د. عبد الخالق عبد الله

د. عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية من الإمارات، حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة جورج تاون في واشنطن، ودرجة الماجستير من الجامعة الأمريكية في واشنطن، وحاليا هو أستاذ وأكاديمي زائر بجامعة هارفارد، وهو عضو اللجنة التنفيذية لمنتدى التنمية الخليجي وعضو مفكرو الإمارات، وعضو اللجنة العلمية لمجلة العلوم الاجتماعية، وله العديد من المقالات المنشورة في عدة منابر إعلامية مرموقة.

 

تنصب اهتمامات الدكتور عبدالخالق عبدالله حول قضايا الأمن والتحولات السياسية في الخليج العربي، بالإضافة إلى كتابات متنوعة حول قضايا فكرية وسياسية عربية وعالمية معاصرة، له العديد من المؤلفات التي ساهمت في تشكيل الفكر العربي تجاه دولة الإمارات والخليج العربي، أبرزها: كتاب "لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر" والذي صدر عام (2019)، وتمت ترجمته إلى اللغة الكورية عام (2023)، كما أعادت جامعة هارفارد إصداره باللغة الإنجليزية في عام (2024)، وكتاب "حكاية السياسة"، و "الحركة الثقافية في الإمارات"، و "النظام الإقليمي الخليجي"، و "قضايا خليجية معاصرة"، و "العالم المعاصر والصراعات الدولية"، بالإضافة إلى أحدث مؤلفاته كتاب"اعترافات أكاديمي متقاعد"، علاوة على كتاب "رحلتي إلى هارفارد: خواطر أكاديمي إماراتي" الذي صدر في عام (2024).

للمزيد من د. عبد الخالق عبد الله

دبي على قمة جبل شاهق
البرامج البحثية
20 أبريل 2026

دبي على قمة جبل شاهق

على امتداد 40 يوماً من الهجمات المكثفة والمتواصلة، أطلقت إيران 2,819 صاروخاً ومسيّرة باتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، تمكّنت أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة في الدولة من اعتراض نحو 95% من هذه المقذوفات بكفاءة لافتة، في أداء استثنائي لم يقتصر على احتواء التهديد، بل أسهم في إعادة ترسيخ الثقة في دبي وتعزيز مكانة الإمارات على الساحة الدولية، حيث حصدت إشادة واسعة وإعجاباً عالمياً. وفي هذا السياق، يكشف هذا العدوان غير المبرر، في جوهره، أن هذه المدينة ليست مجرد مركز حضري مزدهر، بل واحة منيعة تقوم على أسس راسخة من الحوكمة الرشيدة، ورؤية استشرافية واضحة، وطموح يتجاوز الحدود. كما برهنت، مرة أخرى، على جاهزيتها للارتداد بثقة وكرامة وأناقة، وفق نموذج إماراتي يجمع بين الصلابة والاتزان، ويجسّد خصوصية دبي والإمارات.   وحتى في خضم هذه الأزمة، أعادت وكالة التصنيف الائتماني العالمية ستاندرد آند بورز تأكيد التصنيف السيادي لدولة الإمارات عند AA/A-1+، استناداً إلى عمقها المالي، وتنوّع اقتصادها، واستدامة نموها، وقدرتها العالية على حماية الاستثمارات. وفي موازاة ذلك، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجّل الاقتصاد الإماراتي نمواً بنحو 4% في عام 2026، بما يعكس استمرار متانته وقدرته على الصمود في مواجهة الضغوط.   ولم تكتفِ دبي بالحفاظ على هدوئها، بل وقفت شامخة كبرج خليفة، أعلى بناء في العالم، إذ لم تتراجع في لحظات الخطر القصوى، ولم تهتز حتى، ليظل إرثها بوصفها ملاذاً آمناً راسخاً لا يتزعزع. وعلى هذا الأساس، تواصل دولة الإمارات تصدّرها قائمة الدول الأكثر أماناً في العالم في عام 2026، في تأكيد إضافي على صلابة نموذجها واستقرار بيئتها.   ظلّت مظاهر الحياة في دبي تسير بوتيرة طبيعية لافتة، رغم الظروف الاستثنائية التي أحاطت بها، في مشهد يعكس قدرة متجذّرة على التكيّف والاستمرار. وفي هذا السياق، لم تكتفِ المدينة بإثبات قدرتها على الحماية، بل كشفت عن عمق مرونتها وصلابة نسيجها الداخلي، على الطريقة الإماراتية التي تمزج بين الكفاءة والاتزان. وهكذا، تحوّل ما كان يُتوقّع أن يُربك إيقاع الحياة اليومية إلى عامل عزّز مكانة دبي بوصفها واحة مستقرة وقلعة حصينة، منفتحة ومتسامحة، وماضية بثقة نحو المستقبل.   وفي امتداد لهذا الأداء المتماسك، جدّدت دبي تأكيد مكانتها، ليس فقط كمركز عالمي للمال والخدمات اللوجستية، بل كمدينة تصوغ الأفكار وتضع معايير إقليمية طموحة. وما يميّزها في هذا السياق أنها لا تكتفي بالتموضع ضمن النقاشات العالمية، بل تستبقها، وغالباً ما تسهم في تشكيلها وتوجيه مساراتها. ومن ثم، لا تبدو دبي في موقع انتظار للمستقبل، بل تبرز بوصفها الحيز الذي يُعاد فيه تشكيل هذا المستقبل وصياغته.   تكفي زيارة واحدة إلى متحف المستقبل لتجسيد هذه الحكاية على أرض الواقع، حيث تتقاطع الرؤية مع التنفيذ في صورة ملموسة. فقد عادت المدارس سريعاً إلى طاقتها الاستيعابية الكاملة، واستعادت مراكز التسوق، التي يزيد عددها على 70 مركزاً، حيويتها المعتادة، في حين استأنف مطار دبي الدولي، الأكثر ازدحاماً عالمياً في حركة السفر الدولي، معظم عملياته، مدفوعاً بتعافٍ قوي في حركة الترانزيت. وعلى الإيقاع ذاته، عادت الطرق تنبض بحركتها اليومية المعتادة، فيما عكست المطاعم الحاصلة على نجوم ميشلان في المدينة، والبالغ عددها 19 مطعماً، هذا الزخم من خلال حجوزات مكتملة خلال إفطارات شهر رمضان، في دلالة واضحة على عودة الحياة إلى كامل حيويتها.   وفي امتداد لهذه الصورة المتماسكة، تبدو دبي مدينة صُمِّمت لتدوم، تقف بصلابة الصخر كحاضرة عالمية تجمع بين الأناقة والجوهر. فهي تمثّل مركزاً دولياً متقدماً للأعمال والطيران والخدمات اللوجستية، وتتقدّم بخطى متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع سعيها لترسيخ موقعها بوصفها مركزاً صاعداً لنهضة عربية جديدة. وعلى هذا الأساس، تتطلع إلى أداء دور في القرن الحادي والعشرين يُحاكي ما اضطلعت به قرطبة وفلورنسا في ذروة ازدهارهما، بما يعكس طموحاً يتجاوز حدود اللحظة إلى إعادة صياغة دور المدينة في التاريخ.   تواصل الحوكمة الرشيدة دفع دبي في مسار تقدّم متسارع ومتّزن، لترسّخ موقعها بين المدن الرائدة عالمياً في جودة البنية التحتية، حيث تشكّل منظوماتها المتطورة قاعدة صلبة لتعزيز قدرتها التنافسية. وفي امتداد لهذا الزخم، تتكامل هذه المقومات مع بيئة اجتماعية تتسم بدرجة عالية من الانفتاح والتسامح، تدعمها منظومة قانونية واقتصادية تُعد من بين الأكثر مرونة وجاذبية عالمياً. وعلى هذا الأساس، تمضي دبي بخطى واثقة نحو توسيع استثماراتها النوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الإبداعي، في مسعى لتعزيز موقعها ضمن مراكز الابتكار وصناعة المستقبل.   وفي موازاة هذا المسار التنموي، يواصل المشهد الثقافي في دبي اتساعه بوتيرة متسارعة، بما يعكس دينامية متجددة ورؤية واعية تستثمر في القوة الناعمة بوصفها رافعة أساسية للتنمية. وتُجسّد معالم بارزة مثل متحف المستقبل، ودبي أوبرا، وآرت دبي، والسركال أفينيو، وبيت الممزر، ومركز جميل للفنون، وحي دبي للتصميم، وإكسبو سيتي دبي ملامح منظومة ثقافية مزدهرة، تتكامل فيها الفنون مع الابتكار، وتتفاعل فيها الهويات المحلية مع التيارات العالمية ضمن فضاء إبداعي مفتوح ومتنامٍ، بما يعزز من حضور دبي كوجهة ثقافية ذات تأثير متصاعد.   وتتعزّز هذه الحيوية الثقافية بجاذبية دبي المتنامية بوصفها وجهة رئيسية لاستقطاب الكفاءات العالمية، إذ تستقطب العقول المبدعة من نحو 200 جنسية، في مشهد يعكس ثراءً إنسانياً وثقافياً لافتاً. وعلى هذا الأساس، رسّخت المدينة موقعها ضمن أبرز الحواضر الإبداعية عالمياً، إلى جانب لندن ونيويورك وباريس وطوكيو وبرلين ولوس أنجلوس وبرشلونة وأمستردام وسيول، بما يعكس حضوراً دولياً متقدماً يتجاوز حدود المقارنة التقليدية. ومن ثم، يقوّض هذا الواقع المتجدد التصوّرات التي طالما شكّكت في العمق الثقافي لدبي، مؤكداً أن ما تشهده المدينة اليوم ليس مجرد تطور تدريجي، بل تحوّل نوعي يعيد تعريف مكانتها في الخريطة الثقافية العالمية.   وفي امتداد لهذا الزخم، يؤمّ دبي سنوياً أكثر من 20 مليون سائح، مدفوعين ليس فقط بمكانتها كمركز عالمي للأعمال أو كوجهة ترفيهية بارزة، بل بما تقدّمه من تجربة متفرّدة تجمع بين الجاذبية والتنوع والابتكار. وعلى هذا الأساس، تحافظ المدينة على موقعها ضمن أكثر الوجهات طلباً على مستوى العالم، متقدّمة في كثير من الأحيان على مدن عريقة مثل باريس وطوكيو ولندن ونيويورك وروما، في دلالة واضحة على قدرتها المستمرة على إعادة صياغة مفهوم الوجهة العالمية وترسيخ معايير جديدة لها.   وخلال ذروة الهجمات، بقيت الغالبية الساحقة من سكان دبي في المدينة، متماسكة ويقِظة وواثقة، في مشهد يعكس عمق الثقة بالبيئة التي تحتضنهم. وفي موازاة ذلك، حظي السياح العالقون بالدعم اللازم، حيث جرى تأمين عودتهم إلى بلدانهم بسلام، في تجسيد عملي لنهج الضيافة الذي تُعرف به دبي. كما عاد العديد من المقيمين الذين غادروها مؤقتاً، ليؤكدوا حقيقة راسخة مفادها أن دبي ليست مجرد مكان للإقامة، بل موطن حقيقي. وعلى هذا الأساس، لم يشعر سوى عدد محدود للغاية من سكانها متعددي الجنسيات، بما في ذلك الجاليات البريطانية والفرنسية والهندية الكبيرة، بأي تهديد حقيقي في أي مرحلة، وهو ما يعكس مستوى الأمان المتجذّر في بنية المدينة.   وفي امتداد لهذه الصورة، اختُبرت دبي في لحظة دقيقة، لكنها خرجت منها أكثر رسوخاً وثباتاً، إذ لم تهتز ولم تنكسر، بل اجتازت الاختبار بكفاءة لافتة تؤكد قدرتها على تجاوز الأزمات بثقة. ومن ثم، تواصل المدينة مسيرتها نحو الأمام بإيقاع متماسك ورؤية واضحة، بما يعكس حقيقة أنها ليست مجرد فضاء عمراني قائم على الرمل والصلب والزجاج، بل مشروع متكامل يقوم، في جوهره، على وضوح الرؤية، وصلابة الإرادة، وطموح لا يعرف التراجع. وعلى هذا الأساس، تقف دبي اليوم نابضة بالحيوية كما عهدناها، مجسّدةً نموذجاً مستداماً للاستقرار والازدهار في منطقة تعجّ بالتقلبات. وفي هذا السياق، تبرز المدينة بوصفها كياناً يتجه بثبات نحو المستقبل، في وقت لا تزال فيه مدن أخرى أسيرة إرث الماضي، غير قادرة على مجاراة تحوّلات الحاضر أو استشراف آفاق الغد.
الثلاثي الخليجي في شرق أوسط ما بعد ايران
البرامج البحثية
31 أكتوبر 2025

