من يدفع ثمن المستقبل؟ تحولات الاقتصاد الأمريكي حتى عام 2050
الإصدارات
23 سبتمبر 2026

من يدفع ثمن المستقبل؟ تحولات الاقتصاد الأمريكي حتى عام 2050

شهدَ الاقتصادُ الأمريكي تحولاً سريعاً على مستوى الاقتصاد الكلي، اتسمَ بارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو عقب تطبيق متوسط مرجح لمعدل التعريفات الجمركية بنسبة 27%. وأدى هذا التحولُ في السياسة إلى ظهور مؤشرات "الركود التضخمي" بحلول منتصف عام 2026؛ حيث تباطأ نموُ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 1.5% في الربع الثاني، وارتفعَ معدل التضخم السنوي إلى 5.1%. وانخفضَ، بالتزامن مع ذلك، معدلُ خلق الوظائف الشهرية بشكل حاد من متوسط بلغ 125,100 وظيفة في عام 2025 إلى ما يتراوح بين 34,600 و55,200 وظيفة في عام 2026. وشهدت البيئةُ التجارية كذلك تغيرات هيكلية، لا سيما في قطاع الزراعة؛ حيث فقدت الولايات المتحدة بشكل دائم حصة سوقية بلغت 7.94 نقطة مئوية من سوق الواردات الزراعية الصينية، وحلت البرازيل محلها إلى حد كبير.   سجلَ كلٌ من قطاعي الزراعة والتصنيع، على الصعيد القطاعي، نتائجَ متباينةً حجبت في طياتها نقاطَ ضعفٍ ماليةٍ أعمق. وتحولَ القطاعُ الزراعي بشكل كبير من الاعتماد على الدخل المكتسب من السوق إلى الاعتماد على التحويلات الفيدرالية؛ إذ قفزت المدفوعاتُ الحكومية المباشرة لتصل إلى 44.3 مليار دولار في عام 2026، لتشكل ما يقرب من 25% إلى 30% من إجمالي صافي دخل المزارع. ووصلَ إجمالي ديون القطاع الزراعي، رغم عمليات الإنقاذ الحكومية هذه، إلى مستوى قياسي بلغ 624.7 مليار دولار، بالتزامن مع تزايد حالات إفلاس المزارع العائلية. وسجلَ قطاعُ التصنيع، في المقابل، زيادة متواضعة بنسبة 1.93% في مؤشر الإنتاج الصناعي بين مارس 2025 ويوليو 2026، إلا أن معدل التوظيف في هذا القطاع انكمش فعلياً بنسبة 0.43% خلال الفترة نفسها.   يشيرُ المسارُ المالي طويلُ الأجل للولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة من الديون، مدفوعةً بتزامن قيود الإيرادات مع توسع الإنفاق القائم على العجز؛ حيث تشيرُ التوقعاتُ إلى أن التشريعاتِ الضريبيةَ الأخيرةَ ستضيف 4.7 تريليون دولار إلى العجز الوطني على مدار عقد من الزمن. ويُتوقعُ، بناءً على ذلك، أن يتجاوزَ الدينُ الفيدرالي المملوك للجمهور الذروةَ التاريخية المسجلة عام 1946 (إبان الحرب العالمية الثانية) والبالغة 106%، ليصل إلى 108% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، ثم يرتفعَ إلى 175% بحلول عام 2056. ومن المتوقع، على هذا المدى الزمني الطويل، أن تصبحَ مدفوعاتُ صافي الفائدة أكبرَ بندٍ منفردٍ في الميزانية الفيدرالية، في حين ستنخفضُ حصةُ الولايات المتحدة المتوقعة من الناتج العالمي -على أساس تعادل القوة الشرائية- من 20.42% إلى 13.88%.
ورقة الظل عدد 4: البرنامج النووي الإيراني
الإصدارات
3 سبتمبر 2026

ورقة الظل عدد 4: البرنامج النووي الإيراني

لم تُمثل مذكرة التفاهم حلاً جذرياً ونهائياً للملف النووي، بل جاءت بمثابة هدنة مؤقتة استهدفت تجميد الضربات العسكرية والتهديدات الملاحية والنووية، بغية كسب الوقت لصياغة اتفاق متكامل يُعالج أزمة التخصيب من جذورها. وتأتي هذه التطورات في أعقاب انهيار الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥، إثر انسحاب الولايات المتحدة منه في عام ٢٠١٨، وهو ما منح طهران مساحة واسعة لتوسيع عمليات تخصيب اليورانيوم، وتقليص نطاق عمليات التفتيش الدولية، وتكديس كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب بنسب تقترب من المستوى اللازم لإنتاج السلاح النووي. وفي هذا السياق، يبرز البرنامج النووي بوصفه ورقة المساومة الرئيسية بيد القيادة الإيرانية. فعلى الرغم من أن طهران لا تمتلك سلاحاً نووياً في الوقت الراهن، إلا أنها نجحت في مراكمة المعرفة التقنية، وتأسيس البنية التحتية، وتوفير اليورانيوم المخصب، مما يؤهلها لإنتاج هذا السلاح خلال فترة زمنية وجيزة نسبياً متى ما اتُخذ القرار السياسي بذلك. وهذا الواقع يؤكد أن النفوذ الإيراني على طاولة المفاوضات لم يعد نفوذاً افتراضياً، بل هو نفوذ حقيقي يستمد قوته من قدرة طهران على التحرك السريع نحو التسليح.    وعلى الصعيد الميداني، ورغم توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات استهدفت المنشآت النووية داخل إيران، إلا أن التقييمات لم تؤكد سوى وقوع أضرار محدودة. ويُرجح بقوة أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرة كبيرة على مواصلة عمليات التخصيب، في ظل تباين آراء الخبراء وتقديراتهم حول الحجم الحقيقي للتراجع الذي أصاب برنامجها النووي جراء تلك الهجمات. وتثبت هذه المعطيات أن العمل العسكري وحده لم ينجح في حسم القضية النووية، وهو ما يعزز بطبيعة الحال من احتمالية استئناف المفاوضات والعودة إلى المسار الدبلوماسي في نهاية المطاف. وأمام هذا المشهد المعقد، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على مستقبل الأزمة: هل ستشهد أي مذكرة مستقبلية تعديلاً في بنود الملف النووي، أم سيتم الإبقاء عليها بالصيغة ذاتها التي وردت في "مذكرة إسلام آباد"؟ وإذا ما اتجهت الأطراف نحو إدخال تعديلات جديدة، فما هي حدود التنازلات التي يستطيع كل طرف التفاوض بشأنها لطي هذه الصفحة؟   تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
ورقة الظل عدد 3: معضلة الوكلاء الإقليميين
الإصدارات
18 أغسطس 2026

ورقة الظل عدد 3: معضلة الوكلاء الإقليميين

تدخل مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران منعطفاً استراتيجياً بالغ التعقيد مع انقضاء الجزء الأكبر من مهلة الستين يوماً التي أرستها "هدنة إسلام آباد" دون التوصل لأتفاق حاسم، وما صاحب ذلك من تجدد أعمال القتال و إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية مرة أخري. تتزامن هذه التطورات الميدانية مع مساعٍ دبلوماسية دولية حثيثة لاحتواء تداعيات الصراع العسكري المفتوح الذي استنزف بوضوح معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ويبرز في قلب هذا المشهد التفاوضي غياب واضح لملف الوكلاء الإقليميين عن مسودات الاتفاق الأولي وعن طاولات الحوار الراهنة، وهو غياب لا يعكس تهميشاً للقضية، بل يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه الشبكة المعقدة التي شكلت لعقود طويلة ركيزة أساسية لعقيدة الردع الإيرانية.   تُظهر الديناميكيات السياسية الراهنة أن ملف الوكلاء لم يعد مجرد بند فرعي قابل للتأجيل أو التجاهل، بل تحول إلى عقدة بنيوية تمس تعريف كل طرف لمفاهيم الأمن والاستقرار وحدود التسوية الممكنة. يعكس استبعاد هذا الملف من الصياغات الأولية إدراكاً عميقاً بصعوبة إدراجه دون الاصطدام المباشر بخطوط حمراء تتقاطع مع عقيدة الردع الإيرانية، والرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي، والسعي الإسرائيلي لترجمة الضغوط العسكرية إلى مكاسب تفاوضية غير قابلة للانعكاس. وتكتسب هذه المعضلة أبعاداً أعمق بالنظر إلى التحليلات الماكرو-اقتصادية الحديثة التي تؤكد أن كلفة انخراط الوكلاء تجاوزت الخسائر العسكرية المباشرة لتضرب عصب الاقتصاد العالمي؛ إذ تسببت العمليات المرتبطة بالوكلاء في الممرات البحرية الحيوية، وتحديداً في البحر الأحمر، في اضطرابات حادة لسلاسل التوريد، وكبدت التجارة الدولية خسائر تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة القفزات غير المسبوقة في تكاليف الشحن ورسوم التأمين، فضلاً عن بروز تهديدات غير تقليدية طالت أمن البنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها شبكات كابلات الألياف الضوئية المغمورة.   و يؤكد خبراء الأمن أن الاستنزاف البنيوي الذي تعرض له محور المقاومة خلال المواجهات العنيفة في عامي 2024 و2025، دفع القيادة في طهران إلى إعادة تقييم تكتيكاتها وأدواتها، ولكنه لم يدفعها مطلقاً نحو التخلي عنها. وتتجلى جذور الأزمة في التضارب الجذري للرؤى بين الفاعلين؛ ففي حين تتعامل إيران مع شبكة وكلائها باعتبارها خط دفاع أمني متقدم وجزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي القائم على دمج هذه الفصائل مع منظوماتها الصاروخية والمسيرة، تنظر واشنطن وتل أبيب، بدعم من قوى إقليمية، إلى تفكيك هذه الجماعات ونزع سلاحها كشرط إلزامي مسبق لأي هندسة أمنية جديدة. يفرض هذا الواقع مقاربة ملف الوكلاء كنقطة تقاطع حاسمة بين ثلاثة مستويات معقدة: المستوى الإيراني الباحث عن العمق الدفاعي، والمستوى الأمريكي الساعي لتجفيف منابع التهديد غير المتكافئ، والمستوى الإقليمي والدولي الذي يربط استقرار الأسواق وحرية الملاحة بإنهاء نشاط هذه الجماعات في مناطق الاختناق البحري وشرق المتوسط، مما يجعل أي تسوية تتجاهل تحديد موقع الوكلاء ووظائفهم أقرب إلى هدنة هشة قابلة للتآكل السريع.   يطرح هذا الجزء تفكيكياً لتباين وجهات النظر بين الفاعلين الأساسيين إزاء أزمة الوكلاء الإقليميين، وتستشرف كيف ستصطدم هذه الرؤى المتناقضة أو تتوافق داخل غرف التفاوض المغلقة. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن تساؤل محوري: هل تترجم هذه المناقشات إلى مقايضات استراتيجية تؤسس لتسوية شاملة ومستدامة، أم أن تباعد الخطوط الحمراء سيحيل الاتفاق المرتقب إلى مجرد تجميد تكتيكي مؤقت يسبق جولة أشد عنفاً من الصراع؟    تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ أغسطس ٢٠٢٦
كٌلفة الحرب: الكٌلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عام 2026
الإصدارات
24 يوليو 2026

