كتب بواسطة

دائماً ما تظل التوقعات السياسية محل شك، حتى تضعها الأحداث على محك الاختبار الحقيقي. في سلسلة "هل كانوا على صواب؟"، نأخذكم في رحلة عكسية؛ نبحث في أوراق الماضي لنقرأ ما تنبأ به المحللون، ثم نصطدم بواقع الحاضر لنكتشف الحقيقة المجردة. واليوم، نضع الخبير الاستراتيجي "زبيغنيو بريجنسكي" (Zbigniew Brzezinski) تحت مجهر تحليلي دقيق، لنقيّم الإطار النظري لكتابه الأهم "رقعة الشطرنج الكبرى" (The Grand Chessboard) في ضوء المعطيات الميدانية والسياسية والجيواستراتيجية للحرب الروسية-الأوكرانية، والتي أعادت تشكيل ملامح النظام العالمي بأكمله.

المحلل ومنهجيته

يُعد زبيغنيو بريجنسكي واحداً من أهم العقول الجيوسياسية التي صاغت عقيدة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين وما بعد الحرب الباردة. فقد شغل منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي إبان عهد الرئيس جيمي كارتر، ولعب دوراً محورياً في تفكيك الاتحاد السوفيتي عبر هندسة استراتيجيات الاستنزاف في أفغانستان وغيرها. وبفضل أصوله البولندية، امتلك بريجنسكي فهماً عميقاً، بل وغريزياً للسيكولوجية الروسية وتاريخها التوسعي.

 

في كتابه الصادر عام ١٩٩٧ تحت عنوان: “رقعة الشطرنج الكبرى: الأولوية الأمريكية وحتمياتها الجيواستراتيجية”، لا يحلل بريجنسكي الدول ككيانات سياسية منعزلة، ولا يعتمد على القوة العسكرية المجردة كوحدة للتحليل، بل يتبنى مقاربة مكانية تعتمد على “الجغرافيا السياسية” الكلاسيكية المستلهمة من نظرية “قلب العالم” (Heartland) لهالفورد ماكيندر. فهو ينظر إلى القارة “الأوراسية” (Eurasia) —التي تمتد من لشبونة غرباً إلى فلاديفوستوك شرقاً— باعتبارها رقعة شطرنج شاسعة ومعقدة، تُحسم عليها صراعات القوة العالمية الكبرى. ووحدة التحليل الأساسية لديه هنا هي “المحاور الجيوسياسية” (Geopolitical Pivots)؛ أي تلك الدول التي تستمد أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي وليس من قوتها الذاتية، والتي يؤدي السيطرة عليها إلى تغيير موازين القوى جذرياً.

الأطروحة الأساسية

ينطلق بريجنسكي من مسلمة رئيسية مفادها أن استدامة الهيمنة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة في العالم، تعتمد بالأساس على هدف استراتيجي واحد: منع ظهور أي قوة منافسة، أو تحالف قوى، يستطيع السيطرة على القارة الأوراسية وطرد النفوذ الأمريكي منها. وفي هذا السياق الجغرافي المٌعقد، وضع إصبعه بدقة على “أوكرانيا”، واصفاً إياها بأنها المحور الجيوسياسي الأهم والأكثر خطورة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

 

جادل بريجنسكي بقوة بأن روسيا بدون أوكرانيا تكفّ عن كونها إمبراطورية أوراسية، وتتحول رغماً عنها إلى مجرد دولة آسيوية إقليمية، محبوسة في الجغرافيا، ومستنزفة في صراعات قوقازية ووسط-آسيوية. أما إذا استعادت روسيا السيطرة على أوكرانيا —بثرواتها الزراعية الهائلة، وقاعدتها الصناعية، وتعدادها السكاني الكبير، وإطلالتها الاستراتيجية الحاكمة على البحر الأسود— فإنها تستعيد تلقائياً المقومات الديموغرافية والاقتصادية والجغرافية التي تمكنها من بناء إمبراطورية عظمى قادرة على تحدي أوروبا والولايات المتحدة معاً. وباختصار شديد وواضح: من يسيطر على هذا المحور الأوكراني، يحدد الهوية المستقبلية لروسيا، ويتحكم بالتبعية في توازن القوى في كامل أوراسيا.

أولاً: ما توقعه بريجنسكي وحدث بالفعل؟

لم تكن رؤية بريجنسكي مجرد تنظير أكاديمي حبيس الأدراج، بل كانت قراءة استشرافية دقيقة لخرائط القوة ومكامن الخطر. وعند إسقاط نظريته على المشهد المعقد للحرب الروسية-الأوكرانية، سنجد أن الوقائع الميدانية والسياسية قد صيغت بشكل دقيق لقواعده الجغرافية؛ لتثبت صحة تشخيصه للمحور الذي ستدور حوله رحى الصراع الإمبراطوري، وتؤكد أن الجغرافيا تفرض حتمياتها بغض النظر عن تغير الأزمنة.

