لقد حان الوقت لتتحول مداخل تحليل الموقف الإسرائيلي الراهن من محاولات تحليل واستشراف "حدود التوسع" إلى تحليل "مؤشرات الزوال"، ولا مبالغة في القول بأن إسرائيل قد فعلت "خاصية التدمير الذاتي" ليتجسد الخطر الأكبر على بقائها داخلها، ولكن ليس كل كيان يواجه أزمة وجودية ينهار، كما أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على الاستمرار، فالتاريخ يخبرنا أن بعض الكيانات تبدأ رحلة التآكل بينما لا تزال تمتلك جيشًا متفوقًا، واقتصادًا قادرًا على الصمود، وحلفاء يوفرون لها الدعم، ولكن لحظة التحول الحقيقية تأتي عندما تبدأ عناصر القوة نفسها في أداء وظيفة معاكسة لتلك التي صنعت تفوقها، ومن هذا المنطلق، لا يحاول هذا التحليل التنبؤ بمصير إسرائيل، ولا ينطلق من فرضية أن نهايتها أصبحت حتمية، بل يطرح سؤالًا مختلفًا هل بدأت المقومات التي ضمنت لإسرائيل البقاء لعقود تفقد قدرتها على أداء الدور الذي قامت من أجله؟
منذ تأسيسها، اعتمدت إسرائيل على مجموعة من العناصر التي شكلت أساس تفوقها؛ دعم دولي وفر لها غطاءً سياسيًا غير مسبوق، وتفوق عسكري عزز قدرتها على الردع، واقتصاد استطاع جذب الاستثمارات والعقول، ومجتمع حافظ على حد أدنى من التماسك رغم تناقضاته، غير أن المشهد الراهن يشير إلى أن هذه العناصر لم تعد تتحرك في الاتجاه نفسه، بل بدأت تواجه ضغوطًا متزامنة أعادت تعريف دورها وحدود تأثيرها، فالردع يتحول تدريجيًا إلى استنزاف، والشرعية الدولية لم تعد بالصلابة التي كانت عليها، والانقسامات الداخلية تتجاوز الخلاف السياسي لتقترب من أسئلة الهوية ومستقبل المشروع نفسه، بينما ترتفع كلفة الدعم بالنسبة إلى الحلفاء بصورة لم تكن مطروحة في مراحل سابقة.
لا يعني ذلك أن إسرائيل تقف على أعتاب الانهيار غداً، لكنه يطرح سؤالًا يستحق التوقف عنده: ماذا يحدث عندما تبدأ العناصر التي صنعت القوة في إنتاج الضعف؟ وهل تمثل التحولات الراهنة أزمة عابرة، أم أنها تعكس انتقالًا إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها مصادر التفوق نفسها جزءًا من معادلة الاستنزاف؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا يتتبع التحليل الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، بل يحاول قراءة العلاقة بين التحولات العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكيف يمكن لتفاعلها أن يعيد تشكيل البيئة التي ضمنت لإسرائيل الاستمرار طوال العقود الماضية.
هناك فارق جوهري بين الكيانات التي تنهار تحت ضغط الهزيمة، وتلك التي تبدأ في استنزاف نفسها من الداخل. فالهزيمة حدث، أما التآكل فهو مسار، وقد تنجح الدول في تجاوز الهزائم العسكرية أو الأزمات الاقتصادية، لكنها تجد صعوبة أكبر عندما تبدأ العناصر التي صنعت قوتها في فقدان وظيفتها، أو في إنتاج نتائج معاكسة لما صُممت من أجله، ولا يتعلق الأمر هنا بانهيار مفاجئ أو بزوال وشيك، بل بتحول تدريجي في طبيعة البيئة التي يعمل داخلها المشروع السياسي، فالأدوات التي كانت تمنح التفوق قد تتحول، مع تغير السياق، إلى مصادر كلفة واستنزاف، دون أن يتغير شكلها الظاهري، وهذا ما يحاول التحليل اختباره في الحالة الإسرائيلية.