كٌلفة الحرب: الكٌلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عام 2026

تقدّر هذه الدراسة الكٌلفة الاقتصادية للحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وشهدت هذه الحرب توجيه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأغلقت إيران مضيق هرمز رداً على هذه الضربات. قبل أن تنحسر الأعمال القتالية بموجب مذكرة إسلام آباد المؤرخة في 17 يونيو 2026. واستنادًا إلى إطار تحليلي قائم على المعادلات الرياضية، تُحتسب جميع التكاليف بالدولار الأمريكي الثابت لعام 2026، وتُقسم الدراسة هذه التكاليف إلى خسائر مباشرة وخسائر غير مباشرة. وتوزع الدراسة هذه الخسائر على فترتين زمنيتين، حيث تشمل الفترة الأولى الأجل القصير حتى نهاية عام 2026، وتشمل الفترة الثانية الأجل المتوسط حتى نهاية عام2030 .   وتظهر النتيجة الرئيسة للدراسة في وجود تفاوت كبير في توزيع الكٌلفة الاقتصادية للحرب بين الأطراف المختلفة. فقد تكبدت إيران خسائر اقتصادية ضخمة تعادل نحو أربعة أخماس ناتجها الاقتصادي المسجل قبل الحرب. بينما تعرضت إسرائيل لصدمة اقتصادية حادة لكنها قابلة للاحتواء والتعافي. أما الولايات المتحدة، فقد تكبدت كلُفة محدودة على مستوى اقتصادها الكلي، لكنها واجهت عبئًا ماليًا كبيرًا يمتد أثره لسنوات. وفي المقابل، سجل الاقتصاد العالمي الخسارة المطلقة الأكبر بين جميع الأطراف، تحملتها في معظمها الدول المستوردة للنفط التي لم تكن طرفًا في النزاع، وليس أيًا من الدول المتحاربة.    وتفصل الدراسة بوضوح بين ارتفاع أسعار النفط، الذي تصدر التغطية الإعلامية، وبين التكلفة الاقتصادية الفعلية للحرب. وتعتبر الدراسة أن هذا الارتفاع في الأسعار يمثل إعادة توزيع للدخل، ولا يمثل خسارة اقتصادية صافية. وعادت أسعار النفط لاحقاً إلى مستوياتها المسجلة قبل الحرب، مما جعل النتيجة النهائية لهذا الارتفاع تعادل صفراً على المستوى العالمي. ويتمثل العبء الاقتصادي الفعلي للحرب في حجم الناتج الاقتصادي المفقود بسبب الاضطرابات التي نتجت عن النزاع.
ورقة الظل عدد 2: معضلة الصواريخ الباليستية والمسيرات
الإصدارات
21 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 2: معضلة الصواريخ الباليستية والمسيرات

يُمثل البرنامج الصاروخي ومنظومة الطائرات المسيّرة الإيرانية أحد أبرز المحددات الأمنية في الشرق الأوسط. فقبل اندلاع المواجهات العسكرية في فبراير 2026، امتلكت إيران أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في المنطقة، قُدّر –وفق تباين التقديرات– بما يتراوح بين 2500 و6000 صاروخ بعيد المدى، قادرة على استهداف العمق الإسرائيلي بسرعات تقارب 17 ألف كيلومتر في الساعة. وتزامن ذلك مع تكريس طهران لمكانتها كدولة رائدة في تطوير الطائرات المسيّرة، لا سيما طرازات "شاهد" المتعددة، ومسيّرات "كرار"، وأحدث إصدارات "كمان" المُعلن عنها في يناير 2026.   وقد تجلت محورية هذه القدرات حين شكلت أولوية قصوى للضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب؛ إذ استُهدفت مصانع الإنتاج، ومواقع التخزين، ومنصات الإطلاق، بهدف تقويض قدرات الردع الإيرانية وتحييد خطرها عن إسرائيل. وجاء هذا التصعيد الميداني متسقاً مع التوجه الأمريكي قبل الحرب، والذي لوّح بمنع طهران من امتلاك الصواريخ الباليستية وضرورة دمج هذا الملف ضمن المفاوضات النووية، وهو ما تُرجم فعلياً عبر استهداف متزامن للبنية التحتية لكلا البرنامجين؛ الصاروخي والنووي.   ولكن مع انطلاق مسار التفاوض، أضافت "مذكرة إسلام آباد" بُعداً استراتيجياً جديداً لهذه الإشكالية. فعلى عكس التوقعات بدمج القدرات العسكرية في الاتفاق الأولي، استُبعد ملف الصواريخ والمسيّرات من نص التفاهم المبدئي. وأعلنت إدارة الرئيس ترامب تراجعها عن موقفها السابق، مشيرة إلى عدم سعيها لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها الصاروخية، استناداً إلى حقها السيادي في الدفاع عن النفس. ويعكس هذا التحول "مقايضة استراتيجية" تعتمد على التغاضي المؤقت عن البرنامج الصاروخي مقابل احتواء البرنامج النووي، وتقييد تمويل الفصائل المسلحة في المنطقة.   إن هذا الاستبعاد لا يُعد مجرد إجراء تفاوضي شكلي، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مسار فترة "الستين يوماً" الانتقالية، واستراتيجية الطرفين بعدها. ويتطلب هذا المشهد تقييماً يتجاوز قياس الخسائر الميدانية، لفهم كيف تحولت هذه المنظومات من مجرد أدوات تسليح إلى ركيزة أساسية في معادلات القوة تفرض نفسها على الحسابات الإقليمية.    تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ يوليو ٢٠٢٦
حدود الأتمتة: لماذا تعيد الشركات توظيف البشر؟
الإصدارات
15 يوليو 2026

حدود الأتمتة: لماذا تعيد الشركات توظيف البشر؟

منذ منتصف عام 2025، بدأت أعداد متزايدة من المؤسسات التي اندفعت نحو أتمتة الأعمال التي يؤديها البشر بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعادة النظر في قراراتها. وتكشف تجارب بارزة، من بينها فورد موتور، وبنك الكومنولث الأسترالي (CBA)، وآي بي إم، وكلارنا، عن نمط متكرر: فقد أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي كفاءة عالية في إنجاز المهام الروتينية ذات الأحجام الكبيرة، لكنها واجهت صعوبات في المهام التي تتطلب فهم السياق، والخبرة الضمنية، والتقدير الأخلاقي، والتعامل مع تفاعلات العملاء المعقدة. ولم يدفع ذلك هذه المؤسسات إلى التخلي عن الذكاء الاصطناعي، بل إلى إعادة إدماج العنصر البشري أو إعادة تصميم أدواره بما يحقق التكامل مع الأنظمة المؤتمتة.   وتذهب هذه الورقة إلى أن هذه التطورات لا تعني فشل الذكاء الاصطناعي، ولا تشير إلى انحسار موجة الأتمتة واسعة النطاق. بل إن البيانات الكلية لسوق العمل ترسم صورة معاكسة، إذ يواصل الذكاء الاصطناعي دفع الشركات إلى تقليص قواها العاملة في العديد من القطاعات. وما تكشفه التجارب السابقة، في المقابل، هو أن كثيرًا من المؤسسات التي بادرت إلى تبني هذه التقنيات بالغت في تقدير إمكانية أتمتة الوظائف بأكملها بأمان، بدلًا من أتمتة مهام محددة داخل تلك الوظائف. وهكذا، دخلت الشركات مرحلة من المراجعة وإعادة ضبط نماذجها التنظيمية، تعيد فيها رسم الحدود بين ما يمكن إسناده إلى الآلة بكفاءة، وما يظل بحاجة إلى الحكم والخبرة البشريين.   واستنادًا إلى دراسات حالات هذه الشركات، إلى جانب قاعدة أوسع من الأدلة التجريبية المستقاة من أورجفيو، وفورستر، وروبرت هاف، وكيرمايندز، وجارتنر، وماكينزي، تطرح هذه الورقة إطارًا تحليليًا يقوم على مفهوم "التكامل المشروط بطبيعة المهام". ووفق هذا الإطار، يتولى الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة المهام المعيارية والمتكررة والقابلة للتنبؤ، فيما يتركز الدور البشري في الإشراف المتخصص، ومعالجة الحالات الاستثنائية، والتحسين المستمر للأنظمة.   وفي الوقت نفسه، تبحث الورقة حدود انطباق هذا الإطار، إذ لم تمر جميع المؤسسات بمرحلة مماثلة من المراجعة وإعادة الضبط. فشركات مثل أمازون وسيلزفورس وشوبيفاي لم تشهد، وفق ما هو معلن، تراجعات مماثلة عن قرارات الأتمتة، وهو ما يشير إلى أن نتائجها قد تتباين تبعًا لخصائص القطاع، وتصميم سير العمل، ودرجة النضج المؤسسي، وسرعة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تقدم دولينجو وجي بي مورجان نموذجين لاستجابات مؤسسية مختلفة عن إعادة التوظيف المباشر، من بينها مراجعة السياسات وإعادة توزيع الموظفين داخل المؤسسة.   وتخلص الورقة في جوهرها إلى أن مستقبل العمل لن تحسمه، على الأرجح، أي من رؤي بين متطرفتين: إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر على نطاق واسع، أو مقاومة تبنيه. بل ستتوقف الميزة التنافسية، بصورة متزايدة، على قدرة المؤسسات على التمييز بدقة بين المهام التي يمكن أتمتتها وتلك التي تظل بحاجة إلى خبرة بشرية مستمرة، ثم إعادة تصميم العمل على نحو يحقق التكامل الفعّال بين الإنسان والآلة. ومن هذا المنطلق، ستكون المؤسسات الأقدر على النجاح هي تلك التي تتعامل مع تطبيق الذكاء الاصطناعي باعتباره مدخلًا لإعادة تصميم العمل والنموذج التنظيمي، لا مجرد وسيلة لخفض أعداد العاملين.
ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟
الإصدارات
1 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري عليه خلاف، ولا مجرد نقطة صراع متكررة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى ساحة أساسية لاختبار معنى السيادة في المنطقة. فبينما تصر واشنطن على اعتبار المضيق ممراً دولياً تحكمه قواعد حرية الملاحة، يتعامل الحرس الثوري الإيراني معه كمنطقة سيادية تخضع لإدارته المباشرة، وتخضع لقواعد عسكرية يفرضها هو على أرض الواقع. ومن هنا، فإن أساس الأزمة لم يعد يتركز على سؤال: "هل المضيق مفتوح أم مغلق؟"، بل أصبح السؤال الأهم: ما هو مستقبل المضيق في ظل المفاوضات الجارية؟   وتكشف التطورات الأخيرة، خاصة بعد تلويح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق المضيق رداً على ما سماه انتهاك ببنود مذكرة التفاهم وخاصة فيما يتعلق بالحالة اللبنانية بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم، أن المشكلة لم تُحل، بل زاد تعقيدها. فقد تعاملت المذكرة مع المضيق كمسألة فنية يمكن إدارتها عبر ترتيبات للفتح والعبور لمنع الاحتكاك، بينما تعامل الحرس الثوري معه كرمز للسيادة والقوة وحق وضع القواعد. هذا الاختلاف جعل التفاهم نفسه عاجزاً عن إنهاء النزاع الحقيقي؛ لأن الخلاف بين الطرفين ليس على تفاصيل الإجراءات، بل على من يملك السلطة لاتخاذ هذه الإجراءات من الأساس.   وعلى الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً عقب توقيع الاتفاق المبدئي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب. فتنفيذ هذا البند يواجه تحديات معقدة تتعلق بآلية إعادة تشغيل الممر الملاحي، والترتيبات اللازمة لاستئناف حركة السفن، والقيود التي قد تستمر خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، فضلاً عن الخلاف حول الجهة التي ستتولى تنظيم وإدارة حركة المرور البحري داخل المضيق. وتكشف هذه التحديات أن إعادة فتح المضيق قد تتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاتفاق تعقيداً، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.   لذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة حدود أو عبور سفن، بل هي أزمة سلطة: سلطة من يضع القواعد، ومن يفرض الاستثناءات، ومن يملك الكلمة الأخيرة ليقرر ما إذا كان هذا الممر مفتوحاً، أو مغلقاً، أو مشروطاً. ولهذا السبب، لا يجب النظر إلى قضية المضيق اليوم كملف جانبي في الصراع الأمريكي-الإيراني، بل يجب اعتبارها من أهم القضايا التي تشكل وتغير مفهوم السيادة، سواء داخل إيران نفسها، أو في شكل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.
عروبة مضيق هرمز: الاسم والأرض والإنسان
الإصدارات
4 يونيو 2026

عروبة مضيق هرمز: الاسم والأرض والإنسان

يُنظر إلى مضيق هرمز اليوم بوصفه أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يعبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا، إلى جانب حصة مماثلة تقريبًا من تجارة الغاز الطبيعي المسال. غير أن أهمية هذا المضيق لا تنبع من موقعه في منظومة الطاقة العالمية فحسب، بل تمتد إلى كونه أحد أكثر الفضاءات التاريخية إثارةً للجدل في الخليج العربي، حيث تتقاطع عنده قضايا الهوية والسيادة والشرعية التاريخية.   تنطلق هذه الدراسة من ثلاثة أسئلة مترابطة تشكل جوهر النقاشات التاريخية المرتبطة بالمضيق. يتمثل السؤال الأول في أصل تسمية "هرمز"، حيث تستعرض الدراسة الفرضيات الرئيسة المتعلقة باشتقاق الاسم، وتخضعها للتحليل والمقارنة، وصولًا إلى ترجيح تفسير يجمع بين الأصل الديني المرتبط بـ "أهورا مزدا" واستمرار التسمية من خلال إعادة تأويلها محليًا في البيئة العربية للمضيق. أما السؤال الثاني، فيتعلق بالبنية السكانية للمنطقة عبر الزمن؛ إذ تعيد الدراسة بناء التاريخ الديموغرافي للمضيق وسواحله استنادًا إلى الأدلة النصية والأثرية واللغوية، لتخلص إلى أن الحضور العربي شكّل القاعدة السكانية المستمرة على ضفتيه عبر التاريخ المدوّن، في حين ارتبط الحضور الفارسي، في معظم مراحله، بأدوار سياسية وإدارية وعسكرية تعاظمت أو انحسرت تبعًا لقوة الدولة المركزية. ويتناول السؤال الثالث موقع معركة ذات السلاسل في تاريخ المضيق، حيث تضعها الدراسة في سياقها الزمني الصحيح، وتفند الاعتقاد الشائع الذي يربط اسم المضيق بالقائد الساساني هرمز، مؤكدة أن التسمية أقدم من تلك الأحداث بعدة قرون.   وتخلص الدراسة إلى نتيجة رئيسة مفادها أن مضيق هرمز لم يكن، في أي مرحلة ذات دلالة سكانية، حدًا فاصلًا بين عالم عربي وآخر فارسي، بل شكّل عبر آلاف السنين فضاءً بحريًا للتواصل والحركة والتبادل بين ضفتيه. وعلى الرغم من تعاقب قوى وإمبراطوريات فارسية مارست أشكالًا متفاوتة من النفوذ والسيطرة على أجزاء من المنطقة، فإن القاعدة السكانية المستقرة على جانبي المضيق ظلت عربية في جوهرها واستمراريتها التاريخية. ومن هذا المنطلق، تدعو الدراسة إلى التمييز بين التاريخ الديموغرافي للمنطقة وتاريخ السلطات التي تعاقبت على حكمها، بوصفه مفتاحًا أساسيًا لفهم تاريخ مضيق هرمز والخليج العربي على نحو أكثر دقة واتساقًا مع الأدلة المتاحة.
اقتصاد الوهم: مَنْ الرابح الحقيقي مِنْ المراهنات الإلكترونية؟
الإصدارات
4 يونيو 2026

اقتصاد الوهم: مَنْ الرابح الحقيقي مِنْ المراهنات الإلكترونية؟

تحولت صناعة المراهنات الإلكترونية من قطاع ترفيهي محدود إلى منظومة رقمية عالمية تتجاوز قيمتها 120 مليار دولار أمريكي، لتصبح ثغرة هيكلية خطيرة في البنية المالية العالمية تستغلها عصابات الجريمة المنظمة والجهات المعادية التابعة للدول في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب من العقوبات الدولية، حيث توفر أحجام المعاملات الهائلة عبر الكازينوهات الرقمية ومنصات المراهنات الرياضية وأسواق التنبؤ طبقة مثالية من التعتيم المالي، بينما تستغل مجموعات القرصنة المدعومة من دول مثل كوريا الشمالية والصين هذا القطاع لتوليد إيرادات استراتيجية تمول برامج الأسلحة الخاضعة للعقوبات وجمع المعلومات الاستخباراتية عبر اختراق قواعد البيانات الحساسة التي تضم ملايين السجلات الشخصية والمالية والبيومترية، وتتباين الأطر القانونية المنظمة للمراهنات الإلكترونية عالمياً بين التنظيم الصارم في أوروبا والحظر الكامل في الشرق الأوسط مما يخلق مناطق رمادية تستغلها المنصات الخارجية المسجلة في ملاذات ضريبية كمالطا وكوراساو وجبل طارق لاستهداف أسواق محظورة، بينما تواجه منطقة آسيا والمحيط الهادئ تحديات أمنية حادة نتيجة سيطرة عصابات الجريمة المنظمة على شبكات واسعة من الكازينوهات الافتراضية والمصارف الموازية التي تحول مليارات الدولارات عبر العملات المشفرة، وتتجاوز تداعيات هذا القطاع الجوانب الاقتصادية لتشمل تهديدات اجتماعية خطيرة تتمثل في ارتفاع معدلات الإفلاس الفردي والإدمان على المقامرة وخاصة بين القصر عبر صناديق الغنائم والرياضات الإلكترونية، كما يساهم استنزاف العملات الأجنبية عبر هذه المنصات في زعزعة استقرار الاقتصادات الناشئة وتضخيم حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل ما بين 11% و20% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
مخاوف مشروعة: هل يتحول فيروس هانتا إلى وباء عالمي؟
الإصدارات
21 مايو 2026

مخاوف مشروعة: هل يتحول فيروس هانتا إلى وباء عالمي؟

في الثاني من مايو، أعاد تفشٍ لفيروس الأنديز، أحد سلالات فيروس هانتا، على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي إحياء المخاوف المرتبطة بالتهديدات الوبائية الناشئة، بعدما أسفر عن إصابات ووفيات أعادت الفيروس إلى واجهة الاهتمام الصحي العالمي. وبينما لا يزال فيروس هانتا يُصنَّف ضمن الفيروسات محدودة الانتقال بين البشر، فإن طبيعة الحادثة وما رافقها من مخاوف بشأن سرعة الاحتواء وإدارة العدوى أعادت إلى الأذهان الأجواء التي رافقت المراحل الأولى من تفشي "كوفيد-19". وتجاوزت تداعيات الحادثة حدود القلق الصحي المباشر، لتفتح مجددًا النقاش حول مستوى الجاهزية الدولية للتعامل مع مسببات الأمراض الناشئة، خصوصًا في البيئات المغلقة وعالية الكثافة البشرية، مثل السفن السياحية ووسائل النقل العابرة للحدود. كما أعادت تسليط الضوء على قدرة أنظمة الرصد والاستجابة الوبائية على احتواء تفشي الفيروس المحدود قبل تحوله إلى تهديدات صحية أوسع نطاقًا.   ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المقارنات بين فيروس هانتا وآليات انتقال "كوفيد-19" بين البشر، خصوصًا في ظل المخاوف المرتبطة بإمكانية اتساع نطاق العدوى. غير أن المعطيات المتاحة تشير إلى اختلاف جوهري بين الحالتين؛ إذ امتلك فيروس SARS-CoV-2 قدرة عالية على الانتقال المجتمعي، مع تسجيل انتقال العدوى إلى متوسط شخصين أو أكثر داخل تجمعات لم تكن قد تعرضت للفيروس سابقًا. في المقابل، ارتبط انتقال فيروس الأنديز على متن السفينة بظروف شديدة الخصوصية، تمثلت في وجود مصابين ظهرت عليهم الأعراض داخل أماكن مزدحمة وضعيفة التهوية، إلى جانب الاحتكاك المباشر والمستمر لفترات طويلة، وهو ما يعكس نمط انتقال أكثر محدودية وأقل قابلية للانتشار الواسع مقارنةً بجائحة "كوفيد-19".   وفي هذا السياق، يرى بعض خبراء منظمة الصحة العالمية أن التفشي الحالي فيروس هانتا على متن السفينة لا يرقى إلى مستوى "الجائحة التالية" على غرار "كوفيد-19". فالمعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الفيروس يتكاثر بوتيرة أبطأ، وينتقل أساسًا عبر الاحتكاك المباشر والقريب، كما تبدو قدرته على العدوى أكثر ارتباطًا بظهور الأعراض لدى المصابين، وهو ما يحدّ من احتمالات الانتقال المجتمعي واسع النطاق.   في المقابل، يحذر خبراء آخرون من التقليل من دلالات الحادثة، مستندين إلى ارتفاع معدل الفتك المرتبط ببعض سلالات فيروس هانتا، إلى جانب ما يُنظر إليه بوصفه تحولًا نسبيًا في أنماط انتقاله التقليدية. ومن ثم، أعادت هذه التطورات طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان الفيروس قد يمتلك مستقبلًا مقومات التحول إلى تهديد وبائي أوسع، أم أن قدراته الانتقالية ستظل محصورة ضمن نطاقات جغرافية وظروف وبائية محددة.   وتتناول هذه الدراسة احتمالات تحوّل فيروس هانتا إلى تهديد وبائي عالمي، من خلال تحليل خصائصه البيولوجية، وأنماط انتقاله، ومعدلات الفتك المرتبطة به، إلى جانب تقييم وضعه الوبائي الراهن وانتشاره الجغرافي. كما تبحث الدراسة مدى استيفاء الفيروس للمعايير المرتبطة بتحول التفشي المحدود إلى جوائح واسعة النطاق، بما يشمل القدرة على تحقيق انتقال مستدام بين البشر، وإمكانية الانتشار العابر للحدود، واحتمالات انتقال العدوى من دون أعراض واضحة، وقابلية التفشي داخل البيئات الحضرية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بعمليات الاحتواء والاستجابة الصحية.   كما تستعرض الدراسة المسارات المستقبلية المحتملة لإنتشار فيروس هانتا، عبر تحليل سيناريوهات تتراوح بين استمرار الانتشار الوبائي المحلي المحدود، واتساع نطاق الانتقال الإقليمي، وصولًا إلى سيناريو منخفض الاحتمال لكنه مرتفع التأثير يتمثل في تحوّل الفيروس إلى تهديد وبائي أوسع نتيجة طفرات محتملة قد تعزز قدرته على الانتقال. كذلك تتناول الدراسة التداعيات المرتبطة بالسياسات الصحية، ومؤشرات الإنذار المبكر، والدروس المستفادة من جائحة "كوفيد-19"، بهدف تقييم فجوات الجاهزية وقدرات الاستجابة، ومدى قدرة الأنظمة الصحية والمؤسسات الدولية على احتواء التهديدات الوبائية الناشئة قبل خروجها عن نطاق السيطرة.   منهجيًا، تعتمد هذه الدراسة على مقاربتين نوعية وكمية، تستندان بصورة رئيسة إلى البيانات الأولية والمؤشرات الرقمية، إلى جانب المصادر الثانوية. وتستند الدراسة إلى تقارير وبيانات صادرة عن منظمات صحية دولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، فضلًا عن الإحصاءات الرسمية، والأدبيات الأكاديمية المحكمة، والدراسات الوبائية، وتحليلات الخبراء. كما توظف الدراسة منهج المقارنة التحليلية بين فيروس هانتا و"كوفيد-19"، بهدف رصد أوجه التشابه والاختلاف في مؤشرات رئيسة، تشمل قابلية الانتقال، ومعدلات الفتك، والقدرة على التحول إلى جائحة. كذلك تعتمد الدراسة على بناء السيناريوهات ومنهجيات تقييم المخاطر لتحليل المسارات المحتملة لعمليات التفشي المستقبلية، وتقييم مؤشرات الجاهزية والتحديات المرتبطة بالاستجابة والاحتواء.
ديناميكيات الحرب والسياسة: كيف تعيد الحرب الإسرائيلية الإيرانية تشكيل انتخابات الكنيست في ٢٠٢٦
الإصدارات
20 أبريل 2026

ديناميكيات الحرب والسياسة: كيف تعيد الحرب الإسرائيلية الإيرانية تشكيل انتخابات الكنيست في ٢٠٢٦

شهد النظام السياسي الإسرائيلي تحولات هيكلية على خلفية اندلاع عملية الأسد الزائر بين إسرائيل وإيران في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. حيث يمثل هذا الصراع انتقالاً من سياسات الردع التقليدي وحروب الوكالة إلى عقيدة المواجهة الشاملة والضربات الاستباقية الموجهة ضد البنية التحتية النووية والعسكرية في العمق الإيراني.   وتزامنت هذه التطورات العسكرية مع اقتراب الموعد الدستوري لإجراء انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في موعد أقصاه أكتوبر ٢٠٢٦، وذلك في ظل بيئة سياسية تتسم بالهشاشة بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم. فقد بدأت هذه المواجهة في وقت تعاني فيه القيادة التنفيذية من تراجع في مؤشرات الدعم السياسي، متأثرة بالتداعيات المستمرة للإخفاقات الاستخباراتية والأمنية المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر 2023. وتترافق هذه التحديات مع تراجع المؤشرات الاقتصادية المحلية، والانقسامات المجتمعية الحادة حول تشريعات التجنيد الإلزامي لليهود المتشددين، فضلاً عن مسار المحاكمات القضائية الجارية. وفي هذا السياق، تشير المعطيات التحليلية إلى مساعي القيادة التنفيذية لتوظيف حالة الطوارئ الوطنية بهدف توطيد تماسك القاعدة الانتخابية اليمينية، وإثبات مركزية القيادة الحالية في إدارة التهديدات الأمنية ضمن نظام برلماني معقد.   يفرض تقاطع النزاعات العسكرية الممتدة مع الدورات الانتخابية الديمقراطية تحديات بنيوية معقدة على السلوك التصويتي ومستقبل القيادات الحالية، حيث تتداخل متطلبات التعبئة الوطنية مع أزمات الثقة المؤسسية المتجذرة في الوعي العام، يقدم هذا التحليل قراءة للحسابات الانتخابية قبل وبعد اندلاع المواجهة، ويستعرض السوابق التاريخية لتأثير الحروب الممتدة على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كما   يحلل الدوافع الاستراتيجية والشخصية التي توجه عملية صنع القرار، وصولاً إلى استشراف مسارات إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية في استحقاق عام ٢٠٢٦.
فجوة الردع: هل يغلق الدرع الشرقي سماء طهران في المواجهة القادمة؟
الإصدارات
1 مارس 2026

فجوة الردع: هل يغلق الدرع الشرقي سماء طهران في المواجهة القادمة؟

شكلت العمليات العسكرية التي دارت رحاها في يونيو ٢٠٢٥، والتي استمرت لمدة اثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، نقطة انكسار حادة في مسار التوازن العسكري الإقليمي، حيث أسفرت المواجهة عن تآكل جوهري في البنية التحتية العسكرية لطهران وتكبدها خسائر مادية جسيمة، وقد تجلي عمق هذا الإخفاق العملياتي في الانهيار شبه التام لمنظومة الدفاع الجوي المتكاملة، حيث تشير التقديرات الاستخباراتية المؤكدة إلى نجاح إسرائيل في تحييد ما يربو على ٨٠ بطارية صواريخ "أرض-جو" وتدمير أكثر من ١٢٠ منصة إطلاق، الأمر الذي جرد المجال الجوي الإيراني من غطائه الحمائي وفرض حالة من السيادة الجوية الإسرائيلية المطلقة.   وفي خضم هذا التداعي، فقدت طهران فعلياً كامل ترسانتها من منظومة (S-300PMU2) "إس-300 بي إم يو-2" الروسية الصنع، التي كانت قد تسلمتها في عام ٢٠١٦ بعد مفاوضات مضنية وتكلفة مالية باهظة، إذ دُمرت هذه المنظومات بشكل ممنهج بين عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥. كما أثبتت الصناعات الدفاعية المحلية، المتمثلة في منظومتي "باور-373" (Bavar-373) و"خرداد-15" (Khordad-15)، عجزاً عملياتياً واضحاً عند اختبارها في بيئة قتالية حقيقية. مما كشف عن فجوة تقنية واسعة بين القدرات الهجومية الإسرائيلية ووسائل الدفاع الإيرانية فلم يسجل الدفاع الجوي الإيراني إسقاط أي مقاتلة إسرائيلية مأهولة، وقف سلاح الجو الإيراني عاجزاً بترسانته المتقادمة التي تعتمد على إرث ما قبل الثورة من طائرات "إف-14 تومكات" (Grumman F-14 Tomcat) و"فانتوم" و"تايغر"، مدعومة بطائرات (MiG-29) "ميغ-29" من حقبة التسعينيات. هذا العجز التام عن المنافسة أو الردع لم يثبت فشل التكتيكات فحسب، بل وجه ضربة قاضية للمسلمات الاستراتيجية التي قام عليها مذهب الدفاع الإيراني لعقود، والمتمثل في الاعتماد على "الردع الصاروخي غير المتكافئ" وشبكات الدفاع الطبقية الهجينة.   وأمام هذا الواقع الذي شهد تحييد القدرات الصاروخية وتفكيك المظلة الجوية، اضطرت القيادة الإيرانية إلى تبني استراتيجية إعادة ضبط ما بعد الحرب، مدشنة حملة استحواذ عاجلة تهدف إلى سد الفجوة التكنولوجية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا والصين لترميم الردع المفقود، ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط هل ينجح هذا "الردع الهجين" -المكون من صواريخ محلية وأسلحة مستوردة غير مدمجة كلياً- في الصمود أمام خصم أثبت بالفعل امتلاكه الجرأة والقدرة على توجيه ضربات مدمرة في العمق الإيراني.