولية متباينة المصالح. والقرار غير ملزم قانوناً، كما أنه لا يمس السيادة أو الحدود أو الوضع القانوني للأقاليم المتنازع عليها؛ لكنه يطالب المؤسسات التعليمية والإعلامية والدولية والمنصات الرقمية بالنظر بجدية في استخدام إسقاطات أكثر ملاءمة لإظهار المساحات النسبية. لذلك تكمن قوته الأساسية في نقل "العدالة البصرية" من حملة مناصرة إفريقية إلى معيار دولي قابل للانتشار.