كتب بواسطة

تستمد وعود إيلون ماسك بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي جاذبيتها من تقديم إجابة واحدة عن مشكلات إنسانية متعددة: الفقر، والعمل الشاق، وتكاليف المعيشة، ومحدودية الخدمات، فالآلات الأكثر ذكاءً ستنتج المزيد، وتنخفض التكاليف، ويتحرر البشر من ضرورة العمل، ثم تفقد النقود أهميتها. غير أن هذه الصورة تجمع بين احتمالات تقنية ونتائج اقتصادية وأحكام على الحياة الجيدة، وتعرضها بوصفها حلقات متتابعة في مسار واحد، هنا يتشكل جوهر اليوتوبيا الرقمية: افتراض أن التقدم في قدرة الآلات سيحمل معه، بالضرورة تقريبًا، تقدمًا مماثلًا في عدالة المجتمع وحرية الإنسان، وهي علاقة لا تكفي سرعة التطور التقني لإثباتها.

 

في المنتدى الاستثماري الأمريكي السعودي، في 19 نوفمبر 2025، توقع ماسك أن يصبح العمل اختياريًا خلال عشرة إلى عشرين عامًا، وأن يمارسه الإنسان كما يمارس الرياضة أو يزرع الخضراوات في منزله رغم إمكان شرائها، وذهب إلى أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيقضيان على الفقر، وأنهما الطريق إلى جعل الجميع أثرياء. أما حديثه عن النقود فكان أكثر شرطية: إذا استمر تطور الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فسوف تفقد أهميتها في مرحلة مستقبلية لم يحدد موعدًا لها. هذه الدقة ضرورية؛ فتوقع تراجع أهمية النقود أوسع من مجرد تغير وسائل الدفع، لكنه ليس إعلانًا مؤرخًا عن إلغاء العملات. ‎

 

وامتدت التوقعات إلى مجالات أخرى، ففي حلقة من برنامج «مونشوتس» نُشرت في 6 يناير 2026، توقع بلوغ الذكاء الاصطناعي العام خلال العام نفسه، وتجاوز الذكاء الاصطناعي مجموع الذكاء البشري بحلول 2030، وتفوق روبوتات «أوبتيموس» في الجراحة على أفضل الجراحين خلال نحو ثلاث إلى أربع سنوات، كما ربط تحقق مستقبل الوفرة بفقدان الادخار للتقاعد أهميته، لكنه أقر، في الحديث نفسه، بأن الانتقال سيكون مضطربًا وبأنه لا يملك جميع الإجابات، ولذلك فإن موضع النقد هو اتساع النتائج التي يبشر بها قياسًا بما يقدمه لإثباتها، مع أخذ تحفظاته في الحسبان. ‎

 

تقوم هذه الرؤية على ثلاثة انتقالات تحتاج إلى براهين مستقلة: من تحسن أداء الأنظمة إلى قدرتها على إنجاز العمل البشري بمختلف أشكاله؛ ومن اتساع القدرة الإنتاجية إلى ضمان الرفاه لجميع الناس؛ ومن التحرر من الضرورة الاقتصادية إلى تحقيق حياة أكثر اكتمالًا، قد يحدث تقدم كبير في أحد هذه المستويات بينما تتعثر المستويات الأخرى، وقد يصبح الاقتصاد أكثر إنتاجية، ويزداد بعض أفراده ثراءً، فيما يفقد آخرون دخلهم أو قدرتهم على التأثير في شروط حياتهم. جمع هذه الاحتمالات تحت عنوان الوفرة يخفي الأسئلة التي يتوقف عليها توزيع فوائدها.