الثلاثي الخليجي في شرق أوسط ما بعد ايران

تُمثّل المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، اليوم نواةً صاعدة داخل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وذلك بوصفها مجموعةً شبه متبلورة باتت تُعرف تدريجيًا في أدبيات السياسة الخليجية الحديثة باسم "الثلاثي الخليجي". وعلى الرغم من أن هذا التشكيل لا يحظى بوضعية رسمية أو طابع مؤسسي، شأنه في ذلك شأن مجموعة الدول السبع التي تُعَدّ من أبرز محافل تنسيق السياسات الاقتصادية والسياسية بين الديمقراطيات الصناعية الكبرى، أو مجموعة العشرين التي تأسست عام 1999 كإطار للتفاعل بين القوى المتقدمة والصاعدة من أجل ضمان الاستقرار المالي العالمي، أو حتى مجموعة الـ77 التي تعد أكبر تكتل للدول النامية داخل منظومة الأمم المتحدة؛ إلا أن (الثلاثي الخليجي) تُقدَّم اليوم كإطار عملي وفعّال لتنسيق استراتيجيات النفوذ والتأثير بين أبرز الفاعلين في الفضاء الخليجي والعربي.   وتنبع خصوصية هذا الثلاثي من كونه أصغر التكتلات، وأكثرها حداثة، وأكثرها تجانسًا من حيث المحددات البنيوية والمصالح العليا لدوله، إذ تحتل الدول الثلاث مواقع متقدمة على مستوى النشاط السياسي والديبلوماسي، والقدرة الاقتصادية والمالية، فضلاً عن حضورها الدولي المُتنامي مُقارنة ببقية أعضاء المجلس. كما تدل المؤشرات المتراكمة على أن هذه الدول لم تعد تمارس دورها الإقليمي كقوى منفردة، بل باتت تشكل مركز ثقل جديد للسياسة العربية، يفرض نفسه من حيث التأثير وسرعة الاستجابة ووضوح التوجهات.   وانطلاقًا من لحظة التحول التي يشهدها الخليج في هذه المرحلة، والتي لا يُمكن أن تُفسَّر فقط بموازين القوى التقليدية أو بهياكل التعاون القائمة، بل باتت تستدعي فهمًا أدق للدوافع الكامنة وراء السياسات الخارجية لدول (الثلاثي الخليجي)، وآليات التنسيق غير الرسمي التي تربطها، والرهانات الكبرى التي تضعها هذه الدول في الحسبان وهي تعيد تعريف معادلة الأمن والتنمية في بيئة الشرق الأوسط ما بعد حقبة إيران.
رؤية الإمارات لتحقق السلام في المنطقة
البرامج البحثية
24 سبتمبر 2024

رؤية الإمارات لتحقق السلام في المنطقة

ستدخل حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة سنتها الثانية دون أي أفق لوقفها قريباً. ومع استمرار هذه الحرب وما يصاحبها من تصعيد إقليمي تبدو صورة السلام في المنطقة العربية قاتمة، وأبوابه مغلقة وفرصه ضئيلة. رقعة التوتر تتسع يوما بعد يوم وتمتد خارج دائرة الحرب على غزة التي تسببت في استشهاد أكثر من 40 ألف مدني وتهجير وتجويع نحو 2 مليون فلسطيني يعيشون حالة إنسانية صعبة. أحداث 7 أكتوبر الدامية أشعلت نارا يصعب إطفاؤها ووضعت المنطقة في مهب رياح ساخنة لا يمكن التكهن بنهاياتها.   لذلك يبدو السلام عسيراً بعد أن انتكست مساعي كل من مصر وقطر وأمريكا لتحقيق هدنة مؤقتة. جميع الشواهد تشير إلى أن المنطقة تعيش أجواء حرب بسبب تعنت حكومة إسرائيلية بزعامة بنجامين نتنياهو الذي لا يستجيب لدعوات السلام. في ذات الوقت فإن انقسام البيت الفلسطيني يعيق أي تحرك جاد نحو السلام. أكثر من ذلك فان إنحياز أمريكا السياسي والعسكري المطلق مع إسرائيل الذي برز بوضوح في إرسال أطنان من الأسلحة الى إسرائيل واستخدام واشنطن حق الفيتو في مجلس الأمن ضد أي قرار لوقف الحرب لا يساعد على تحقيق السلام. ولا شك أن الضعف السياسي والدبلوماسي العربي المزمن غير قادر على تحريك مسار السلام وفق مشروع سلام عربي يلاقي الإزدراء من قبل إسرائيل.   الطرف الاسرائيلي قادر على السلام لكنه غير راغب في السلام، ويتصرف بمنطق القوة والعنف والاحتلال والتوسع الاستيطاني ويعول على دعم أمريكي عسكري وسياسي لا حد ولا حدود له. أما الطرف الفلسطيني فهو راغب في السلام ويراهن على حل الدولتين فيما تبقى من فلسطين لكنه غير قادر على فرض السلام بسبب ترهل سلطته وانقسام فصائله وغياب داعم عربي ودولي يعتد به.   لكن هذا ليس وقت الإحباط لا القليل منه ولا الكثير. وهذا ليس وقت التشاؤم الذي لا يستقيم مع الحاجة الماسة لوقف الحرب في غزة فوراً وعاجلاُ. مأساة غزة تحتم البحث عن مفاتيح جديدة ومداخل مختلفة لتحقيق السلام.   فالمنطقة أمام مسارين لا ثالث لهما. أحدهما استمرار سيناريو الحرب والآخر مسار السلام، والقرار بيد دول المنطقة وبيد عقلائها وليس بيد قوى العنف والتطرف والفوضى. من المهم تكثيف الجهد السياسي والدبلوماسي للخروج من نفق الحرب والبحث بواقعية وبحس المسؤولية عن فرص السلام التي تتبلور عادة من رحم المأساة المروعة الناجمة عن أحداث 7 أكتوبر. ففي رحم الوضع الإنساني الكارثي يلوح في الأفق بصيص أمل لمسار صعب لتحقيق السلام تتحمل مسؤوليته أمريكا التي اتضح أنها تملك 99% من أوراق المنطقة بالتعاون مع خمس دول عربية هي مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر.   لكن من بين جميع هذه الدول الحريصة على الاستقرار الإقليمي، أعلنت الإمارات مؤخراً عن رؤية متكاملة وجريئة لمرحلة ما بعد حرب غزة. جاء هذا الإعلان متسقاً مع توجه الإمارات لتخفيف التوترات في المنطقة. حدث ذلك مع إيران وتركيا وسوريا وأفغانستان وإسرائيل. لقد تحرك البلدوزر الدبلوماسي الاماراتي في أكثر من اتجاه خلال الأربع سنوات الماضية وهو الآن يتجه بحرص وتأن للإعداد لمرحلة ما بعد حرب غزة.   ركزت الإمارات خلال سنة من الحرب على غزة على الجهد الإغاثي، وسجلت أعلى معدل لإرسال المساعدات الطبية والمساعدات الإنسانية، كان آخرها قيادة حملة دولية عاجلة وطارئة لتوفير 1.3 مليون جرعة دواء لتطعيم نحو 600 ألف طفل ضد شلل الأطفال. قامت الإمارات بهذا الجهد الطبي في ظل ظروف لوجستية وأمنية وسياسية في غاية الصعوبة.   وبالتزامن مع الجهد الطبي والغذائي الإغاثي، استبقت الإمارات الجميع بطرح تصورها لمرحلة ما بعد الحرب على غزة. كانت الإمارات أول دولة في العالم تبدي الإستعداد لإرسال قوات لحفظ السلام في غزة. جاء ذلك ضمن رؤية إماراتية للإنتقال من دائرة الحرب إلى مرحلة السلام. تلخصت مبادرة الإمارات الإستباقية في 6 بنود هي: ‏1- تلقيها دعوة رسمية من السلطة الفلسطينية لإرسال قوات لحفظ السلام في غزة ‏2- إجراء السلطة الفلسطينية إصلاحات عميقة ‏بما في ذلك تعيين رئيس وزراء لحكومة فلسطينية جديدة تتمتع بالإستقلالية 3- تسلم السلطة الفلسطينية حكم غزة ‏4- قبول إسرائيل بمبدأ حل الدولتين ‏5- قيام أمريكا بدور قيادي في اليوم التالي للحرب، والأهم من كل ذلك 6- التزام أمريكي رسمي واضح وصريح تجاه قيام دولة فلسطينية مستقلة على أن يكون موثقا في مجلس الأمن.   هذه ليست شروط إماراتية بل هي خارطة طريق لتحقيق السلام في المنطقة يبدأ بهدنة ثم وقف حرب غزة، يتولاها إدارة فلسطينية مدنية بدعم من قوات إماراتية وعربية يمهد الطريق لإعادة إعمار غزة.   لكن في ظل تردد أمريكا وتلكؤ إسرائيل وعجز السلطة الفلسطينية، أعربت الإمارات على لسان وزير خارجيتها الشيخ عبدالله بن زايد أنها "غير مستعدة لدعم اليوم الثاني من الحرب في غزة دون قيام دولة فلسطينية". حمل هذا التصريح عدة رسائل من بينها كم هو صعب تحقيق السلام، وأنه لا استقرار في المنطقة بدون حل الدولتين الذي هو الحل الوحيد لإنهاء أقدم صراع إقليمي في العالم، علاوة على ذلك تؤكد أنها لا تساوم على عدالة قضية فلسطين، ولا تدير ظهرها لحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة. وتأتي زيارة رئيس الإمارات إلى واشنطن هذا الأسبوع لتحمل رسالة خليجية وعربية على ضرورة أنه لابد من العمل سوياً لوقف حرب غزة الكارثية بحق الشعب الفلسطيني.   توظف الإمارات حالياً كل جهدها الدبلوماسي وثقلها السياسي للخروج من دائرة الحرب والنزاعات وعدم الاستقرار والفوضى الى أفق السلام والإستقرار الذي طال انتظاره. لا طريق غير هذا الطريق لتحقيق السلام في منطقة شهدت 4 حروب بين الدول العربية وإسرائيل و3 حروب في الخليج العربي وحده، وأكثر من 20 حرباً أهلية في الصومال والسودان وسوريا وليبيا ولبنان والعراق واليمن وعلى إمتداد المنطقة العربية.   لقد تشبعت المنطقة العربية بالحروب والحرائق المشتعلة في أكثر من زاوية. لذلك أخذت الإمارات على عاتقها القيام بدور بلدوزر السلام لتخفيف التوترات وإطفاء حرائق منطقة عربية وشرق أوسطية أنهكتها الحروب، واكتوت بالنزاعات وأهدرت سنوات من عمرها التنموي والحضاري وأخفقت في تحقيق مشروعها النهضوي. الإمارات لا تعيش في فراغ وتعي جيدا مسؤولياتها القومية والتاريخية وتدرك أن استقرارها وازدهارها كما استقرار وازدهار بقية دول الخليج العربي يرتبط أشد الارتباط بالاستقرار في جوارها الجغرافي، وهذا هو باختصار جوهر رؤية الإمارات لتحقيق السلام في المنطقة.