كتب بواسطة

شهدت عملية الوصول إلى المدار الأرضي المنخفض تحولًا جذريًا خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، إذ انتقلت من مهمة حكومية تُمولها ميزانيات الدول الكبرى إلى خدمة لوجستية تخضع لآليات البيع والشراء بناءً على وزن الحمولة. وبلغت قيمة اقتصاد الفضاء العالمي نحو 626 مليار دولار عام 2025، واستحوذت الأنشطة التجارية على قرابة 78% من هذا الحجم، مع توقعات تشير إلى نموه ليبلغ ما بين تريليون و1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، على الرغم من أن قطاع خدمات الإطلاق وحده لا يتعدى 14 مليار دولار. ويُبرز هذا التباين حقيقة أساسية مفادها أن الإطلاق ليس هو السوق المستهدف بحد ذاته، بل يُعد بوابة عبور تحدد تكلفتها طبيعة وحجم المشاريع الممكن إقامتها في الفضاء.

 

يقوم هذا التحول الهيكلي على ابتكار هندسي مفصلي، يتمثل في استعادة المرحلة الأولى من الصاروخ وإعادة استخدامها بدلًا من إتلافها بعد كل رحلة، مما أتاح توزيع تكاليف التصنيع الرأسمالية على رحلات عدة، وأطاح بحاجز التكلفة الذي هيمن على السوق لعقود، ما أدى إلى انحصار المنافسة التقنية في مجال إعادة استخدام صواريخ المدار المُنخفض بين قوتين أساسيتين، هما الولايات المتحدة التي تمتلك أسطولًا متطورًا يُنفذ إطلاقات دورية مكثفة، والصين التي تنفذ منذ منتصف عام 2024 اختبارات متسارعة وعالية المخاطر سعيًا لامتلاك التكنولوجيا عينها، ما أسفر عن لم إزالة عتببة القدرة على بلوغ المدار كفاصل تكنولوجي بين البلدين، لينحصر التحدي الفعلي في إتقان تقنيات التوجيه الدقيق خلال الأمتار الأخيرة التي تسبق الهبوط الآمن.

 

لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك اقتصاديات إعادة الاستخدام وتحديد موضع الاختناق الحقيقي في هيكل الكلفة، ثم قياس الفجوة القائمة بين واشنطن وبكين عبر مؤشرين متمايزين هما عدد الإطلاقات والكتلة المُرسلة إلى المدار، وأخيرًا تقدير المسافة التقنية والزمنية التي تفصل الصين عن أول عملية استرداد ناجحة، وما يترتب على إتمامها من إعادة تشكيل لأسعار خدمات الإطلاق العالمية ولموازنات شبكات الأقمار الضخمة التي تعتمدها عليها تقنيات الإنترنت الفضائي.

أولًا- كيف أسقطت إعادة الاستخدام كلفة الوصول إلى المدار

هيمنت صواريخ الإطلاق المُستهلكة (Expendable Launch Vehicles) على سوق الفضاء خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، لتفرض حدًا أدنى للأسعار تراوح بين ثمانية آلاف وخمسة عشر ألف دولار للكيلوجرام الواحد، نتيجة الخسارة الحتمية للمحركات والهياكل وأنظمة التوجيه بالكامل في كل رحلة. ولم يخرج برنامج مكوك الفضاء الأمريكي، الذي صممته وأدارته وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) منذ إطلاقه عام 1981 وحتى إحالته للتقاعد عام 2011، عن هذه القاعدة فعليًا؛ فعلى الرغم من تصنيفه كمركبة قابلة لإعادة الاستخدام جزئيًا، بلغت تكلفته المُعدلة وفقًا للتضخم نحو 54,500 دولار للكيلوجرام، نظرًا لأن عملية التجهيز تطلبت شهورًا طويلة من الفحص اليدوي المعقد للدرع الحراري وتفكيك المحركات. يُقدم هذا التباين درسًا اقتصاديًا بالغ الأهمية، يتلخص في أن مبدأ إعادة الاستخدام لا يُخفض التكلفة تلقائيًا، بل يظل العامل الحاسم كامنًا في سرعة عمليات التجديد وانخفاض أعبائها المادية.