فمنذ تأسيسها، لم يستند استمرار إسرائيل إلى التفوق العسكري وحده، ولا إلى الدعم الغربي وحده، بل إلى تفاعل مجموعة من المقومات التي عزز بعضها بعضًا. كانت الشرعية الدولية تمنح الغطاء السياسي، والتفوق العسكري يوفر الردع، والاقتصاد يجذب الاستثمار، بينما يحافظ التماسك الداخلي على قدرة المجتمع على تحمل كلفة الصراع، لذا فالسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت هذه المقومات لا تزال قائمة، بل ما إذا كانت تؤدي الوظيفة نفسها التي أدتها لعقود. فحين يبدأ كل عنصر في فقدان جزء من فعاليته، وحين تتزامن هذه التحولات في وقت واحد، يصبح من المشروع الحديث عن انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة استنزاف مقومات القوة ذاتها، ومن هنا، لا ينظر هذا التحليل إلى التطورات العسكرية أو السياسية أو الاجتماعية باعتبارها أزمات منفصلة، بل باعتبارها حلقات في مسار واحد، عنوانه الأبرز: هل بدأت إسرائيل تفقد تدريجيًا القدرة على إعادة إنتاج عناصر قوتها؟
لا تستطيع أي قوة أن تستمر اعتمادًا على قدراتها الذاتية وحدها، فالتفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي لضمان البقاء إذا فقد الغطاء السياسي، كما أن الاقتصاد لا يزدهر طويلًا في بيئة تتآكل فيها الشرعية وتتصاعد فيها كلفة الصراع. لهذا لم يكن العامل الحاسم في صعود إسرائيل امتلاك القوة فحسب، بل نجاحها في بناء بيئة دولية اعتبرت استمرارها مصلحة سياسية وأمنية وأخلاقية في آن واحد، هذه البيئة لم تتشكل بالصدفة. فقد قامت على سردية قدمت إسرائيل باعتبارها حليفًا استراتيجيًا للغرب، وديمقراطية محاطة بالتهديدات، وتجربة تستحق الحماية والدعم، ومع مرور الوقت، أصبحت هذه السردية أحد أهم أصولها الاستراتيجية؛ لأنها لم توفر التعاطف فقط، بل أنتجت شرعية سياسية، ومساعدات عسكرية، واستثمارات، وحماية دبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، لكن ما منح إسرائيل القوة لعقود لم يكن ثابتًا. فالسرديات السياسية، مثل موازين القوى، تخضع هي الأخرى لإعادة التقييم كلما تغيرت البيئة التي نشأت فيها، واليوم، يبدو أن التحول الأكثر أهمية لا يتعلق بتراجع الدعم الغربي في حد ذاته، بل بتغير الأساس الذي قام عليه هذا الدعم. فلم يعد الجدل في العواصم الغربية يدور حول حق إسرائيل في الوجود، وإنما حول كلفة استمرار الدعم بالشكل الذي كان قائمًا طوال العقود الماضية.
وهنا تحديدًا تبدأ أولى علامات التحول البنيوي لإسرائيل..
طوال عقود، مثلت إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة وعدد كبير من الدول الأوروبية أصلًا استراتيجيًا؛ حليفًا يعزز النفوذ الغربي في الشرق الأوسط ويوفر مكاسب تتجاوز كلفة دعمه. أما اليوم، فقد بدأت معادلة مختلفة في الظهور، لا لأن أهمية المنطقة تراجعت، بل لأن كلفة الارتباط غير المشروط بإسرائيل أصبحت أعلى سياسيًا ودبلوماسيًا، سواء على مستوى العلاقات مع الجنوب العالمي أو داخل المجتمعات الغربية نفسها، هذا التحول لا يعني انهيار التحالفات، لكنه يعني أن البيئة السياسية التي كانت توفر لإسرائيل دعمًا شبه تلقائي لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها. فكلما ارتفعت الكلفة، أصبح الدفاع عن السياسات الإسرائيلية يحتاج إلى مبررات أكبر، وهو ما ينعكس تدريجيًا على الخطاب السياسي، ثم على مواقف المؤسسات، ثم في النهاية على السياسات العامة، لهذا، فإن السؤال لم يعد: هل ما زال الغرب يدعم إسرائيل؟ بل أصبح: هل يستطيع الحفاظ على مستوى الدعم نفسه إذا استمرت الظروف الحالية، وهذا سؤال مختلف تمامًا.
لا تُقاس قوة الدول والجيوش بعدد ما تمتلكه من الأسلحة فقط، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على شرعية استخدام هذه القوة. فالشرعية ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل أصل استراتيجي يمنح الدول مساحة أوسع للتحرك، ويخفض كلفة قراراتها، ويضمن استمرار دعم حلفائها حتى في أوقات الأزمات، ولهذا، لم يكن التفوق الإسرائيلي طوال العقود الماضية نتاجًا للتفوق العسكري وحده، بل لوجود مظلة سياسية ومنظومة قيم متسقة ولو ظاهريا مع القيم الغربية جعلت معظم العواصم الغربية تنظر إلى أمن إسرائيل باعتباره جزءًا من أمنها ومصالحها الاستراتيجية، لكن الشرعية، بخلاف القوة العسكرية، لا تُخزن. فهي تُبنى ببطء، ويمكن أن تتآكل بالسرعة نفسها التي تتغير بها البيئة السياسية والرأي العام.
وهنا تحديدًا تبدو التحولات الراهنة أكثر أهمية من أي تطور عسكري، فالمشهد الدولي لم يعد يشهد تراجعًا في حجم التعاطف مع إسرائيل فحسب، بل تغيرًا في طبيعة الأسئلة المطروحة حولها. لعقود طويلة كان السؤال السائد هو: كيف يمكن حماية إسرائيل؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال في كثير من العواصم الغربية: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في تحمل كلفة هذا الدعم؟
قد يبدو الفارق بين السؤالين بسيطًا، لكنه في الواقع يعكس تحولًا عميقًا في طريقة النظر إلى إسرائيل نفسها؛ من قضية تحظى بإجماع سياسي واسع، إلى ملف يثير انقسامًا متزايدًا داخل البرلمانات والأحزاب ووسائل الإعلام وحتى الرأي العام، وهذه ليست مسألة رمزية، فكلما تراجعت الشرعية، ارتفعت الكلفة السياسية للدفاع عن السياسات الإسرائيلية، وأصبح على الحكومات الغربية أن توازن بين التزاماتها التقليدية والضغوط المتزايدة داخل مجتمعاتها.
ربما كانت السردية، وليس السلاح، هي أكثر أدوات إسرائيل فاعلية منذ تأسيسها، فقد نجحت لعقود في ترسيخ صورة تجمع بين ثلاثة عناصر: ضحية للتاريخ، وديمقراطية في منطقة مضطربة، وحليف لا غنى عنه للغرب، هذه الرواية لم تمنحها التعاطف فقط، بل وفرت لها مساحة واسعة لتبرير سياساتها وحشد التأييد لها في المحافل الدولية، لكن السرديات لا تعيش خارج الزمن. فهي تبقى ما دامت قادرة على تفسير الواقع وإقناع الجمهور، وعندما تتغير الوقائع أو تتغير طريقة تلقيها، تبدأ الرواية نفسها في فقدان قدرتها على التأثير، وهذا ما حدث خلال السنوات الأخيرة، فقد بنت إسرائيل على مدي التاريخ سرديتها القائمة على كونها “نموذج الديمقراطية المحاصرة” التي تعاني من “مظلومية تاريخية”، اليوم انهارت هذه السردية، وتحولت صورة إسرائيل في وعي الأجيال الشابة إلى “نظام فصل عنصري” واستعمار استيطاني، وبدا هذا التغير بوضوح في استطلاعات الرأي الحديثة الصادرة عن مراكز مثل مركز “بيو” Pew Research Center؛ وجالوب Gallup، والتي أشارت في مجملها إلى تحول صادم، حيث بات أكثر من 60% من الشباب في الولايات المتحدة (ضمن الفئة العمرية ١٨-٢٩ عاماً) ينظرون بسلبية تجاه إسرائيل، ويدعمون الحقوق الفلسطينية بشكل يتفوق لأول مرة في التاريخ الحديث على دعمهم للرواية الإسرائيلية، على الجانب الآخر لم تعد وسائل الإعلام التقليدية (الموالية لإسرائيل تاريخياً) قادرة على التحكم في التدفق الهائل للمعلومات والصور والفيديوهات على منصات مثل”تيك توك” و”انستجرام” ، والتي تفوقت فيها المشاهدات والمحتوى الداعم لفلسطين بنسبة 1 إلي 5 مقارنة بالمحتوى المؤيد لإسرائيل، وهكذا لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها هي التي تصوغ الرواية، ولم يعد تدفق المعلومات يمر عبر القنوات التي احتكرت تشكيل الرأي العام لعقود. لقد غيرت المنصات الرقمية قواعد اللعبة، وأصبح ملايين الأشخاص يشاهدون الأحداث مباشرة، ويقارنون الروايات المختلفة دون المرور بالمرشحات التقليدية، وللمرة الأولى، لم تعد إسرائيل تنافس خصومها في ساحة المعركة فقط، بل أصبحت تنافسهم أيضًا في معركة الرواية، وهذه معركة طبيعتها مختلفة؛ لأن خسارتها لا تُقاس بالأراضي أو بالخسائر العسكرية، بل بتآكل الرصيد السياسي والأخلاقي الذي اعتمدت عليه إسرائيل لعقود طويلة.
التحالفات الدولية ليست عقودًا أخلاقية، بل معادلات مصالح تتغير بتغير البيئة الاستراتيجية. فالدول لا تحافظ على تحالفاتها لأنها اعتادت عليها، وإنما لأنها ترى أن كلفة التخلي عنها أعلى من كلفة استمرارها، وبهذا المنطق، لم يكن الدعم الغربي لإسرائيل طوال العقود الماضية تعبيرًا عن التزام سياسي أو تاريخي فحسب، بل استثمارًا استراتيجيًا أيضًا. فقد مثلت إسرائيل بالنسبة إلى الغرب قاعدة متقدمة في منطقة مضطربة، وشريكًا أمنيًا واستخباراتيًا، ونقطة ارتكاز للمصالح الغربية في الشرق الأوسط.
لكن التحالفات لا تبقى بمنأى عن إعادة التقييم. فكلما ارتفعت كلفة الحليف، أو تراجعت قدرته على إنتاج المكاسب التي بررت دعمه، بدأت الأسئلة تظهر، ليس حول أهمية العلاقة، وإنما حول شكلها وحدودها، ومن هنا، لا تكمن أهمية التحولات الجارية في أوروبا والولايات المتحدة في احتمال تراجع الدعم، بل في أن السؤال نفسه تغير. فبعد أن كان النقاش يدور حول كيفية تعزيز أمن إسرائيل، أصبح يدور بصورة متزايدة حول الثمن السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الذي يترتب على استمرار هذا الدعم بالشكل التقليدي.
هذا التحول لا يعني أن الغرب يتخلى عن إسرائيل، لكنه يعني أن العلاقة لم تعد بمنأى عن حسابات الكلفة والعائد، وهي الحسابات التي ظلت لعقود طويلة شبه غائبة عن النقاش السياسي.
تكشف الأرقام أن التحول في الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل لم يعد مجرد تصريحات صحفية، بل تحول إلى سلوك مؤسسي بدا بوضوح في انقلاب الخطاب الرسمي، فقد كشفت دراسة إحصائية تحليلية فحصت نحو900 بيان رسمي صادر عن الاتحاد الأوروبي، أن نسبة البيانات المصنفة كـ “سلبية ونقدية حادة” تجاه السياسات الإسرائيلية قفزت من29% قبل أكتوبر 2023 لتصل إلى 46%، في حين انكمشت البيانات الإيجابية والدعم المطلق إلى8% فقط، حتى ألمانيا، التي تمثل تاريخياً الركيزة الصلبة لحماية الكيان في أوروبا، شهدت خطابات قياداتها تحولاً لافتاً؛ حيث صرح زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي “فريدريش ميرتز” بأن بعض الممارسات الإسرائيلية “لم يعد من الممكن تبريرها”، بينما يضغط البرلمان الأوروبي بقوة باتجاه حظر منتجات المستوطنات ومراجعة اتفاقية الشراكة التجارية.
قد يبدو تغير الموقف الأوروبي مرتبطًا بما يحدث في الشرق الأوسط، لكنه في جانب مهم منه يعكس ما يحدث داخل أوروبا نفسها، فالقارة التي تواجه تباطؤًا اقتصاديًا، وضغوطًا على منظومات الرفاه، وارتفاعًا في الإنفاق الدفاعي، وتحديات أمنية غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد تمتلك هامش الحركة ذاته الذي امتلكته في العقود السابقة. ومع تغير الأولويات، أصبحت الحكومات الأوروبية أكثر ميلًا إلى توجيه مواردها نحو أزماتها المباشرة، وأقل استعدادًا لتحمل كلفة ملفات خارجية تتزايد حساسيتها السياسية، لهذا، فإن التحول الأوروبي لا ينبغي تفسيره باعتباره تبدلًا مفاجئًا في المواقف، بقدر ما هو نتيجة لإعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط أزمات داخلية متراكمة، ومن هنا، فإن تراجع الحماس الأوروبي لا يرتبط فقط بما تفعله إسرائيل، بل أيضًا بما لم تعد أوروبا قادرة على تحمله.
أما في الولايات المتحدة، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فالتحالف مع إسرائيل لا يزال يمثل أحد ثوابت السياسة الأمريكية، لكنه لم يعد يحظى بدرجة الإجماع نفسها داخل المجتمع والنخب السياسية، خاصة بين الأجيال الأصغر سنًا وبعض قواعد الحزب الديمقراطي، ولا تعني هذه التحولات أن واشنطن بصدد تغيير جذري في سياستها، لكنها تشير إلى أن البيئة السياسية التي كانت توفر دعمًا شبه تلقائي لإسرائيل لم تعد مستقرة كما كانت في السابق، فكلما اتسعت الفجوة بين المواقف الرسمية واتجاهات الرأي العام، ازدادت كلفة الحفاظ على السياسات التقليدية، وازدادت الضغوط لإعادة تقييمها، فقد رُوّج للمساعدات الأمريكية لإسرائيل (التي بلغت قيمتها الثابتة 3.8 مليار دولار سنوياً بموجب مذكرة التفاهم لعشر سنوات) على أنها استثمار قليل التكلفة لتأمين مصالح واشنطن، ولكن الدعم لم يعد مقتصراً على إرسال السلاح، بل اضطرت الولايات المتحدة إلى تحريك حاملات طائرات، وغواصات نووية، ونشر أكثر من45000 جندي أمريكي في القواعد المحيطة بالمنطقة لتوفير مظلة حماية مباشرة للكيان. هذه العسكرة المباشرة رفعت كلفة العمليات الطارئة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بمعدلات استثنائية لم تكن مبرمجة في الميزانيات الاعتيادية، كما اضطرت واشنطن لسحب كميات هائلة من الذخائر الحيوية وقذائف المدفعية (خاصة عيار 155 ملم) من مخازنها في أوروبا وأمريكا لتلبية الاحتياجات الإسرائيلية المستمرة، وهو ما خلق أزمة داخل البنتاغون، حيث حذر قادة عسكريون من أن هذا الاستنزاف يؤثر مباشرة على جاهزية أمريكا لمواجهة قوى عظمى كبرى مثل الصين في المحيط الهادئ، والحديث هنا لا يتمركز حول أزمة مؤقتة.
لقد بدأت إسرائيل في خسارة الإجماع المشترك بين الحزبين، وتحولت إلى قضية خلافية داخلية داخل المجتمع الأمريكي، وهما تم رصده في:
يقول الخبير العسكري الإسرائيلي والجنرال المتقاعد إسحاق بريك (Yitzhak Brick) في مقالة له في صحيفة هآرتس: “لقد حاصرنا أنفسنا بوعود الردع التكنولوجي الواهمة، إسرائيل اليوم تواجه طوقاً من الجبهات المشتعلة والمتصلة التي ألغت مفهوم الحدود الآمنة، الجبهة الداخلية أصبحت هي الجبهة الرئيسية، والجيش ليس مستعداً ولا يملك القوة البشرية لخوض حرب استنزاف متعددة الجبهات على حدود سائلة لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي.”
الحقيقة أن هناك قاعدة راسخة في التاريخ العسكري تقول إن كل عقيدة تحقق نجاحًا طويلًا، تحمل في داخلها بذور أزمتها المقبلة، فما يمنح الجيوش أفضلية في مرحلة معينة قد يتحول، مع تغير طبيعة الصراع، إلى نقطة ضعف إذا استمرت في التعامل مع الواقع بالأدوات نفسها، ويبدو أن هذا ما تواجهه إسرائيل اليوم، فعلى مدى عقود، قامت استراتيجيتها الأمنية على فرضية بسيطة، وهي: نقل التهديد بعيدًا عن العمق الداخلي، لم يكن الهدف حماية الحدود بقدر ما كان منع الحرب من الوصول إلى المجتمع الإسرائيلي، ومن هنا تشكلت عقيدة الردع، والحسم السريع، والضربات الاستباقية، باعتبارها أدوات تمنح إسرائيل رفاهية خوض المعركة خارج حدودها، بينما يواصل المجتمع حياته بصورة طبيعية، لكن هذه المعادلة بدأت تتغير، ليس لأن إسرائيل فقدت تفوقها العسكري، بل لأن طبيعة الصراع نفسها تغيرت.
لسنوات طويلة، استفادت إسرائيل من غياب الحدود النهائية. فقد منحها ذلك هامشًا واسعًا للمناورة، وسمح لها بإعادة تشكيل الواقع الميداني كلما تغيرت موازين القوى. كانت الحدود المرنة جزءًا من فلسفة توسعها، وأحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية، ولكن ما وفر حرية الحركة بالأمس، أصبح اليوم يفرض عليها أعباءً متزايدة، فكل جبهة مفتوحة تعني موارد إضافية، واستعدادًا دائمًا، وحضورًا عسكريًا مستمرًا، وكلفة اقتصادية وأمنية متصاعدة. ومع اتساع نطاق التهديدات، لم تعد إسرائيل تواجه حدودًا متعددة فحسب، بل بيئة أمنية متشابكة، تتداخل فيها الجبهات البرية والبحرية والإقليمية بصورة لم تعد تسمح بالفصل التقليدي بينها، وهكذا، تحولت المرونة التي كانت تمنح إسرائيل حرية الحركة إلى عامل يضاعف التزاماتها الأمنية.
وللمرة الأولى منذ تأسيسها، لم يعد السؤال: كيف توسع إسرائيل مجالها الحيوي؟
بل: كيف تدير كل هذا المجال الحيوي دون أن يتحول إلى عبء دائم؟
ربما كان أهم ما تغير بعد السنوات الأخيرة أن الداخل الإسرائيلي لم يعد بمنأى عن الصراع، فقد تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية على افتراض أن الحرب يجب أن تُخاض خارج المدن الإسرائيلية، وأن المجتمع يجب أن يبقى بعيدًا عن الاستنزاف المباشر. غير أن التطورات العسكرية الأخيرة أضعفت هذا الافتراض بصورة غير مسبوقة، فالصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، واتساع نطاق الفاعلين غير الدوليين، كلها عوامل قلصت الفاصل التقليدي بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية. وأصبح المجتمع الإسرائيلي يعيش، بدرجات متفاوتة، آثار الصراع الذي كان يُفترض أن يبقى بعيدًا عنه، ولا يتعلق الأمر هنا بحجم الخسائر فقط، بل بتغير طبيعة الشعور بالأمن، فالردع لا يقاس بعدد الصواريخ التي يتم اعتراضها، وإنما بقدرة المجتمع على الشعور بأن حياته الطبيعية يمكن أن تستمر رغم وجود التهديد، وتلك هي المعضلة، وقد حاولت إسرائيل مواجهة هذه السيولة الأمنية ببناء أضخم منظومة جدران إسمنتية وإلكترونية في التاريخ الحديث (على حدود غزة، الضفة الغربية، حدود مصر، وحدود لبنان)، هذه الجدران تحولت من أداة حماية إلى “مأزق استراتيجي”، تضمن:
إذا كانت الضغوط الخارجية تمثل اختبارًا لقدرة أي كيان على الصمود، فإن الاختبار الأصعب يبقى دائمًا في الداخل. فالتاريخ لا يخبرنا أن القوى تنهار عندما تواجه خصومًا أقوياء، بل عندما تصبح أقل قدرة على إدارة تناقضاتها الداخلية، ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتعلق فقط بما تواجهه إسرائيل خارج حدودها، بل بما يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، فالقوة العسكرية يمكن تعويضها، والتحالفات قد تتغير ثم تعود، أما إذا بدأ العقد الاجتماعي الذي يربط المجتمع بالدولة في التآكل، فإن إعادة بنائه تصبح أكثر تعقيدًا من إعادة بناء أي منظومة عسكرية، وفيما يلي بعض من هذه المعضلات الداخلية:
وهذا تحول نوعي، فالخلافات السياسية يمكن احتواؤها عبر الانتخابات، أما الخلافات حول هوية المشروع فتكون أكثر عمقًا وأطول عمرًا.
لقد قامت الصهيونية على جذب يهود العالم عبر وعود البيئة الحاضنة الآمنة المستقرة التي تمنح لهم فرصا لن يحصلوا عليها في مجتمعاتهم الأصلية، إلا إن واقع الحياة داخل إسرائيل في الوقت الراهن “ينقض هذه الوعود”، ويشير إلى انهيار هذا “العقد النفسي التأسيسي”، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، في تصنيف مؤشر السلام العالمي لعام 2026، هبطت إسرائيل لتصبح في المرتبة 159 عالمياً من أصل 163 دولة شملها المؤشر، هذا التصنيف يضع إسرائيل ضمن القائمة الحمراء (الخمس دول الأقل سلاماً وأماناً في العالم بأسره)، ناهيك عن التراجع الهائل في معدلات الشعور بالأمن لدى الإسرائيليين، يليه الانقسامات الداخلية التي خلفت حالة من الإحتقان، وربما يكون أخطر ما تكشفه التحولات الداخلية ليس الانقسام في حد ذاته، بل تراجع الثقة: الثقة بين المواطن والمؤسسات، والثقة بين مكونات المجتمع، والثقة في قدرة الكيان على إدارة الأزمات كما كان يفعل في السابق، وهذه مؤشرات يصعب قياسها بالأرقام، لكنها كثيرًا ما تسبق التحولات الكبرى، فالدول لا تدخل مراحلها الحرجة عندما تختلف مكوناتها، بل عندما يبدأ كل طرف في التشكيك في قدرة المنظومة نفسها على تمثيله أو حمايته.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمر المجتمع الإسرائيلي بانقسام؟ فهذا أمر معروف وتم التطرق له مرارا وتكرارا.
السؤال هو: هل ما زالت المؤسسات تمتلك القدرة على احتواء هذه الانقسامات، أم أنها أصبحت جزءًا منها؟
الأزمات الاقتصادية ليست دائمًا نقطة البداية، بل كثيرًا ما تكون النتيجة الأخيرة لتحولات بدأت في السياسة، ثم انتقلت إلى الأمن، قبل أن تنعكس في النهاية على الاقتصاد، ولهذا، لا يمكن فهم المؤشرات الاقتصادية الإسرائيلية بمعزل عن السياق الذي سبقها، فالاقتصاد لا يعمل في فراغ، بل يستجيب لمستوى الثقة، والاستقرار، وقدرة الدولة على إدارة المخاطر. وكلما ازدادت حالة عدم اليقين، ارتفعت كلفة التمويل، وتراجعت الاستثمارات، وأصبح الحفاظ على معدلات النمو أكثر صعوبة، ولهذا، فإن السؤال الاقتصادي لا يتعلق بما إذا كان الاقتصاد الإسرائيلي لا يزال قويًا، بل بما إذا كان قادرًا على الاستمرار في إنتاج المستوى نفسه من القوة تحت ضغوط أمنية وسياسية متصاعدة.
لقد عرف الاقتصاد الإسرائيلي تاريخيًا بقدرته على التعافي السريع من الأزمات، مستفيدًا من قطاع تكنولوجي متطور، وتدفقات استثمارية كبيرة، ودعم خارجي مستقر، لكن استمرار الضغوط الأمنية لفترات طويلة يفرض معادلة مختلفة، فكل يوم إضافي من الاستنزاف يعني إنفاقًا دفاعيًا أعلى، وضغوطًا أكبر على المالية العامة، وارتفاعًا في كلفة الاقتراض، وتراجعًا في شهية المستثمرين للمخاطرة، وهنا لا تكمن المشكلة في وقوع هذه الضغوط، بل في استمرارها، فالاقتصادات تستطيع تحمل الصدمات المؤقتة، لكنها تواجه تحديًا أكبر عندما تتحول الصدمة إلى حالة دائمة.
فرأس المال لا يبحث فقط عن الربح، بل يبحث عن القدرة على التنبؤ، وحين تصبح البيئة السياسية والأمنية أكثر تقلبًا، يبدأ المستثمر في إعادة حساباته، حتى لو ظل الاقتصاد يحتفظ بمؤشرات كلية قوية، ولهذا، فإن تراجع بعض الاستثمارات، أو انتقال جزء من الشركات، أو ارتفاع كلفة التمويل، لا ينبغي قراءته بوصفه أزمة مالية مستقلة، بل باعتباره انعكاسًا لتحول أعمق في مستوى الثقة بالمستقبل، وفي الاقتصادات القائمة على الابتكار، تصبح الثقة أصلًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن رأس المال نفسه.
ونختتم بسؤال البداية
لا يقدم هذا التحليل إجابة قاطعة، لأن التاريخ لا يُكتب باليقين، ولا تتحرك الدول وفق مسارات حتمية، لكن المؤشرات التي جرى استعراضها تكشف أن إسرائيل تواجه نمطًا مختلفًا من التحديات، فالمسألة لم تعد تتعلق بحجم التهديدات الخارجية وحدها، بل بقدرة المنظومة الإسرائيلية على إعادة إنتاج الشروط التي ضمنت لها التفوق والاستمرار طوال العقود الماضية، فإذا كان الدعم الدولي يواجه ضغوطًا متزايدة، وإذا أصبح الحفاظ على التفوق العسكري أكثر كلفة، وإذا تعمقت الانقسامات الداخلية، وارتفعت حساسية الاقتصاد تجاه البيئة الأمنية، فإن السؤال لم يعد يتعلق بوجود كل أزمة على حدة، بل بطريقة تفاعلها معًا.
وهنا تكمن الفكرة الرئيسية لهذا التحليل.
المشكلة ليست في أن إسرائيل تواجه أزمات متعددة، فقد واجهت أزمات أكبر في مراحل سابقة ونجحت في تجاوزها، المشكلة أن هذه الأزمات متزامنة، وتضرب في توقيت واحد المقومات التي صنعت تفوقها واستمرارها منذ تأسيسها، ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل إسرائيل خلال السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت ستتمدد وتنتصر أم ستستمر، بل ما إذا كانت ستنجح في إعادة إنتاج عناصر قوتها قبل أن تتحول عناصر القوة نفسها إلى مصادر استنزاف دائم.
تعليقات