بين مادورو والخامنئي: هل حل الذكاء الاصطناعي محل الاستخبارات البشرية؟
البرامج البحثية

بين مادورو والخامنئي: هل حل الذكاء الاصطناعي محل الاستخبارات البشرية؟

مثّل الربع الأول من عام ٢٠٢٦ نقطة انعطاف استراتيجية في توظيف القوة الصلبة وإدارة التفاعلات الجيوسياسية. فبعد عقود اقتصر فيها دور التقنيات الحاسوبية على الإسناد العملياتي—كمعالجة البيانات الاستخباراتية أو توجيه الذخائر الدقيقة—شهد شهرا يناير وفبراير تحولاً بنيوياً تمثل في الانتقال من التخطيط المعتمد على العنصر البشري إلى إدارة سلاسل قتل (Kill Chains) خوارزمية مستقلة تماماً، وقد تبلورت هذه العقيدة رسمياً عبر "استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أصدرتها وزارة الحرب الأمريكية (DoW)في ٩يناير ٢٠٢٦؛ بهدف تكريس هيمنة عسكرية أمريكية مطلقة، والانتقال بالجهاز الدفاعي من الأطر البيروقراطية الكلاسيكية إلى آلة حرب تتبنى مقاربة الذكاء الاصطناعي أولاً (AI-First).   وقد ارتكزت هذه العقيدة المستحدثة على محددات صارمة تُعلي من شأن القوة المميتة المطلقة، والسرعة العملياتية الفائقة، والأنظمة الموضوعية التي تضع المهمة فوق كل اعتبار، مع استبعاد تام للمقاربات الاجتماعية والسياسية من معادلة الضبط الخوارزمي، وذلك لضمان التفوق الحاسم في اتخاذ القرار الميداني، وتجلى هذا التحول العقائدي بوضوح عبر تدخلين عملياتيين غير مسبوقين وفائقي الخطورة: الاعتقال خارج الحدود الإقليمية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر "عملية العزم المطلق" في يناير ٢٠٢٦، وضربة استئصال القيادة شديدة الفتك ضد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال "عملية المدينة المقدسة الصامتة"، كجزء من عملية "الغضب الملحمي" الأوسع، في فبراير ٢٠٢٦.   حيث أسفر الدمج المعقد للنماذج اللغوية التوليدية (LLMs)، والبنى الديناميكية للبيانات، وخوارزميات التقييم التكتيكي، وأنساق الطيران المسير ذاتي التوجيه، عن إحداث ثورة في معايير السرعة، والدقة، وحسابات التكلفة الجيوسياسية لعمليات تحييد الأهداف عالية القيمة (HVTs) وتؤكد هذه المعطيات بشكل حاسم أن حقبة الذكاء الاصطناعي كأداة إسناد تحليلي خلفية قد طُويت؛ ليبرز اليوم بوصفه المهندس الاستراتيجي الأول للميدان، والمحرك الأساسي للمحاكاة التكتيكية، والموجه المباشر لمسارات "التنفيذ الحركي".
الانتخابات الرئاسية الإيرانية: منافسة محتدمة ورهانات عالية
البرامج البحثية

الانتخابات الرئاسية الإيرانية: منافسة محتدمة ورهانات عالية

يدلي الناخبون الإيرانيون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية المبكرة المقرر انعقادها 28 يونيو بعد وفاة رئيسها المتشدد إبراهيم رئيسي في حادث غير متوقع نتيجة تحطم طائرة هليكوبتر في مايو الماضي. حيث شهد النظام الإيراني سيناريوهات مماثلة في السابق، ففي عام 1981، تم عزل أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية بعد الثورة، من قبل مجلس الشورى بسبب عدم كفاءته السياسية. وفي نفس العام، تكرر هذا السيناريو باغتيال الرئيس محمد علي رجائي خليفة بني صدر، بتفجير حقيبة مفخخة عام 1981، وبالتالي فإن الفراغ السياسي والدستوري الحالي ليس بجديد على إيران، فقد حدث مرتين من قبل في فترة من عدم الاستقرار السياسي، وهذه المرة لا تقل أهمية عن سابقاتها.   وكان رئيسي من الشخصيات القليلة التي تحظى بثقة المؤسسة الأمنية وحراس النظام من رجال الدين، وكان من المخطط له الأشراف على تصعيد مرشد أعلى جديد بعد وفاة علي خامنئي أو ربما قد يصبح هو نفسه المرشد الأعلى، وبالتالي فإن وفاة رئيسي ستشكل تحدياً لنظام الملالي في طهران في ظل تحديات داخلية وخارجية شهدتها إيران في الآونة الأخيرة.   ومن ناحية أخري، مهد المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية عبر اختيار ستة مرشحين فقط، اجتازوا الفحص الذي أجراه مجلس صيانة الدستور -المكون من أثني عشر رجل دين يعيّنهم المرشد الأعلى، بترشيح من السلطة القضائية وموافقة البرلمان عليهم- من بين 80 مرشحا تقدموا بطلبات ترشحهم للمنصب، وفقاً لمعايير فضفاضة يجري تفسيرها وتأويلها من قبل مجلس صيانة الدستور مما يعطيه قول الفصل في اختيار أو استبعاد بعض المرشحين فعلي سبيل المثال لا يستثني الدستور الإيراني صراحة المرأة من حقها في الترشح للانتخابات الرئاسية ولكن يمنعها مجلس الصيانة من ذلك الحق حيث سجلت أربع سيدات أسماءهن في قائمة الترشح للرئاسة وغيرهم على مدار الثلاثة عشر انتخابات رئاسية ماضية، لم تتم الموافقة على ترشيح أي امرأة إلى الرئاسة بسبب المادة 115 من الدستور التي تنص على أن يكون الرئيس من بين "رجال السياسة والدين من أصل إيراني، ومواطناً إيرانياً، ومديراً وحكيماً، يتمتع بسمعة طيبة وأمانة وتقوى، ويؤمن بأسس جمهورية إيران الإسلامية وبالدين الرسمي للبلاد" ، علاوة على وضع معايير أخري تتعلق بالقدرة على الإدارة والتدبير، بخلاف ذلك الافتراض العام بأن خامنئي يريد رئيسًا مخلصًا ومحافظًا لا يعارضه يؤمن بالثوابت الخاصة بالنظام متمثلة في قدسية وطاعة ولي الأمر وإطاعة المرشد.   لذا يسعي هذا التحليل إلى توضيح أهمية هذه الانتخابات، وكيفية إداراتها، وأولويات التي يبحث عنها الناخب والنظام في الرئيس القادم.