 

أعادت شركة “سبيس إكس” (SpaceX) صياغة المعادلة الاقتصادية لأسواق الفضاء عبر إطلاق صاروخها “فالكون 9” (Falcon 9)، مُستهدفة خفض تكاليف الجزء الذي يستنزف ما بين 60% و70% من ميزانية تصنيع المركبة، والمتمثل في مرحلتها الأولى. وتطلّب ابتكار منظومة الهبوط العمودي استثمارات قاربت مليار دولار، غير أن توزيع هذه النفقات الرأسمالية على أكثر من 400 عملية استرداد ناجحة حتى عام 2026 أحالها إلى عبء مالي يظهر هامشيًا في حسابات الرحلة الواحدة. ولا تتجاوز تكلفة التجديد المادي للمرحلة المُستردة مبلغ 250 ألف دولار، أي ما يعادل 10% تقريبًا من تكلفة بناء مرحلة جديدة بالكامل، لتتحقق نقطة التعادل المالي بمجرد إتمام الرحلة الثانية، ثم تتضاعف الربحية انطلاقًا من الرحلة الثالثة وما يليها، ما منح السوق مكسبًا ماليًا غير مباشر، إذ انخفضت تكلفة التأمين على الصواريخ التي أثبتت كفاءتها في رحلات سابقة بنسبة تتراوح بين 25% و40% مقارنة بالمركبات الجديدة، وذلك لتراجع احتمالات ظهور عيوب التصنيع الأولية.

 

يُظهر تفكيك التكلفة الحدية لرحلة صاروخ “فالكون 9” المُعاد استخدامه، والتي تُقدر بما يتراوح بين 15 و27 مليون دولار، موضع العبء المالي المتبقي في هذا التصميم الهندسي؛ إذ يُخصص قرابة عشرة ملايين دولار لبناء مرحلة ثانية جديدة تُترك لتحترق كليًا في الغلاف الجوي، نظرًا لأن تزويدها بدرع حراري ووقود للهبوط سيحرمها من الوصول إلى السرعة المدارية المطلوبة، بينما لا تتجاوز حصة الوقود نسبة 1% من التكلفة الإجمالية.
ويؤدي تحقيق الاسترداد الكامل للمرحلتين معًا إلى إلغاء هذه التكلفة جذريًا، وهو الهدف الأساسي الذي يسعى إليه مشروع “ستارشيب” (Starship)، المتمثل في تطوير مركبة فضائية ضخمة وقابلة لإعادة الاستخدام كليًا تبنيها شركة “سبيس إكس” (SpaceX) للتخلص نهائيًا من أعباء المراحل المُستهلكة. ويفرض مبدأ الاسترداد، في المقابل، قيدًا فيزيائيًا حتميًا يُعرف بـ”عقوبة الحمولة”، حيث يضطر الصاروخ للاحتفاظ بجزء من كتلته الدافعة لإجراء مناورات الإبطاء والهبوط، مما يُقلص سعة الحمولة من 22,800 كيلوجرام في الوضع المُستهلك إلى ما يتراوح بين 17,500 و18,500 كيلوجرام في الوضع المُسترد، مسجلًا تراجعًا يقارب 40%. وتَحسم المعطيات الاقتصادية هذه المقارنة بوضوح لصالح الاسترداد، لا سيما بعد تقلص فترة التجهيز بين الرحلات لتصل إلى 21 يومًا في أفضل السيناريوهات وبمتوسط يقارب 51 يومًا، مما يحول الصاروخ إلى أصل رأسمالي يُدر إيرادًا مستمرًا بدلًا من تحمل نفقات التخزين والتقادم.

 

شكل رقم (1): كلفة إيصال الكيلوجرام إلى المدار الأرضي المنخفض حسب معمارية المركبة

 

 

ترسم الأرقام المُعلنة لمشروع “ستارشيب” (Starship) المعالم المستقبلية لهذا المسار الاقتصادي؛ إذ تستهدف الشركة خفض تكلفة الرحلة الواحدة إلى عشرة ملايين دولار، مع سعة حمل تتدرج من 15 طنًا لتصل إلى 200 طن عبر الأجيال المتعاقبة للمركبة، مما ينعكس في انخفاض سعر الكيلوجرام إلى ما يتراوح بين 67 و100 دولار، وقد يستقر عند 200 دولار وفقًا للتقديرات المتحفظة التي تفترض بلوغ تكلفة الرحلة ثلاثين مليون دولار. ويُمثل هذا التحول السعري انهيارًا يتراوح بين 500 و800 ضعف مقارنة بالتكاليف التي سادت إبان عصر مكوك الفضاء، في سابقة اقتصادية لا تضاهيها سوى الانخفاضات التاريخية المسجلة في تكاليف قوة الحوسبة. وبدأ هذا التراجع الحاد يعيد تشكيل بنية السوق بصورة ملموسة من خلال نماذج “الرحلات المشتركة” (Rideshare)، التي توفر الكيلوجرام بتكلفة تقارب 6,500 دولار، مما مكن الشركات المشغلة للأقمار الاصطناعية الصغيرة من الوصول إلى المدار بميزانيات تبدأ من 275 ألف دولار، ليدفع بذلك مركبات الإطلاق الصغيرة المتخصصة خارج حلبة المنافسة السعرية، ويحصر دورها في تلبية متطلبات دقة المسار المداري والالتزام بالجداول الزمنية المحددة.

ثانيًا- فجوة الإطلاقات والكتلة المدارية بين واشنطن وبكين

شهد التنافس الثنائي بين الولايات المتحدة والصين توازنًا لافتًا طوال العقد الماضي، إذ تعادل البلدان بواقع خمسة عشر إطلاقًا لكل منهما خلال عام 2010، بينما حققت بكين تفوقًا ملحوظًا في أعوام 2012 و2018 و2021. واتخذ هذا المسار التنافسي منحنى متباعدًا بشدة انطلاقًا من عام 2020، وهو العام الذي تزامن فيه وصول أسطول صواريخ “فالكون 9” (Falcon 9) -التي تُطورها شركة “سبيس إكس” (SpaceX) الأمريكية الخاصة وتتميز بقابليتها لإعادة الاستخدام- إلى مرحلة النضج التشغيلي، مع بدء نشر المنظومة المدارية العملاقة “ستارلينك” (Starlink) المخصصة لتوفير خدمات الإنترنت الفضائي. وسجلت وتيرة الإطلاق الأمريكية قفزة بلغت 263% خلال الفترة من 2020 إلى 2025، في مقابل نمو بلغ 80% لنظيرتها الصينية، لتسيطر واشنطن بذلك على نحو 61% من إجمالي النشاط المداري العالمي مع نهاية عام 2025. وأنجزت شركة “سبيس إكس” بمفردها ما يزيد على 165 مهمة خلال ذلك العام، مستحوذةً على 86% من النشاط المحلي الأمريكي، وما يفوق 60% من حصة السوق العالمية استنادًا إلى معيار عدد الرحلات.

 

شكل رقم (2): وتيرة الإطلاق المداري: الولايات المتحدة مقابل الصين (2010–2025)

 

 

يتضح الفارق الجوهري عند التحول من معيار إحصاء عدد الرحلات الفضائية إلى قياس إجمالي الكتلة المنقولة؛ إذ أرسلت الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثة آلاف طن إلى المدار خلال عام 2025، في مقابل ما يزيد قليلًا عن 300 طن أطلقتها الصين موزعة على ما يتراوح بين 326 و370 حمولة، لتسجل واشنطن بذلك تفوقًا كاسحًا بنسبة تبلغ عشرة أضعاف. ولا يُعزى هذا التفاوت إلى ضعف في القاعدة الصناعية الصينية، بل يرجع أساسًا إلى العبء المالي نفسه؛ حيث استنزف مشروع نشر شبكتي “قومي وانج” (Guowang) و”تشيانفان” (Qianfan) -وهما كوكبتان مداريتان سياديتان تعكف بكين على بنائهما لتوفير خدمات الإنترنت الفضائي- نحو 45 عملية إطلاق خلال عام 2025، مع توقعات باستهلاك ما يفوق 70 إطلاقًا في عام 2026 من أصل هدف مُعلن يبلغ 140 إطلاقًا، وقد نُفذت هذه المهام جميعها باستخدام صواريخ مُستهلكة تُصنع من جديد في كل رحلة. ويجعل هذا المسار من نجاح تقنيات الاسترداد وإعادة الاستخدام في الصين ضرورة استراتيجية حتمية لموازنة نفقات شبكاتها السيادية، أكثر من كونه مجرد هدف تجاري، وهو ما يُفسر التدفق الكثيف لرأس المال الحكومي نحو شركات فضاء صينية تجارية وناشئة، مثل “لاند سبيس” (LandSpace) و”ديب بلو للفضاء” (Deep Blue Aerospace)، لتسريع تطويرها لمركبات إطلاق قابلة للاسترداد. وأظهر الربع الأول من عام 2026 مؤشرًا أوليًا على نتائج هذا الاندفاع، حين سجلت الصين أربعة وثلاثين إطلاقًا ناجحًا مقابل تسعة وعشرين إطلاقًا أمريكيًا، لتتجاوز واشنطن مؤقتًا في معيار عدد الرحلات، دون أن تقترب منها على الإطلاق في حجم الكتلة المنقولة.

ثالثًا- ما تبقّى من الطريق أمام الصين نحو أول استرداد ناجح

نفّذ القطاع الفضائي الصيني، خلال الفترة الممتدة بين منتصف عامي 2024 و2026، حملة اختبارات صاروخية عالية المخاطر تحاكي منهجية “الفشل السريع” التي اعتمدتها شركة سبيس إكس (SpaceX) الأمريكية في مراحل تطويرها التأسيسية لمركباتها القابلة لإعادة الاستخدام. واستهلت هذه الحملة تجاربها باختبارات وثب صاروخي عمودي بلغت ارتفاع عشرة كيلومترات، مما أثبت كفاءة عاليةً في إتقان تقنيات الخفض العميق لقوة دفع المحركات والتوجيه النهائي للمركبات؛ إذ نجحت مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية (CASC) -وهي الكيان الحكومي الرئيسي المسؤول عن إدارة برنامج الفضاء الوطني- في يونيو 2024 في إطلاق مركبة وصلت إلى ارتفاع اثني عشر كيلومترًا وحققت هبوطًا دقيقًا رغم تعرضها لظروف تشويش بيئي شديدة. وفي السياق التجاري الموازي، أتمت شركة الفضاء الصينية الناشئة لاند سبيس (LandSpace) في سبتمبر من العام ذاته اختبارًا ناجحًا لصاروخها الذي بلغ ارتفاع 10.002 كيلومتر، معتمدةً على تقنية إعادة إشعال المحرك عند انخفاضه إلى ارتفاع 4.64 كيلومتر لإتمام عملية الهبوط. أما شركة ديب بلو للفضاء (Deep Blue Aerospace) الخاصة، فقد تمكنت في تجاربها من تحقيق عشرة أهداف تشغيلية من أصل أحد عشر هدفًا، مسجلةً هامش خطأ لا يتجاوز نصف متر عن نقطة الهبوط المستهدفة، غير أن مركبتها ارتطمت بمنصة الهبوط بقوة مفرطة، مما أدى إلى انهيارها وانفجارها تمامًا.

 

شكل رقم (3): المحطات الرئيسية في اختبارات الاسترداد الصينية (2024–2026)

 

 

انتقلت اختبارات استرداد الصواريخ الفضائية الصينية إلى المدار بنهاية عام 2025، لتشهد تكرارًا للنمط التشغيلي ذاته؛ حيث يتحقق نجاح تام في مرحلة الصعود، يعقبه فشل في الأمتار الأخيرة من الهبوط. وأطلقت شركة “لاند سبيس” (LandSpace) التجارية الناشئة صاروخها القابل لإعادة الاستخدام “تشوكيه-3” (Zhuque-3) في ديسمبر 2025، لتنجح في إيصال مرحلته الثانية إلى المدار، قبل أن تفقد المرحلة الأولى أحد محركاتها خلال عملية حرق وقود الهبوط، مما أدى إلى احتراقها على بُعد أمتار قليلة من منطقة الاستقبال. ونفذت مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية (CASC) -وهي الكيان الحكومي الرئيسي لإدارة برنامج الفضاء الوطني- بعد عشرين يومًا عملية إطلاق لصاروخ “لونج مارش 12A” (Long March 12A)، فنشرت قمرين اصطناعيين بنجاح، لكنها أخفقت في استرداد مرحلته الأولى على منصة تبعد 250 كيلومترًا عن نقطة الانطلاق. وشهد شهر أبريل من عام 2026 انفجار صاروخ “تيان لونج-3” (Tianlong-3) -الذي تطوره شركة “سبيس بايونير” (Space Pioneer) التجارية- بعد ثلاث وثلاثين ثانية من إقلاعه، مما دفع مؤسسة (CASC) في يونيو إلى إطلاق صاروخ “لونج مارش 12B” (Long March 12B) في نسخته المُستهلكة غير القابلة للاسترداد، لضمان الالتزام بالجدول الزمني لنشر كوكبة الإنترنت الفضائي السيادية “تشيانفان” (Qianfan) دون انتظار نضوج منظومات الاسترداد.

 

يستوجب تفسير هذا النمط التشغيلي النظر في الخيارات الهندسية بدلًا من الاكتفاء برصد الإخفاقات وحدها؛ إذ تجاوزت الشركات الصينية الرائدة مرحلة الاعتماد على وقود الكيروسين (Kerolox)، الذي يُراكم السخام داخل مضخات المحركات ويرفع تكلفة الصيانة ويُطيل زمن إعادة التجهيز، لتتجه مباشرةً نحو استخدام الميثان السائل (Methalox) الذي يحترق نظيفًا ويسمح بإعادة الإشعال السريع. وتطبيقًا لهذا التوجه، اعتمد صاروخ “تشوكيه-3” (Zhuque-3) -الذي تُطوره شركة “لاند سبيس” (LandSpace) الصينية الناشئة- على تسع محركات تولد قوة دفع تبلغ 7,200 كيلونيوتن عند مستوى سطح البحر، في حين زُود صاروخ “لونج مارش 12A” (Long March 12A) -التابع لمؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية الحكومية- بثلاثة محركات تتميز بخاصية الخفض العميق للدفع. وتبنت شركة “لاند سبيس” كذلك نموذج الفولاذ المقاوم للصدأ عبر بناء هيكل يبلغ قطره 4.5 أمتار، بينما تمكنت شركة “ديب بلو للفضاء” (Deep Blue Aerospace) الخاصة من إنتاج 90% من مكونات محركها بالاعتماد على تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للسبائك عالية الحرارة. وتُشير هذه الخيارات مجتمعةً إلى أن العقبة الحقيقية المتبقية أمام بكين هي عقبة برمجية وحسابية أساسًا، تتعلق بخوارزميات التوجيه النهائي وإعادة الإشعال خلال مرحلة العودة بسرعات تفوق سرعة الصوت، ولا ترتبط بضعف في القاعدة الصناعية أو قصور في علوم المواد.

 

خلاصة القول إذًا أن التفوق الأمريكي الراهن في قطاع الفضاء يعتمد على التراكم التشغيلي المستمر وليس على احتكار حصري للتقنية، حيث إن الصين لم تُخفق في مراحل الصعود بل انحصر تعثرها في مرحلة واحدة محدودة من دورة الرحلة. ويُرجح، عند قياس منحنى التعلم الذي استغرقته شركة “سبيس إكس” (SpaceX) بين أول محاولة هبوط وأول نجاح ومقارنته بمعدل المحاولات الصينية الحالية، أن تحقق بكين أول عملية استرداد ناجحة لمرحلة أولى مدارية خلال اثني عشر إلى ثمانية عشر شهرًا من منتصف عام 2026، أي قبل نهاية عام 2027، وذلك بعد ثلاث إلى خمس محاولات مدارية إضافية. ويُتوقع، متى ما تجاوزت المرحلة المستردة ثمانية إلى عشرة استخدامات فعلية، أن يتراجع الهدف السعري المُعلن لصاروخ “تشوكيه-3” (Zhuque-3) التجاري من 2,800 دولار للكيلوجرام إلى نطاق يتراوح بين 1,800 و2,200 دولار بحلول عام 2030، ليصل إلى مستوى يزاحم السعر التجاري لصاروخ “فالكون 9” (Falcon 9) مزاحمة مباشرة. وتُشير المؤشرات إلى أن فجوة الكتلة المدارية ستنكمش من نسبة عشرة إلى واحد اليوم لتصل إلى نحو أربعة إلى واحد بحلول العام نفسه، على أن يبقى السقف الواقعي لوتيرة الإطلاق الصينية في عام 2026 محصورًا بين 110 و125 إطلاقًا، وليس 140 إطلاقًا كما تُعلن الجهات الرسمية. وتظل النتيجة الأهم متمثلة في أن تكلفة نقل الكيلوجرام الواحد هي المتغير الجوهري الذي سيحكم القدرة على البناء في المدار، وليس مجرد إحصاء عدد الصواريخ المنطلقة منه.

المراجع

‏”Space Industry Statistics & Facts 2026,” SpaceNexus, accessed July 25, 2026, https://spacenexus.us/space-stats.

 

‏”Launch Costs to Low Earth Orbit,” Grokipedia, accessed July 22, 2026, https://grokipedia.com/page/Launch_costs_to_low_Earth_orbit.

 

‏”How Much Does It Cost to Launch a Reused Falcon 9? Elon Musk Explains Why Reusability Is Worth It,” ElonX, accessed July 21, 2026, https://www.elonx.net/how-much-does-it-cost-to-launch-a-reused-falcon-9-elon-musk-explains-why-reusability-is-worth-it/.

 

‏‎”Reusable Rockets vs. Single-Use Rockets: Cost Breakdown,” SpaceX Stock, accessed July 20, 2026, https://spacexstock.com/reusable-rockets-vs-single-use-rockets-cost-breakdown/.

 

‏‎”The Economics of Satellite Launch: Cost Per Kilogram Explained,” SpaceNexus Blog, accessed July 25, 2026, https://spacenexus.us/blog/economics-satellite-launch-cost-per-kilogram.

 

‏‎”Space Launches: China vs USA 2025 (Latest Data & Historical Trends),” ChinaData, accessed July 23, 2026, https://chinadata.live/data/space-launches-comparison/.

 

‏‎”The Ill-Defined Space Global Orbital Launch Summary: 2025,” Ill-Defined Space, accessed July 22, 2026, https://www.illdefined.space/the-ill-defined-space-global-orbital-launch-summary-2025/.

 

‏‎”Statistics,” SpaceXNow, accessed July 21, 2026, https://spacexnow.com/stats.

 

‏‎”China Launch Cadence and Constellations 2026,” KeepTrack, accessed July 23, 2026, https://keeptrack.space/deep-dive/china-launch-cadence-2025-2026.

 

‏‎”Updates,” SpaceX, accessed July 22, 2026, https://www.spacex.com/updates.

 

‏‎”Space Threat Fact Sheet,” United States Space Force, accessed July 22, 2026, https://www.spaceforce.mil/About-Us/Fact-Sheets/Fact-Sheet-Display/Article/4297159/space-threat-fact-sheet/.

 

‏‎”China Successfully Completes Its First 10 km-Level Vertical Takeoff and Landing Flight Test of Reusable Launch Vehicle,” Shanghai Academy of Spaceflight Technology, accessed July 24, 2026, https://www.sast.net/news/247.html.

 

‏‎”China’s Commercial Reusable Test Rocket Completes Vertical Takeoff, Landing Flight Test,” The State Council of the People’s Republic of China, accessed July 25, 2026, https://english.www.gov.cn/news/202409/12/content_WS66e23e0cc6d0868f4e8eadf5.html.

 

‏‎”Drone Captures Chinese Reusable Test Rocket’s Fiery End,” Popular Science, accessed July 22, 2026, https://www.popsci.com/science/nebula-1-test-launch/.

 

‏”Long March 12A Reaches Orbit in Reusable Rocket Debut, Booster Landing Falls Short,” American Institute of Aeronautics and Astronautics, accessed July 22, 2026, https://aiaa.org/2025/12/23/long-march-12a-reaches-orbit-in-reusable-rocket-debut-booster-landing-falls-short/.

 

‏”Tech Brief (Apr. 7): Space Pioneer’s Tianlong-3 Rocket Fails on Maiden Flight,” Caixin Global, accessed July 21, 2026, https://www.caixinglobal.com/2026-04-07/tech-brief-apr-7-space-pioneers-tianlong-3-rocket-fails-on-maiden-flight-102431500.html.

 

‏”China’s Long March-12B Rocket Completes Successful Maiden Flight,” State Council Information Office of the People’s Republic of China, accessed July 22, 2026, http://english.scio.gov.cn/chinavoices/2026-06/02/content_118526556.html.

 

‏‎”China’s LandSpace Targets New Zhuque-3 Recovery Test in Second Quarter,” CGTN, accessed July 24, 2026, https://news.cgtn.com/news/2026-02-25/China-s-LandSpace-targets-new-Zhuque-3-recovery-test-in-second-quarter-1L36lgRRQ9q/index.html

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *