ثمة أشباح تحكم من وراء ستار، وثمة قادة تتحول أسماؤهم إلى توقيع يُختم به على قرارات لا يُعرف من صاغها في الحقيقة، هذا بالضبط ما آل إليه المشهد الإيراني منذ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير 2026 خلال الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على طهران، وتنصيب نجله مجتبى خامنئي خلفاً له بعد أسبوع واحد فقط، فمنذ لحظة توليه المنصب وحتى اليوم، لم يظهر مجتبى خامنئي مرة واحدة بالصوت والصورة في بث يمكن التحقق منه بشكل مستقل؛ بل اكتفى بسلسلة من البيانات المكتوبة التي تُقرأ نيابة عنه أو تُنسب إليه.
هذا الغياب، الذي تجاوز أربعة أشهر كاملة، ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل عرَض لمرض أعمق يصيب بنية السلطة نفسها، والسؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس فقط "هل هو حي أم ميت؟" - فهذا سؤال ثنائي مضلِّل في بساطته - بل سؤال أوسع: من يملك، فعلياً، حق الكلام باسم إيران اليوم؟ ولماذا أفضت أزمة شخص واحد إلى كشف هشاشة نظام بأكمله؟ الإجابة، كما سيتضح، لا تكمن في صورة واحدة حاسمة أو تسريب واحد قاطع، بل في تراكم مؤشرات غير مباشرة تشير جميعها، حين تُقرأ معاً، إلى اتجاه واحد أرجح من غيره.
وقد زاد المشهد اشتعالاً حين صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الموافق 13 يوليو 2026، بأنه "يرجّح بنسبة 90%" مقتل مجتبى خامنئي، في تصريح لم يسنده بدليل واحد، وجاء في خضم تصعيد عسكري متجدد وتهديدات أمريكية بالسيطرة على مضيق هرمز، إلا إن هذا التصريح، كما سأناقش لاحقاً، لا ينبغي أن يُقرأ كخبر يقيني، بل كموقف سياسي يستحق تفكيكاً حذراً، وليس تصديقاً مطلقاً.
في اليوم الأول من الحرب، لم يكن مجمع سكن خامنئي مجرد هدف عسكري، بل كان قلب النظام الإيراني نفسه، حيث ألقت الطائرات الإسرائيلية عشرات القنابل عليه في وضح النهار، فحصدت في لحظة واحدة أربعة من أقرب الناس إلى مجتبى: والده علي خامنئي، ووالدته منصورة خوجسته باغرزاده، وزوجته زهرة حداد عادل، وأحد أبنائه، نجا مجتبى، بحسب روايات لم تُنسب لمصدر واضح، بعدما غادر الموقع قبل دقائق من سقوط القنابل، بعد أسبوع، أعلن التلفزيون الإيراني انتخابه مرشداً أعلى في خطوة استثنائية السرعة، أُريد بها سدّ فراغ السلطة قبل أن يتسع ، لكنها، كما سنرى، لم تُغلق الفراغ بقدر ما نقلته من قمة الهرم إلى قاعدته.
الرواية القائلة بأن مجتبى حي، وإن كان مصاباً، ليست رواية واحدة متماسكة بقدر ما هي حزمة من التسريبات المتقاطعة التي تصب جميعها في الاتجاه نفسه دون أن تتحد في مصدر واحد موثوق، فترامب نفسه رجّح في مارس أنه “حي ومصاب”، وتحدثت مصادر أمريكية عن كسر في القدم وحروق في الوجه والجذع، بينما وصفه مسؤول إيراني بأن إصابته “طفيفة” وأنه يواصل عمله بشكل طبيعي، وهذا التفاوت الحاد في وصف نفس الإصابة، من “طفيفة” إلى حروق بالغة في أربعة مواضع من الجسد، هو بحد ذاته مؤشر أول على أن أحداً من هذه المصادر لا يملك معرفة مباشرة موثوقة، وأن ما يصلنا هو تخمينات مصاغة بلغة اليقين.
الأمر عينه ينطبق على البيانات المكتوبة الصادرة باسمه – من التعهد بإغلاق مضيق هرمز إلى التلويح بالثأر لمقتل والده – فهذه البيانات تثبت أن هناك جهة تتحدث باسم مجتبى، لا أن مجتبى نفسه هو من يتحدث، والفارق بين الأمرين هو بالضبط جوهر هذا التحقيق، حتى مراسم تشييع والده التي كانت الاختبار الحاسم لحسم الجدل، لم تحسم شيئاً، وانتشرت مقاطع فيديو زُعم أنها تُظهر مجتبى خامنئي متخفياً وسط الحشود المشيّعة، قبل أن يظهر رجل الدين رضا موسوي واعظ ليؤكد أنه هو الشخص الذي بدا في تلك اللقطات فعلاً، نافياً أن يكون مجتبى خامنئي، وفي الوقت نفسه، راجت مقاطع أخرى منفصلة، هذه المرة مولّدة بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تزعم أيضاً إظهاره حياً وسط الجمهور، أي أن الجدل حول جنازة والده لم يُنتج دليلاً واحداً صادقاً، بل ثلاث روايات متضاربة في آن واحد: مقطع حقيقي تبيّن أنه لشخص آخر، ومقطع مصطنع بالكامل، وغياب فعلي موثّق لمجتبى نفسه، ولعل هذا التزاحم من الادعاءات المتضاربة والمزيفة ليس دليلاً على وجوده، بل دليل على فراغ معلوماتي يسارع كل طرف لملئه بروايته الخاصة.
ما يستحق التوقف عنده أكثر من أي تفصيل بعينه هو أن الموقف الأمريكي نفسه – وهو الذي يفترض أنه الطرف الأكثر امتلاكا لمعلومات استخبارية دقيقة – لم يكن ثابتاً على مدى الأشهر الأربعة، وبدا متخبطاً هو الآخر: من “حي ومصاب” في مارس، إلى “شبه مقتول” في يوليو، دون أي دليل جديد يفسّر هذا الانقلاب الكامل في التقدير، تذبذب بهذا الحجم، من الجهة الأكثر ادعاءً بالمعرفة، لا يوحي بتحديث معلوماتي تدريجي بقدر ما يوحي باستخدام سياسي متكرر لحالة عدم اليقين نفسها كأداة ضغط تُشحذ كلما احتاجتها المفاوضات مع طهران.
في المقابل، تتراكم مؤشرات تدفع باتجاه معاكس تماماً، تقارير استخبارية أمريكية-إسرائيلية مشتركة تحدثت في أبريل عن أنه “غائب عن الوعي” ويُعالج من حالة خطيرة في مدينة قم – وهو وصف يتجاوز مجرد “الإصابة” إلى حالة عجز كامل عن ممارسة أي دور فعلي، بصرف النظر عن كونه حياً من الناحية البيولوجية البحتة أم لا. وهذا التمييز مهم: فالسؤال الأدق ليس فقط “هل قلبه ما زال ينبض؟” بل “هل هناك إنسان قادر على الحكم فعلاً خلف هذا الاسم؟” – وهما سؤالان مختلفان تماماً قد تكون إجابتهما معاً “لا”.
الأمر الأكثر دلالة، من وجهة نظري، ليس أياً من هذه التسريبات المتفرقة، بل غيابه عن مراسم تشييع والده تحديداً، فهذه لم تكن مناسبة عابرة يمكن التغيب عنها بذريعة أمنية بسيطة، بل كانت الفرصة السياسية الوحيدة والأخيرة القابلة للمقارنة لترسيخ شرعيته أمام شعب بأكمله يبحث عن قائد يواسيه ويقوده في لحظة انهيار جماعي، أن يفوّت مرشد جديد، حديث العهد بالسلطة، مثل هذه الفرصة، ليس قراراً أمنياً عادياً، لأن الأمن نفسه كان يمكن تحقيقه بصيغ أقل تطرفاً من الغياب التام: موقع محصّن، ظهور مقتضب، حتى تسجيل مسبق. الغياب الكامل، لا الجزئي، هو ما يستدعي التساؤل.
وهنا أصل إلى ما أعتبره أقوى مؤشر في هذا الملف بأكمله، وهو أمر لم يُعطَ حقه الكافي في أغلب التغطيات: أن مجتبى خامنئي، منذ توليه المنصب، لم يوجّه ولو مرة واحدة خطاباً صوتياً مباشراً للشعب الإيراني، رغم أن اللحظة – بلد خرج للتو من حرب مدمّرة فقد فيها قائده الأعلى وعدداً من كبار قادته دفعة واحدة – كانت تستدعي هذا النوع من الخطاب بإلحاح استثنائي، خطاب “لمّ الشمل” ليس رفاهية بروتوكولية في مثل هذه اللحظات، بل أداة حكم جوهرية لا يمكن لأي نظام، مهما كانت طبيعته، أن يستغني عنها دون ثمن سياسي باهظ.
والحجة الأمنية، التي تُساق عادة لتبرير هذا الغياب، تنهار أمام تفصيل تقني بسيط: تسجيل رسالة صوتية، أو حتى مصوّرة، من موقع آمن غير معلن، لا يتطلب ظهوراً علنياً معرَّضاً للاستهداف، الاحتياطات الأمنية تفسّر منطقياً غياب “الجسد” عن الأنظار، لكنها لا تفسّر – إلا بصعوبة بالغة – غياب “الصوت” بالكامل.
وهنا يتفرع الاستنتاج إلى ما أراه المحصّلة المنطقية الحتمية لهذا الغياب: إذا كان مجتبى خامنئي مريضاً – لا ميتاً – فما الذي يمنع فريقه من تسجيل رسالة صوتية قصيرة منه، ولو بضع كلمات مرتجفة من فراش المرض، لحسم الجدل وطمأنة جمهور بأكمله؟ لا شيء يمنع ذلك تقنياً أو أمنياً، سوى احتمال واحد: أنه غير قادر أصلاً على الكلام، أي أنه فاقد للوعي أو في حالة عجز تام تجعله غير قابل للتواصل معه من الأساس. وهنا تكمن نقطة الانعطاف الحقيقية في هذا التحقيق: فمجتبى، كما تأكد من طبيعة البيانات الصادرة باسمه، لا يكتب خطاباته بنفسه في العادة، ولا يقرأها بصوته، بل يوقّع عليها أو يوافق على مضمونها فحسب، فإذا كان حتى هذا الحد الأدنى من التواصل – إبداء الرأي، الموافقة على نص، إجازة تسجيل صوتي – غير متاح لفريقه طوال خمسة أشهر متتالية، فإن ذلك يعني عملياً أن أحداً لا يستطيع الوصول إليه، لا استشارته، ولا حتى أخذ موافقته الصامتة على كلمة واحدة، وهذا، من الناحية العملية والسياسية على حد سواء، لا يختلف كثيراً عن كونه ميتاً: فالفارق بين “ميت” و”حي لكن غير قابل للتواصل معه في المطلق” هو فارق طبي بحت لا يمس جوهر الأزمة السياسية، لأن النظام في الحالتين يُدار دون مرشد فعلي، ويتحدث باسم شخص لا يستطيع هو نفسه أن يتحدث. بعبارة أخرى: إما أنه توفي فعلاً، أو أنه في غيبوبة أو عجز يعادل الموت وظيفياً ولو كان مؤقتاً من الناحية الطبية البحتة – وكلا الاحتمالين يفضي إلى النتيجة السياسية نفسها: مرشد لا صوت له ولا رأي، في نظام يحتاج، بحكم بنيته، إلى صوت ورأي في كل قرار مصيري.
ومع ذلك، استمر الاعتماد الحصري على النص المكتوب حتى في أشد المناسبات إنسانية وسياسية حساسية: لم يظهر في تأبين زوجته وابنه، ولم يظهر في جنازة والده، ولم يصدر عنه، حتى في أوج أزمة الثأر لدم أبيه، أكثر من كلمات يقرأها آخرون، خمسة أشهر من الصمت المطلق، في بلد اعتاد أبناؤه على مخاطبة دورية ومباشرة من مرشدهم، ليست فجوة تملؤها تبريرات أمنية جزئية، بل دليل بنيوي على أن الشخص الذي يُفترض أن يملأها غير موجود – سواء بمعنى الموت الفعلي، أو بمعنى الغياب التام عن القدرة على التواصل، وهو ما يُنتج، سياسياً، النتيجة عينها.
الخيط الأخير، وربما الأكثر إفصاحاً عن طبيعة الأزمة الحقيقية، لا يتعلق بمجتبى نفسه، بل بما يحيط به، فما تكشفه التقارير عن المشهد الإيراني الداخلي اليوم هو نظام يتصدّع من مركزه: نائب الرئيس للشؤون التنفيذية أقر صراحة بأن رأي المرشد الجديد “لم يعد الكلمة الفصل وحده”، بل بات يُناقش داخل مؤسسات الدولة، وهو اعتراف ما كان يمكن تصوره في عهد علي خامنئي، حيث كانت كلمة المرشد فوق كل نقاش، تتحدث تقارير أخرى عن أن السلطة الفعلية باتت بيد مجلس مصغّر يقوده الحرس الثوري، وذهب عضو في مجلس الشورى الإيراني نفسه إلى الحديث علناً عن “انقلاب سياسي ناعم” يجري ضد قيادة مجتبى – وهذا ليس تسريباً من صحيفة أجنبية، بل اعتراف من داخل مؤسسات النظام بأن الخلاف لم يعد نظرياً.
هذا التصدّع له تفسير بنيوي واضح: الضربة الأولى للحرب لم تغتل مجتبى ووالده فحسب، بل اغتالت في اليوم نفسه أميناً لمجلس الدفاع، ورئيساً لمجلس الأمن القومي، وقائداً للحرس الثوري، أي أن الهرم بأكمله، لا قمته وحدها، فُرغ من شاغليه التاريخيين في يوم واحد، وهذا يقودني إلى ما أعتبره الاستنتاج الأهم في هذا الملف: بصرف النظر عن الإجابة النهائية لسؤال “هل مجتبى حي؟”، فإن السلطة في طهران لم تعد، عملياً، محتكرة من فرد واحد، فحتى لو كان حياً وبصحة جيدة نسبياً، فإن استمرار غيابه عن الظهور والخطاب المباشر يترك فراغاً تملأه أجنحة متصارعة، وهذا الفراغ نفسه هو ما يفسّر لماذا تحوّلت مسألة مصيره الشخصي إلى سؤال مصيري بالنسبة لمستقبل النظام بأكمله، لا مجرد فضول إعلامي حول شخص غائب.
حين أزن هذه الخيوط مجتمعة، تناقض الروايات حول إصابته، تذبذب الموقف الأمريكي نفسه، غيابه المطلق عن كل مناسبة كانت تستدعي ظهوره، واستحالة تفسير غياب صوته بالأمن وحده وصولاً إلى ما يشبه الاستحالة المنطقية لتصور “مريض لا يُستشار ولا يُسمع رأيه”، والانقسامات المعترف بها علناً داخل مؤسسات النظام، أخلص إلى أن الأدلة، حتى مطلع يوليو، كانت تميل نحو أنه حي بيولوجياً على الأرجح، لكنه في حالة عجز أو غيبوبة تجعله، من الناحية الوظيفية والسياسية، أقرب إلى الغياب التام منه إلى القيادة الفعلية، وهو ما يمكن وصفه بأنه “شبه ميت مؤقتاً”، لا حياً بمعنى القدرة على الفعل والكلام والقرار.
غير أن تصريح ترامب في 13 يوليو أدخل متغيراً لا يمكن تجاهله: فهو أول موقف أمريكي رسمي رفيع المستوى يميل بوضوح نحو فرضية الوفاة الفعلية، لا مجرد العجز، بعد أشهر من الترجيح العكسي. وحتى إذا تعاملنا مع هذا التصريح بالحذر اللازم – لأنه غير مسنود بدليل مستقل، ووُلد في سياق تفاوضي وضاغط بامتياز، فإن مجرد صدوره، مقروناً بغياب مجتبى الكامل عن جنازة والده وعن أي خطاب مباشر منذ خمسة أشهر، وباستحالة تفسير هذا الصمت بأي عذر طبي أو أمني معقول، وبالانقسامات المتصاعدة داخل طهران، يكفي لترجيح كفة الشك في وفاته الفعلية أكثر مما كانت عليه قبل أسابيع قليلة، دون أن يبلغ ذلك درجة اليقين.
الحكم الأكثر أمانة، إذن، ليس “هو حي” ولا “هو ميت”، بل أن هذا الملف انتقل من مرحلة “الأرجح أنه حي مصاب” إلى مرحلة أدق وأكثر قتامة: “شبه غائب وظيفياً بصرف النظر عن نبضه”، مع ميل متصاعد نحو ترجيح أن هذا الغياب الوظيفي ليس سوى مقدمة إعلامية مؤجلة لإعلان وفاة فعلية لم تُحسم بعد. وهذا الغموض، على الأرجح، لن يُحسم قريباً، طالما بقيت مصلحة طهران وواشنطن معاً في إبقائه قائماً، كل لأسبابه الخاصة: فالنظام الإيراني يستفيد من استمرار “الوجود الافتراضي” لمرشد شرعي، بصرف النظر عن حقيقته؛ والإدارة الأمريكية تستفيد من استخدام هذا الغموض ورقة ضغط تفاوضية متجددة. وبين هاتين المصلحتين المتقاطعتين، يبقى مجتبى خامنئي، حياً كان أم ميتاً أم في مكان بينهما لا اسم واضح له، أسير سردية لا يملك، هو نفسه، ناصية الكلام فيها.
ممتاز معالي الدكتورة . تحليل متقن . ورؤية ثاقبة