 

أوكرانيا كنقطة ارتكاز إمبراطورية وخط أحمر روسي

أثبتت الحرب الروسية-الأوكرانية التي اندلعت شرارتها في فبراير ٢٠٢٢ القيمة النبوئية المذهلة للتشخيص الجيوسياسي الذي طرحه بريجنسكي قبل ربع قرن. فالقرار الروسي بشن حرب شاملة لم يكن مجرد نزاع حدودي طارئ، أو خلافاً حول موارد اقتصادية، بل كان صراعاً وجودياً دموياً على “الهوية الإمبراطورية” التي حذر منها الكتاب. لقد أدرك الكرملين ما كتبه بريجنسكي حرفياً؛ فخروج أوكرانيا من الفلك الروسي وانضمامها إلى المعسكر الغربي يعني الانقطاع التاريخي عن “روس كييف” (المهد التاريخي لروسيا)، ويعني النهاية الأبدية لحلم الإمبراطورية الروسية العظمى. المقالات التي صاغها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل الحرب، والتي تنفي وجود هوية أوكرانية مستقلة، كانت تطبيقاً عملياً لنظرية بريجنسكي: روسيا لا ترى نفسها مكتملة جيوسياسياً أو تاريخياً دون ابتلاع هذا المحور.

 

 تمدد حلف الناتو كضرورة أمريكية استباقية

توقع بريجنسكي بوضوح أن ملء الفراغ الأمني الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي في شرق أوروبا ليس ترفاً، بل هو ضرورة حيوية لاستباق أي صحوة روسية قومية محتملة. ودعا إلى توسيع حلف الناتو ليضم بولندا ودول البلطيق كجدار صد أول. وهو ما حدث بالفعل عبر موجات التوسع المتعاقبة. وقد أثبتت مجريات الحرب الحالية أن هذا التمدد (ورغم أنه شكّل ذريعة واستفزازاً لموسكو) هو بالضبط ما منع الصراع من التمدد وابتلاع دول الجوار الأوروبي. لقد توقفت حدود الاشتباك الدامي عند التخوم الأوكرانية لسبب وحيد: أن الدول الأخرى باتت محصنة تحت مظلة المادة الخامسة من ميثاق الناتو، تماماً كما تقتضي قواعد الدفاع على رقعة الشطرنج.

 

عزل روسيا القارّي وحرمانها من المياه الدافئة

أشار بريجنسكي إلى أن خسارة أوكرانيا تعني دفع روسيا جغرافياً نحو الشمال والشرق، مما يحد من فاعليتها الأوروبية. وهو ما تجلى بوضوح في الصراع للسيطرة على السواحل الأوكرانية (مثل ماريوبول ومحاولات السيطرة على أوديسا). الغرب يقاتل بشراسة لمنع روسيا من إحكام قبضتها على شمال البحر الأسود، مدركاً لنصيحة بريجنسكي بأن السيادة البحرية في هذه المنطقة هي مفتاح الإسقاط الجيوسياسي للقوة الروسية نحو البلقان والبحر المتوسط.

ثانياً: مسارات خالفت التوقعات

على الرغم من براعة بريجنسكي منقطعة النظير في تحديد “مكان” المعركة بدقة، إلا أن مقاربته الزمنية والسياسية لم تخلُ من ثغرات عميقة. فقد اصطدم إطاره الاستراتيجي —الذي صُمم في الأساس لتأبيد الهيمنة الأمريكية المطلقة— بواقع دولي متمرد ومتسارع التغير. هذا الواقع أفرز تحالفات مضادة ومسارات استراتيجية مفاجئة، أثبتت أن رقعة الشطرنج العالمية باتت أوسع بكثير من أن يتحكم فيها لاعب واحد.

 

سراب الهيمنة الأحادية الدائمة

لعل نقطة الضعف الأكبر في نموذج بريجنسكي هي أنه بُني في ذروة “لحظة القطب الأوحد” الأمريكية (Unipolar Moment) في أواخر التسعينيات. راهن الإطار العام للكتاب على قدرة الولايات المتحدة على إدارة رقعة الشطرنج بصفتها المهيمن المطلق لعقود طويلة قادمة، وافترض أن النظام الدولي سيظل خاضعاً لقواعد واشنطن. لكن اندلاع الحرب الأوكرانية أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن العالم انزلق بالفعل نحو “تعددية قطبية” صلبة وواقعية. لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها الدبلوماسية والاقتصادية المطلقة، وتجلى ذلك بوضوح في موقف دول “الجنوب العالمي” (Global South). دول كبرى مثل الهند، البرازيل، وجنوب إفريقيا، بل وحتى بعض الحلفاء التقليديين في الشرق الأوسط، رفضت الانصياع لنظام العقوبات الغربية ضد روسيا، مما أثبت أن رقعة الشطرنج العالمية كبرت وتوسعت، ولم تعد تحركها أروقة البيت الأبيض وحدها.

 

كابوس التحالف المناهض للهيمنة

في إحدى صفحات كتابه، حذر بريجنسكي نظرياً من خطورة نشوء تحالف أسماه “التحالف المناهض للهيمنة”، والذي قد يضم (روسيا، الصين، وإيران)، لكنه سرعان ما طمأن القارئ معتبراً إياه احتمالاً بعيداً جداً ومستبعداً، لغياب الأيديولوجيا المشتركة بينهم، ولأن أمريكا —إن أحسنت اللعب— ستمنع تقاربهم. الواقع اليوم يصفع هذه الفرضية بقوة؛ فالحرب في أوكرانيا لم تمنع هذا التحالف، بل كانت “المُحفّز” الذي سرّع من وتيرة التنسيق الاستراتيجي والعميق بين موسكو وبكين وطهران. الصين تحولت إلى شريان الحياة الاقتصادي والتكنولوجي لروسيا، وإيران أمدتها بأسراب من الطائرات المسيرة الفعالة (كعائلة شاهد) التي غيرت تكتيكات الحرب، وحتى كوريا الشمالية دخلت على الخط لرفد الآلة العسكرية الروسية بملايين القذائف المدفعية. لقد تشكلت جبهة أوراسية متراصة ومتكاملة عسكرياً واقتصادياً، لم يُقدّر بريجنسكي ثقلها الحقيقي ولا سرعة تشكلها تحت وطأة الضغط الغربي.

 

صمود الاقتصاد الروسي في وجه السلاح المالي الغربي

افترض بريجنسكي أن القوة الاقتصادية والمالية الأمريكية كفيلة بتركيع أي دولة متمردة على رقعة الشطرنج. كان التصور السائد أن طرد روسيا من نظام (SWIFT) المالي وتجميد أصول بنكها المركزي سيؤدي إلى انهيار فوري في الاقتصاد الروسي وربما ثورة داخلية. لكن روسيا أبدت مرونة اقتصادية غير متوقعة، وتمكنت من الالتفاف على العقوبات عبر خلق مسارات تجارية جديدة وبيع طاقتها بالروبل واليوان للأسواق الآسيوية، ما كشف عن محدودية قوة “الدولار” كسلاح استراتيجي رادع في عالم باتت بدائله أكثر تنوعاً.

ثالثاً: فرضيات لم تتحقق

إلى جانب التحولات الكبرى في هيكل النظام العالمي، ارتكز النموذج التحليلي لبريجنسكي على مجموعة من الافتراضات الكلاسيكية حول سلوك اللاعبين على رقعة الشطرنج، سواء كانوا حلفاء أو خصوماً أو مجرد ساحات عازلة. غير أن ديناميكيات الحرب وسيكولوجية الدول كشفت عن هشاشة هذه الافتراضات؛ وأثبتت أن الحلفاء قد تُكبلهم المصالح الاقتصادية، وأن “البيادق” قد تتمرد على دورها السلبي، مما أدى إلى تهاوي عدة ركائز أساسية قام عليها تنظيره.

 

أوروبا كـ “رأس حربة” مطيع ومستقل ذاتياً

افترض بريجنسكي في نموذجه أن أوروبا الموحدة، والغنية، والمستقرة، ستكون الجسر الاستراتيجي المثالي لتثبيت النفوذ الأمريكي في أوراسيا؛ أي أنها ستكون حليفاً قادراً على تحمل العبء الأمني، وتشكيل قوة ردع جاهزة ضد روسيا. لكن ما لم يضعه في الحسبان هو “اقتصاديات الطاقة” والتشابك التجاري العميق. فقد أثبتت مقدمات الحرب أن أوروبا (وعلى رأسها ألمانيا، المحرك الصناعي للقارة) كبّلت نفسها طوعاً بالاعتماد شبه الكلي على خطوط الغاز الروسي (مثل نورد ستريم). هذا الاعتماد جعل أوروبا كياناً هشاً سياسياً، ومتردداً، ومنقسماً في بداية الأزمة. وكاد هذا التشابك الاقتصادي أن يشل القرار الغربي، وأثبتت الحرب أن أوروبا لا تزال تعتمد عسكرياً واستراتيجياً بشكل مهين على المظلة الأمنية الأمريكية، وليست ذلك الشريك الاستراتيجي الصلب والمستقل الذي تخيله بريجنسكي.

 

 القدرة على التحكم في بيدق الشطرنج وتوجيهه

يتعامل إطار بريجنسكي التحليلي مع أوكرانيا وكأنها “بيدق” (Pawn) جيوسياسي سلبي وأداة جامدة تُحرك على الرقعة من قِبل اللاعبين الكبار (أمريكا وروسيا) لتطويق الخصم أو استنزافه. لكن ما لم يتوقعه إطلاقاً هو فاعلية هذا البيدق وقدرته على التمرد على دوره السلبي. إذ أظهرت أوكرانيا إرادة قتالية ووطنية شرسة لم تكن في حسبان واشنطن ولا موسكو. القيادة الأوكرانية لم تكتفِ بتلقي الضربات أو انتظار التوجيهات، بل مارست ضغوطاً سياسية وأخلاقية هائلة على الغرب، ووظفت حرب المعلومات ببراعة لابتزاز الحلفاء وجرّهم لتوفير تسليح غير مسبوق. لقد تحولت أوكرانيا من مجرد “مساحة عازلة” أو مربع على الرقعة، إلى فاعل سياسي نشط يمتلك زمام المبادرة، ويُجبر اللاعبين الكبار على تعديل استراتيجياتهم بناءً على صموده الميداني.

 

أسطورة التحول الديمقراطي كعدوى إقليمية

بنى بريجنسكي جزءاً من تفاؤله على افتراض أن نجاح النموذج الديمقراطي الرأسمالي في أوكرانيا سينتقل كالعدوى إلى الداخل الروسي، مما سيؤدي إلى تفكيك النظام الاستبدادي في موسكو سلمياً ومن الداخل. لكن مجريات الأحداث أثبتت أن الأنظمة الشمولية قادرة على تحصين نفسها معلوماتياً وأمنياً، بل واستغلت التهديد الغربي لتعزيز التفاف الشارع الروسي حول القيادة، وتحويل الصراع من حرب اختيارية إلى سردية بقاء ودفاع عن الوطن الأم ضد “استهداف غربي وجودي”.

الخلاصة

أصاب زبيغنيو بريجنسكي بعبقرية في قراءة “جغرافيا الحرب وطبيعة المكان”، لكنه أخطأ في تقدير “حسابات الزمن وتوازنات القوة المستقبلية”. إذ كانت قراءته لقيمة أوكرانيا الجيوسياسية قراءة صحيحة ودقيقة لدرجة تبدو وكأن سطوره كُتبت في خضم معارك اليوم؛ فهي بالفعل نقطة الارتكاز المركزية التي تتكسر عندها الطموحات الإمبراطورية لروسيا أو تتمدد وتنتعش، وهو استنتاج أثبتته دماء الحرب الأوكرانية بالكامل

 

لكنه حين صاغ استراتيجيته الشاملة بناءً على ديمومة التفرد الأمريكي المطلق، استخفّ بحتمية صعود قوى عظمى أخرى كالصين التي أعادت تعريف مفهوم القوة، وبقدرة خصوم واشنطن على الاندماج في محور مضاد وصلب يتجاوز الأيديولوجيات لصالح المصالح الحيوية. لقد قرأ بريجنسكي “رقعة الشطرنج” ببراعة منقطعة النظير، وحدد بدقة أهمية المربعات عليها، لكنه افترض بسذاجة المنتصر في الحرب الباردة، أن لاعباً واحداً فقط سيحتكر تحريك القطع إلى الأبد.

 

لذا، ينقسم الحكم على أطروحته بإنصاف وموضوعية إلى شقين: استشراف جيوسياسي لا تشوبه شائبة لمعضلة روسيا وأوكرانيا، يرافقه قصور فادح في استيعاب سرعة تحول النظام العالمي ومآلاته. والدرس الأهم الذي نستقيه هنا في فن الاستراتيجية هو: الجغرافيا ثابتة لا تتغير، وتصنع قدراً لا بأس به من الحتميات، لكن موازين القوى متحركة وتخضع لديناميكيات معقدة؛ فالقوى الإمبراطورية قد تتقاتل لقرون على نفس “المحور” والمربع الجغرافي، لكن قواعد اللعبة ذاتها، وهوية اللاعبين الجدد ومصادر قوتهم، تتغير حتماً خارج حدود الرقعة القديمة.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *