في الرابع من يوليو 2026، احتفلت الولايات المتحدة بالذكرى الـ 250 لاستقلالها، على طريقتها المعتادة. ومع هذه المناسبة التاريخية، امتلأت وسائل الإعلام الأمريكية باستطلاعات الرأي والتقارير التي تستعرض أبرز ما حققته البلاد من إنجازات على امتداد قرنين ونصف، في مختلف المجالات، وفي مقدمتها السينما. ومن بين هذه المبادرات، أجرت صحيفة The New York Times استطلاعًا للرأي لاختيار الفيلم الذي يجسد التجربة الأمريكية على أفضل نحو. وتوزعت اختيارات المشاركين بين كلاسيكيات سينمائية بارزة، مثل The Godfather وCitizen Kane وEasy Rider وAmerican Graffiti، وأفلام أخرى اشتهرت بتقديم نقد اجتماعي حاد، مثل Do the Right Thing.
ورغم أن المشاركين رشحوا مجموعة من كلاسيكيات السينما الأمريكية بوصفها تجسد التجربة الأمريكية، فإن فيلمًا واحدًا خطف الأضواء وتصدر الاستطلاع باعتباره الأكثر تجسيدًا لهذه التجربة، بعدما حصد نحو ثلاثة آلاف صوت، وهو الفيلم الكوميدي الساخر Idiocracy، من إخراج مايك جادج عام 2006.
جاء فيلم Idiocracy، الذي أُنتج عام 2006، بوصفه كوميديا ساخرة تنتقد تصاعد ظاهرة معاداة الفكر والمثقفين في الولايات المتحدة، إلى جانب تناوله قضايا مجتمعية وثقافية، مثل التدهور الوراثي، والنزعة الاستهلاكية، والتسليع، والزيادة السكانية. إلا أن ما بدا آنذاك ضربًا من السخرية اللاذعة، أخذ بعد عقدين من الزمن يقترب على نحو لافت من الواقع، حتى غدت المفارقة التي رسمها الفيلم أقرب إلى حقيقة عبثية.
فمن الحكم الاستعراضي العاجز، إلى تغلغل النزعة التجارية في مختلف مناحي المجتمع، إلى تصاعد معاداة الفكر والمثقفين، وما بينهما من مظاهر لا تقل غرابة، يبدو أن الحياة أخذت تحاكي الفن على نحو يثير الدهشة. وعليه، يمكن النظر إلى فيلم Idiocracy لا بوصفه نبوءة بانحدار المستوى الفكري للمجتمع الأمريكي، وإنما باعتباره إطارًا تحليليًا يفسر التحول من نموذج للحكم القائم على الكفاءة وصنع السياسات، إلى نموذج تتصدر فيه سياسة الانتباه واقتصاد الانتباه أولويات المشهد العام.