 

الأدلة العلمية تمنح التفاؤل بالإنتاجية أساسًا معتبرًا، لكنها تمنحه حدودًا أيضًا، فقد درست ورقة منشورة في المجلة الفصلية للاقتصاد عام 2025 استخدام مساعد توليدي لدى 5,172 موظفًا في دعم العملاء، ووجدت ارتفاعًا متوسطه 15% في عدد المشكلات المحلولة في الساعة، مع مكاسب أكبر لدى الأقل خبرة، هذه نتيجة مهمة؛ فهي توضح كيف يمكن للتقنية أن تنشر الخبرة وترفع الأداء، لكنها تقيس أثر أداة محددة داخل سياق مهني معين، ولا تثبت إمكان الاستغناء عن العاملين في الاقتصاد بأكمله، أو انتقال مكاسب الإنتاجية تلقائيًا إلى دخولهم. ‎

 

وتظهر أهمية التمييز بين المهمة والوظيفة في تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2025 التي أشارت إلى أن نحو ربع العاملين عالميًا يعملون في مهن تتعرض بدرجات متفاوتة لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما يرجح التقرير تحول الوظائف على إحلال التقنية محلها بالكامل، بسبب استمرار الحاجة إلى المدخلات البشرية في كثير من المهام. ولا يصلح هذا التقدير لنفي إمكانات تقنيات مستقبلية لم تظهر بعد؛ لكنه يوضح المسافة بين ما تسمح الأدلة الحالية باستنتاجه وبين إعلان انتهاء الحاجة إلى العمل. فالتعرض للأتمتة ليس مرادفًا لاختفاء الوظيفة، واختفاء الوظيفة لا يعني أن صاحبها أصبح قادرًا على العيش دون دخل منها. ‎

 

وتبقى هناك مسافة أخرى بين الإنجاز الرقمي والتحول المادي للاقتصاد. فخفض تكلفة إنتاج النصوص أو البرمجيات لا يكفي وحده لبناء مساكن وشبكات كهرباء ومستشفيات ومنظومات نقل. يتطلب ذلك استثمارات ومواد وبنية أساسية وصيانة ووقتًا للتنفيذ. وقد أقر ماسك نفسه، في دافوس في يناير 2026، بأن الكهرباء تمثل قيدًا على التوسع، وأن إنتاج الرقائق قد يتجاوز القدرة على تشغيلها. هذا الإقرار يضع شرطًا ماديًا داخل وعد الوفرة: سرعة تقدم الذكاء الاصطناعي لا تحدد وحدها سرعة تحول العالم الذي سيعمل فيه. ‎

 

وبالمثل، يحتاج توقع تفوق الروبوتات في الجراحة إلى أكثر من الاستدلال بسرعة تحسن النماذج. فإثبات التفوق السريري يتطلب نتائج قابلة للمقارنة، وسلامة عبر حالات متنوعة، وقدرة على التعامل مع المضاعفات، وترتيبات واضحة للمسؤولية. وتشرح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن أنظمة الجراحة بمساعدة الروبوت التي تعرضها في إرشاداتها تعمل تحت تحكم الجراح؛ ومن ثم فإن وجود الجراحة الروبوتية لا يثبت بذاته قرب الاستقلال الجراحي الشامل. أما تعبير «تجاوز مجموع الذكاء البشري»، فيحتاج أولًا إلى تحديد ما سيُقاس وكيف سيُجمع، ثم إلى بيان الصلة بين التفوق في هذا المقياس والقدرة على إدارة التعقيد الاقتصادي والاجتماعي. ‎

 

لكن الاعتراض الأقوى على وعد انتهاء الحاجة إلى العمل يظل اقتصاديًا وسياسيًا، حتى لو افترضنا نجاح الأتمتة على نطاق واسع. فالقدرة على إنتاج السلع تختلف عن امتلاك الحق في الحصول عليها. إذا كانت الآلات والمنصات مملوكة لعدد محدود من الشركات أو المستثمرين، فإن انخفاض حاجتهم إلى العاملين قد يرفع أرباحهم، بينما يضعف مصدر الدخل الأساسي لدى قطاعات أخرى. وقد يصبح المجتمع أغنى في مجموعه دون أن يصبح كل فرد فيه أكثر أمنًا. القضاء على الفقر يقتضي معالجة الحرمان من الوصول إلى الموارد، وهو أمر لا تحسمه كمية الموارد المنتجة وحدها.

 

وتدعم الأبحاث الاقتصادية ضرورة هذا الفصل. ففي ورقة عمل لصندوق النقد الدولي نُشرت في أبريل 2025، استخدم الباحثون بيانات للأسر ونموذجًا اقتصاديًا لدراسة تبني الذكاء الاصطناعي. وأظهرت النتائج أن بعض آثاره قد تخفض التفاوت في الأجور، بينما تؤدي عوائد رأس المال وآليات التبني إلى زيادة التفاوت في الثروة. وهذه نتائج مشروطة بافتراضات النموذج، وليست وصفًا حتميًا للمستقبل؛ لكن دلالتها واضحة: يمكن للكفاءة الاقتصادية أن تتحسن بالتزامن مع ازدياد تركّز الثروة. لذلك يحتاج وعد إثراء الجميع إلى تفسير مستقل لكيفية توزيع الملكية والعوائد.

 

وللإنصاف، طرح ماسك آلية للتوزيع، ففي منشور بتاريخ 17 أبريل 2026، اقترح دخلًا مرتفعًا للجميع عبر شيكات تصدرها الحكومة الفيدرالية لمواجهة البطالة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، وأضاف أن توسع إنتاج السلع والخدمات سيتجاوز زيادة المعروض النقدي، ومن ثم لن يحدث تضخم. لكن اقتراح التحويلات لا يحسم مقدارها أو تمويلها واستدامتها، ولا يحدد كيف ستتحول عوائد الشركات المؤتمتة إلى حق مستقر للمواطنين. وبمجرد إسناد هذه المهمة إلى الحكومة، تصبح الوفرة مرهونة بقرارات مالية وتشريعات وموازين قوى، إلى جانب التقدم التقني.

 

أما توقع انتهاء أهمية النقود فيتجاوز ما يمكن استنتاجه من انخفاض الحاجة إلى العمل، فالنقود تؤدي وظائف أوسع من دفع الأجور: هي وسيلة للتبادل، ووحدة للحساب، ومخزن للقيمة. وانخفاض تكلفة العمل في إنتاج سلعة لا يلغي الحاجة إلى تسوية المبادلات، أو المقارنة بين استخدامات الموارد، أو تنظيم الالتزامات عبر الزمن. ويمكن تصور اقتصاد تقل فيه ساعات العمل وتُضمن فيه الخدمات الأساسية، مع استمرار النقود في أداء هذه الوظائف. ‎

 

كذلك، فإن الوفرة في بعض المجالات لا تعني زوال الندرة في جميعها. قد تتراجع تكلفة خدمات رقمية بشدة، بينما يبقى السكن في المواقع المرغوبة أو الوصول إلى موارد بيئية محدودة خاضعًا للتنافس. وحتى إذا أُتيحت الضروريات دون مقابل، ستظل هناك قرارات بشأن توزيع ما لا يمكن إتاحته للجميع بالقدر نفسه. ويمكن نظريًا اتخاذ هذه القرارات بوسائل غير نقدية، لكنها ستحتاج إلى مؤسسات وقواعد وسلطة للفصل بين المطالب المتعارضة. لذلك فإن اختفاء النقود، إن أمكن تصوره، يتطلب تحولًا في نظام تخصيص الموارد وحقوق الوصول إليها؛ ولا يترتب مباشرة على امتلاك آلات أكثر ذكاءً.

 

ويعاني الجزم بغياب التضخم من مشكلة مشابهة. فقد يزيد الإنتاج الإجمالي بينما تبقى قطاعات بعينها عاجزة عن الاستجابة لزيادة الإنفاق. ويمكن أن تنخفض أسعار خدمات رقمية بالتزامن مع ارتفاع تكاليف السكن أو الطاقة أو غيرهما. وقد أظهرت تحليلات البنك المركزي الأوروبي لاختناقات العرض أهمية عدم التطابق بين الطلب والقدرة الإنتاجية في تفسير الضغوط السعرية. ومن ثم، فإن احتمال أن تساعد الإنتاجية على احتواء التضخم يظل مختلفًا عن ضمان غيابه بمجرد توزيع دخول مرتفعة. ‎

 

ولا يوجد تناقض ضروري بين اقتراح شيكات نقدية في مرحلة انتقالية وتصور مستقبل تتراجع فيه أهمية النقود. إنما تظل الحلقة الناقصة هي تفسير الانتقال بين المرحلتين: كيف تتحول الدخول النقدية إلى وصول مضمون للموارد؟ وما الذي يدفع المالكين إلى التخلي عن تسعير أصولهم؟ وكيف تُدار الموارد التي تظل نادرة؟ تسمية المرحلة النهائية «وفرة» لا تجيب عن هذه الأسئلة.

 

وتزداد هشاشة الوعد عند تعميمه على البشرية كلها. فالزيادة في الناتج العالمي لا تكشف وحدها نصيب كل دولة أو فئة منه. وحتى نجاح دولة ثرية في تمويل دخل مرتفع لمواطنيها لا يفسر كيف ستفعل دولة محدودة الموارد الشيء نفسه، خصوصًا إذا كانت تستورد التقنية وتدفع مقابل استخدامها إلى الخارج. وقدّر الاتحاد الدولي للاتصالات أن نحو 2.2 مليار شخص ظلوا خارج الإنترنت في 2025. لا يثبت ذلك استحالة وصول فوائد الذكاء الاصطناعي إليهم مستقبلًا، لكنه يبين حجم الشروط التي يفترضها الحديث عن مستقبل موحد للجميع: البنية الأساسية، والقدرة على الدفع، والتعليم، والمؤسسات، والقدرة على التفاوض بشأن شروط الانتفاع بالتقنية.

 

وهنا يقع الخلل في التعميم: تُستنتج نتيجة تخص كل إنسان من توقع يتعلق بالقدرة الإنتاجية الكلية. والمشكلة لا تُحل بمجرد زيادة حجم المكاسب؛ إذ يجب تفسير آلية وصولها إلى المختلفين في الثروة والجغرافيا والحقوق والنفوذ. فالشيك الذي تصدره حكومة وطنية لا يمثل، بذاته، نظامًا لتوزيع عوائد الذكاء الاصطناعي عالميًا.

 

ثم يأتي السؤال الأعمق: هل يكفي أن يستغني الاقتصاد عن عمل الإنسان حتى يكون الإنسان قد بلغ وضعه الأمثل؟ تقتضي الدقة هنا تمييز العمل المأجور عن السعي بمعناه الأوسع. فحين يقول ماسك إن العمل سيصبح اختياريًا، لا يلزم من كلامه أن البشر سيتوقفون عن التعلم أو الإبداع أو الرعاية. بل إن التحرر من العمل القسري أو المرهق يمكن أن يتيح لهذه الأنشطة مساحة أكبر. لكن انتفاء حاجة صاحب العمل إلى العامل لا يمنح العامل تلقائيًا حرية الاختيار. فالاختيار يتطلب دخلًا مضمونًا، وقدرات فعلية، وفرصًا للمشاركة، وحقوقًا تحمي الاستقلال.

 

أما اعتبار الحياة الخالية من الجهد غاية مثلى، فهو حكم قيمي لا تنتجه معادلات الإنتاجية. لا تستطيع التقنية أن تقرر ما الذي يجعل حياة الإنسان جديرة بأن تُعاش. وتظل هناك قيمة للتعلم والرعاية والإنجاز والمشاركة تتجاوز الحصول على المنتج النهائي؛ فهي ممارسات يكوّن الإنسان عبرها قدراته وعلاقاته وصورته عن نفسه. وقد تنجز الآلة مهمة بكفاءة أعلى، دون أن يبطل ذلك قيمة ممارسة الإنسان لها. قياس جدوى النشاط البشري حصريًا بقدرته على منافسة الآلة يختزل الإنسان في معيار الأداء الذي يُفترض أن التقنية جاءت لخدمته.

 

وتوفر أبحاث الدافعية سندًا لهذه المسألة دون أن تحسم سؤال غاية الوجود. فنظرية التحديد الذاتي، كما عرضها ريتشارد رايان وإدوارد ديسي استنادًا إلى برنامج من البحوث التجريبية، تربط الدافعية والرفاه بإشباع حاجات الاستقلالية والكفاءة والارتباط بالآخرين. ويمكن تلبية هذه الحاجات داخل العمل وخارجه. والدلالة هنا أن تأمين الاستهلاك لا يستنفد شروط الازدهار الإنساني؛ فتصميم مستقبل تقل فيه ضرورة العمل يحتاج أيضًا إلى مؤسسات وفرص تساعد الناس على ممارسة قدراتهم والشعور بقيمة مشاركتهم. ‎‎

 

وتمنعنا الأدلة نفسها من افتراض أن الدخل غير المشروط سيقود حتمًا إلى الخمول. ففي تجربة فنلندا خلال 2017–2018، تلقى ألفا عاطل عن العمل 560 يورو شهريًا دون اشتراط البحث عن وظيفة. وأفاد المستجيبون للمسح من متلقي الدخل برضا أكبر عن الحياة وضغوط نفسية أقل، مع قيود منهجية تمنع نسبة هذه الفروق إلى الدخل وحده على نحو قاطع. وكانت آثار التجربة على التوظيف محدودة. وهذه النتائج تتيح مناقشة جدية لفوائد الأمان المادي، لكنها لا تختبر مجتمعًا استغنى بأكمله عن العمل، ولا تثبت أن التحويلات المالية وحدها تكفي لبناء ذلك المجتمع.

 

وعليه، فإن المسألة الإنسانية في مستقبل الأتمتة تتعلق بنوعية الحرية التي ستتاح للناس. قد يتيح الدخل المضمون رفض العمل المهين، وتخصيص وقت للتعلم أو الرعاية. وقد تترافق الأتمتة، في ترتيب مؤسسي آخر، مع اعتماد متزايد على جهات قليلة تتحكم في الدخل والخدمات والمنصات. لذلك يحتاج وعد التحرر إلى ضمانات للمشاركة والاعتراض والاستقلال، بالإضافة إلى ضمانات الاستهلاك. فالحصول على ما يكفي للعيش لا يحسم مقدار السلطة التي يمتلكها الإنسان على حياته.

 

ويقدم التاريخ شاهدًا على دور المؤسسات في تحويل التقدم الإنتاجي إلى وقت وحقوق. فقد جاء تحديد ساعات عمل النساء والناشئة في قانون المصانع البريطاني لعام 1847 بعد حملة سياسية، ثم استلزم تشريعات لاحقة لمعالجة الثغرات التي استغلها أصحاب المصانع. تكشف هذه الواقعة أن تقليص عبء العمل احتاج إلى تدخل يغير شروط العلاقة بين أصحاب العمل والعاملين. وهي آلية تظل ذات صلة بالذكاء الاصطناعي: المكاسب التقنية تفتح إمكانات، بينما تحدد القواعد والمؤسسات كيفية الانتفاع بها.

 

وتكتسب المرحلة الانتقالية، التي يعترف ماسك باضطرابها، أهمية لا يجوز اختزالها في انتظار الوصول إلى الوفرة. فقد يفقد أشخاص وظائفهم قبل اكتمال نظم التعويض، وتتآكل مسارات اكتساب الخبرة قبل ظهور بدائل مستقرة، وتتفاوت قدرة الدول على إدارة التحول. وحتى لو تحقق مستقبل أفضل بعد عقود، فإن ذلك لا يلغي خسائر من تحملوا تكلفة الوصول إليه. ولهذا فإن ربط قرارات حياتية طويلة الأجل، مثل الاستعداد للتقاعد، بتوقع مشروط عن الوفرة يمنح السيناريو المتفائل وزنًا عمليًا يتجاوز درجة اليقين المتاحة بشأنه.

 

تتمثل مشكلة يوتوبيا ماسك الرقمية في أنها تضع نهاية مرغوبة قبل استكمال البرهان على الطريق المؤدي إليها. فهي تفترض نجاحًا تقنيًا واسعًا، وتوسعًا ماديًا كافيًا، وتوزيعًا عادلًا للعوائد، ومؤسسات قادرة على ضمان الحقوق، ثم تكيفًا إنسانيًا يمنح الوفرة معنى. وقد يتحقق بعض ذلك، لكن اجتماع هذه الشروط ليس نتيجة تلقائية لتقدم الذكاء الاصطناعي. والمعيار الأجدر بتوجيه هذا التقدم هو مقدار ما يتيحه من تقليل الاضطرار، وتوسيع القدرة على الفعل، وحماية كرامة الإنسان واستقلاله. أما مستقبل لا يحتاج فيه الإنتاج إلى البشر، فلا يصبح مستقبلًا مثاليًا إلا إذا ظل البشر قادرين على تقرير غاياته وشروطه.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *