كتب بواسطة

دائماً ما تظل التوقعات السياسية محل شك، حتى تضعها الأحداث على محك الاختبار الحقيقي. في سلسلة “هل كانوا على صواب؟”، نأخذكم في رحلة عكسية؛ نبحث في أوراق الماضي لنقرأ ما تنبأ به المحللون، ثم نصطدم بواقع الحاضر لنكتشف الحقيقة المجردة. واليوم، نضع الخبير “فالي نصر” (Vali Nasr) تحت مجهر تحليلي دقيق، لنقيّم الإطار النظري لكتابه “صحوة الشيعة” (The Shia Revival) في ضوء التراجع الاستراتيجي لإيران ومحورها بعد الضربات الأخيرة.

المحلل ومنهجيته

فالي نصر عالِمُ سياسةٍ أمريكيٌّ من أصلٍ إيرانيٍّ يتمتّع بمكانةٍ رفيعة؛ يحمل الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، وتولّى عمادة كلية الدراسات الدولية المتقدّمة (SAIS) بجامعة جونز هوبكنز، وعمل مستشاراً للسفير ريتشارد هولبروك في ملفّ أفغانستان وباكستان بين عامَي 2009 و2011. ووسِمَته التحليلية أنه يتعامل مع الهوية الدينية لا بوصفها تديّناً خاصاً، بل باعتبارها محرّكاً بنيوياً لسلوك الدول. وفي «صحوة الشيعة» رأى أن الانقسام العقائديّ بين السنّة والشيعة، لا أيّ صدامٍ حضاريٍّ مع الغرب، هو المتغيّر الأمّ الذي يُملي التحالفات والصراعات وموازين القوى في الشرق الأوسط.

الأطروحة الأساسية

لم يكن الكتاب سرداً تاريخياً بقدر ما كان مخطّطاً تنبّؤياً. جوهر أطروحته أن سقوط صدّام حسين عام 2003 حطّم النظام العربيَّ ذا الطابع السنّيِّ وأطلق «صحوةً شيعيةً» تاريخية. ومن هذا استشرف نصر «هلالاً شيعياً» متّصلاً يمتدّ من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان، تتصدّره إيران قائداً طبيعياً ومستفيداً أوّل، وتوقّع أن تنظر الممالك السنّية، وفي مقدّمتها السعودية، إلى هذا الصعود بوصفه تهديداً وجودياً. والأهمّ، وهو الافتراض المحوريّ لحكمنا، أنه أطّر الصحوة باعتبارها إعادة توازنٍ جوهرية: خطّية، ذاتية الاستدامة، ودائمة فعلياً.

أولاً: ما توقعه نصر وحدث بالفعل؟

تشخيص الحالة بدقّة: أدرك نصر، قبل معظم صنّاع القرار الغربيين، أن إزاحة نظام صدّام ذي الأقلية السنّية لن تُنتج ديمقراطيةً ليبرالية، بل ستُمكّن الأغلبية الشيعية وتُميل ميزان المنطقة، وهو ما تحقّق حرفياً في بغداد.

 

صمود مخطّط التمدّد الإيراني صمد: قبل أن يشيع مصطلح «محور المقاومة»، توقّع أن تستثمر إيران انهيار الدول العربية لبناء شبكة وكلاء عابرة للحدود؛ فقوات «الحشد الشعبي» في العراق، التي أُدمجت قانونياً في الدولة عام 2016، وحزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، رسمت جميعها الخريطة التي خطّها.

 

نجاح تفسير الإطار المذهبيّ لحقبة الزمنية التالية: فمن نحو 2006 إلى 2017، وُظِّفت الهوية فعلاً لمكاسب جيوسياسية في حربَي العراق وسوريا بالوكالة، وقرأت العواصم السنّية الصعود الشيعيَّ خطراً وجودياً، تماماً كما تنبّأ.

ثانياً: مسارات خالفت التوقعات

الحرب المذهبية انتهت لصالح المُقاربات البراغماتية: توقّع نصر أن تبقى المواجهة المذهبية المنطقَ الناظمَ الدائم للمنطقة، لكن في مارس 2023 استعادت السعودية وإيران علاقاتهما في تقاربٍ برعايةٍ صينية، وحين تعرّضت إيران لهجومٍ مباشر عامَي 2025 و2026 اختارت دول الخليج حياداً صارماً، رافضةً فتح مجالها الجوي، بدلاً من أيّ حملةٍ مذهبية؛ فالبقاء الاقتصاديُّ، لا العقيدة، هو ما حكم خياراتها.

 

التراجع جاء بقطع الرأس لا بالتآكل: افترضت الأطروحة أن القوة الشيعية، متى صعدت، ستترسّخ، لكنّ ما عكسها فعلاً قوةٌ تقليدية مركّزة ومفاجئة: اختراقُ سبتمبر 2024 وتفكيكُ قيادة حزب الله، واغتيالُ حسن نصر الله، وتدميرُ دفاعات إيران الجوية وإنتاجها الصاروخي، وهو نمطُ انهيارٍ لم يخطر للإطار قطّ.

ثالثاً: فرضيات لم تتحقق

المسار كان مشروطاً لا دائماً: أعمقُ نقاط ضعف الصحوة هو الافتراض المغروس فيها بأنّ صعودها ذاتيُّ الاستدامة؛ والحقّ أنها اعتمدت على بيئةٍ مواتية: تردّدٌ أمريكيٌّ، ودولٌ جارة ضعيفة، ولوجستياتٌ سليمة. وحين تبخّرت تلك البيئة، انكمش المحور بسرعةٍ مذهلة، بلغت ذروتها في «حرب الاثني عشر يوماً» في يونيو 2025 على النواة النووية والعسكرية لإيران، ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في فبراير 2026.

 

الكتلة الشيعية لم تكن يوماً متجانسة: لم يفرق النموذج بين الشيعة واعتبرتهم عنصرًا واحدًا بغض النظر عن أي شيء أخر، وهو ما كان ينبغي التمييز ؛ فاحتجاجات «تشرين» في العراق عام 2019، حيث تمرّد شبابٌ شيعة على النفوذ الإيراني، وصراع مقتدى الصدر الضاري مع «الإطار التنسيقي» الموالي لإيران، أظهرا أن القومية والتمايز العربيَّ–الفارسيَّ يتجاوزان مراراً التضامن الدينيَّ.

 

الهلال كان قائماً على مفصلٍ واحد: افترض النموذج جسراً برّياً متّصلاً، لكنه لم يسأل قطّ عمّا يحدث إذا سقط مفصله؛ وحين انهار نظام الأسد في سوريا أمام فصائل سنّية في ديسمبر 2024، انقطع التواصل الجغرافيُّ للهلال نهائياً، فعُزِل حزب الله وحُوصِرت إيران داخل حدودها.

الخلاصة

هل كان نصر على صواب؟ في بنية جيلٍ كامل: نعم إلى حدٍّ بعيد؛ وفي مصيرها: لا. فقد سمّى بدقّة محرّك الحقبة، أي التعبئة المذهبية التي أشعلتها حرب العراق، ورسم تمدّد إيران بالوكلاء بتببؤ صحيح، لكنّ خطأه أنه خلط بين طورٍ انتهازيٍّ مرهونٍ بالبيئة وقانونٍ تاريخيٍّ لا رجعة فيه؛ فالصحوة التي وصفها كانت حقيقية، لكنها كانت لحظةً تتّكئ على مُحركات خارجية، لا إعادة توازنٍ دائمة.

 

وهذا التمييز هو الدرس؛ فالهوية قادرةٌ على تجنيد الميليشيات، لكنها عاجزةٌ عن اعتراض الصواريخ الباليستية أو إبقاء اقتصادٍ تحت الحصار حيّاً. إن النموذج التنبّؤيَّ الرصين لا بدّ أن يفصل بين المحرّك البنيويِّ ومساره، وبين شرطٍ عارضٍ وقاعدةٍ ثابتة، لأنّ الصعود «الدائم» أثبت لحظةَ تبدّلت البيئة الأمنية قابليةً لافتةً للانعكاس. لقد شخّص نصر علّة عصرٍ بدقّة، لكنه افترض ببساطةٍ أنها مُستمرة، فإذا بها طورٌ عابر.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *