عاد الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض حاملًا رسالة واضحة إلى قطاع التكنولوجيا: أن الإدارة الفيدرالية ستتراجع عن نهج التدخل التنظيمي، وتفسح المجال أمام الابتكار. وخلال حملته الانتخابية، تعهد بإلغاء ما وصفه بالإفراط الذي مارسته إدارة بايدن في تنظيم سلامة الذكاء الاصطناعي، وعيّن المستثمر في رأس المال الجريء ديفيد ساكس مسؤولًا عن ملفي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة في البيت الأبيض، كما دعا الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات التكنولوجيا إلى حضور مراسم تنصيبه، في إشارة واضحة إلى الشراكة التي سعى إلى ترسيخها مع هذا القطاع. وفي وادي السيليكون، لم يكن من الصعب فهم الرسالة: فقد بدأت مرحلة تخفيف القيود التنظيمية، وأصبحت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية تتوقع مواصلة سباقها مع الصين من دون أن تعيقها القيود البيروقراطية. لكن بعد أقل من ثمانية عشر شهرًا، وجدت هذه الشركات نفسها غير قادرة على طرح أكثر نماذجها تقدمًا قبل التنسيق مع وزير التجارة والحصول على موافقته. فكيف حدث هذا التحول؟ وما الذي يعنيه للأمن القومي الأمريكي، وثقة الحلفاء، ومستقبل المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي؟ ذلك سؤال لم تقدم الإدارة، حتى اليوم، تفسيرًا كاملًا له.
في فبراير 2025، صاغ الباحث في الذكاء الاصطناعي أندريه كارباثي مصطلحًا لوصف ظاهرة كانت قد بدأت تترسخ بين المبرمجين، إذ يكتفون بصياغة ما يريدون بلغة إنجليزية بسيطة، ثم يتركون لنموذج الذكاء الاصطناعي مهمة توليد الشفرة البرمجية، بدلًا من كتابتها أو حتى فهمها بأنفسهم. وأطلق على هذا النهج اسم "البرمجة بالحدس" (vibe coding). وبعد عام واحد، بدأ النمط نفسه يظهر في مجال أقل تسامحًا بكثير مع الخطأ. فقد تناول تقرير حديث لمجلة "الإيكونوميست" ما سمّاه "المحاماة بالحدس" (vibe lawyering)، حيث أصبح غير المتخصصين، مستعينين بروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من التدريب القانوني، يصوغون الشكاوى، ويديرون المنازعات، ويتابعون الدعاوى القضائية التي كان الاضطلاع بها، حتى وقت قريب، يتطلب الاستعانة بمحامٍ.
وأظهرت الدراسة التي استشهد بها التقرير، وأعدها أناند شاه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجوشوا ليفي من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، بعد تحليل 4.5 مليون قضية مدنية فيدرالية، أن نسبة المتقاضين الذين يتولون تمثيل أنفسهم أمام المحاكم، والتي ظلت مستقرة عند نحو 11% على مدى عقدين، ارتفعت إلى 16.8% بحلول السنة المالية 2025، في حين تضاعف تقريبًا عدد الدعاوى التي رفعها أصحابها دون الاستعانة بمحامٍ. ولا تقتصر وظيفة روبوتات الدردشة المستخدمة في هذه الحالات على مساعدة الأفراد في إعداد الوثائق القانونية، بل تميل أيضًا إلى اختلاق سوابق قضائية من العدم، وتشجيع اللجوء إلى التقاضي، وتثبيط التسويات، وتعزيز ثقة المستخدمين، على نحو مبالغ فيه، بفرص نجاحهم في الدعوى. وقد بدأت المحاكم بدورها في التصدي لهذه الظاهرة؛ إذ أصدرت ما يقرب من ألف مذكرة توبيخ بسبب إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في المستندات القضائية المقدمة إليها، كما أوقفت إحدى محاكم الاستئناف الفيدرالية مؤخرًا محاميين بعد أن تضمّنت مذكراتهما استشهادات قانونية مختلقة.
يمثل المجال القانوني حالةً دراسيةً فريدة؛ إذ تحتفظ المحاكم بسجل علني قابل للبحث يوثق ما يحدث عندما تتجاوز ثقة الأفراد قدراتهم الفعلية. غير أن هذه ليست سوى حالة دراسية، وليست القصة بأكملها. فالنمط نفسه، حيث تحل إجابة سلسة يصوغها الذكاء الاصطناعي محل حكمٍ لا يمتلكه الشخص في الواقع، أخذ يظهر في كل مجال بات فيه الناس يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات كانت تتطلب في السابق خبرة بشرية حقيقية. وهذا هو الموضوع الحقيقي الذي تتناوله هذه المقالة: ليس التقاضي في حد ذاته، بل الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل تصور الإنسان لكفاءته الذاتية عندما يبدأ، في هدوء، بالقيام بجزء من عملية التفكير نيابةً عنه، وما قد يترتب على ذلك مع امتداد هذا النمط إلى مجالات تتجاوز بكثير حدود قاعات المحاكم.
يشهد المشهد الأمني العالمي تحولاً جذرياً مدفوعاً بالتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوزت كونها مجرد أدوات تقنية لتصبح قوة استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ والصراع. لقد بات الذكاء الاصطناعي قوة تحويلية ترفد المجتمع بفرص واعدة، لكنها تنطوي في جوهرها على طبيعة مزدوجة الاستخدام تجعلها سلاحاً ذا حدين. وتكشف القراءة المتأنية للسوابق التاريخية عن نمط متكرر تتبناه التنظيمات الإرهابية، يتمثل في البراعة الفائقة في تطويع التقنيات البازغة لخدمة أجنداتها الراديكالية؛ فكما استغلت هذه الجماعات المنتديات الإلكترونية وتطبيقات التراسل المشفرة في السابق، فإنها اليوم تعكف بدأب على سبر إمكانيات الذكاء الاصطناعي وتبنيه، ولم يعد هذا التبني مجرد تكهنات مستقبلية أو مخاوف نظرية، بل انتقل الإرهاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي فعلياً من المرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق التجريبي الذي يتسم بالتكرار والانتشار السريع، مما أثار قلق الدوائر الأمنية والحكومات من تحول هذه التقنية إلى "هبة" استراتيجية تعزز قدرات الإرهابيين بصورة غير مسبوقة. إن التقارب بين الذكاء الاصطناعي ومفاهيم الحرب غير المتكافئة يغير بشكل جوهري موازين القوى بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية، حيث انخفضت بشكل كبير عوائق الدخول التي كانت تفرضها التكنولوجيا العسكرية المتقدمة سابقاً. وتشير الأدلة الميدانية والاستخباراتية إلى أننا أمام استراتيجية تبني متعددة المجالات، تشمل النطاقات المعلوماتية والمادية والسيبرانية، مما يستدعي تحليلاً عميقاً لكيفية إعادة هندسة الإرهاب في عصر الآلة.
بحلول عام 2025، لم يعد التسارع المتزايد في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرّد توسّع في القدرات الرقمية، بل تحوّل إلى عاملٍ يُعيد تشكيل البنية التحتية المادية التي يستند إليها الاقتصاد العالمي. فقد بدأت مراكز البيانات تأخذ طابعًا جديدًا، لتغدو أشبه بـ«مصانع للذكاء الاصطناعي»، صُمّمت لاستيعاب كثافات حوسبية غير مسبوقة وأعباء تشغيلية متواصلة وعلى نطاق واسع. وحتى عام 2024، كان هناك ما يقارب 11,800 منشأة من هذا النوع تعمل حول العالم، مع تزايد ملحوظ في عدد المراكز التي أُنشئت خصيصًا أو أُعيد تأهيلها لتلبية متطلبات الحوسبة المتقدمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وقد أسهم هذا التحوّل في إحداث ارتفاع بنيوي في الطلب على الطاقة، بما فرض ضغوطًا استثنائية على الأراضي والموارد المائية وشبكات الكهرباء، إلى جانب أعباء مالية متصاعدة على منظومات الطاقة وسلاسل الإمداد في مختلف الاقتصادات.
لم يعد القيد الحاسم الذي سيحدّد مسار الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة مرتبطًا بالعتاد أو الخوارزميات، بل بتوافر الطاقة. فمن دون تحوّل عالمي سريع نحو مصادر طاقة نظيفة ومتجددة، ستواجه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي اختناقات متزايدة تتمثّل في شحّ الموارد، وعدم استقرار الشبكات الكهربائية، وتصاعد المخاطر الاقتصادية، بما قد يقوّض النمو الذي يُفترض بهذه التقنيات أن تدعمه. ومع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى بنية أساسية عابرة للقطاعات، لم يعد السؤال ما إذا كانت مراكز البيانات ستواصل التوسّع، بل ما إذا كان العالم قادرًا على توليد طاقة نظيفة كافية لاستدامة هذا التوسّع. وفي ظلّ تجاوز الطلب الحالي قدرات الشبكات التقليدية في مناطق رئيسية، تتّضح حقيقة مفادها أنّ إتاحة الطاقة—لا الابتكار التقني وحده—ستغدو العامل الفاصل في تحديد التنافسية العالمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
تتزايد مخاوف الحكومات إزاء الصور والمقاطع الصوتية والمرئية التي تبدو شديدة الواقعية رغم كونها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. فهذه التزييفات العميقة تُسهِم في الانتشار الواسع للمعلومات المضلِّلة، وتُلحق، في بعض الحالات، أضرارًا مباشرة بالأمن الوطني من خلال تقويض ثقة الجمهور بالمؤسسات والعمليات الانتخابية، فضلًا عن تأجيج العنف السياسي. وفي المقابل، يعجز الجمهور العام ومستخدمو المنصات الرقمية عن التمييز بين المحتوى الحقيقي وذلك المُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي، بما يفضي إلى تفاقم التضليل وتعميق الاستقطاب، وإلى تحويل البيانات الشخصية إلى سلعة تُستثمر تجاريًا من قِبل الشركات التقنية الكبرى. وبناءً على ذلك، فإن التسارع المتزايد في انتشار التزييفات العميقة يفرض ضرورة التحرّك العاجل لتهيئة بيئة تنظيمية قادرة على استيعاب هذا الواقع الجديد وضبط مساراته.
يمثّل الاعتماد على الشركات التقنية في الحد من المعلومات المضلِّلة تحدّيًا بالغ التعقيد، إذ تواجه هذه الشركات صعوبات جوهرية في ضبط محتوى التزييف العميق نظرًا لاتّساع نطاق تداوله وتعدّد الجهات القادرة على إنتاجه. وبالتالي، فإن إقدام شركة واحدة على تنظيم هذا المحتوى سيؤدّي حتمًا إلى تراجع أرباحها، مع انتقال المستخدمين إلى مزوّدين آخرين أقل تقييدًا. يضاف إلى ذلك أنّ هذه الشركات تجني عوائد مالية من عرض الإعلانات، عن غير قصد، على مواقع تنشر معلومات مضلِّلة. ومن ثمّ، تبرز حاجة ملحّة لتدخّل جهة خارجية تمتلك القدرة على فرض الأطر التنظيمية والاستراتيجيات الكفيلة بالحدّ من تفاقم انتشار المعلومات المضلِّلة عبر الفضاء الرقمي.
ترصد هذه الدراسة اتجاهات الرأي العام في المجتمعات العربية تجاه الذكاء الاصطناعي، وذلك استنادًا إلى بيانات جُمعت في نوفمبر 2025، مع تركيز خاص على الاعتماد المتزايد على نماذج أجنبية وتداعيات ذلك على القيم الثقافية والهوية العربية. وتُبرز النتائج تنامي المخاوف إزاء الدور الذي قد تؤديه أنظمة الذكاء الاصطناعي في التأثير على الأعراف السائدة، وإعادة تشكيل الهوية الجمعية، وإعادة ترتيب الأولويات المجتمعية، بما يحمله ذلك من آثار بعيدة المدى.
ومن خلال تحليل تصوّرات الرأي العام بشأن الحاجة إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية، والجهات التي ينبغي أن تتولّى قيادتها، تُقدّم هذه الدراسة قراءة معمّقة لكيفية تحوّل الاعتماد التكنولوجي، على نحو متزايد، إلى قضية ذات أبعاد استراتيجية وثقافية مرتبطة بالهوية في مختلف أنحاء العالم العربي.
أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ركيزة بنيوية صاعدة في تشكيل أنماط العمل والفاعلية داخل المجتمعات الحديثة. وقد أظهر استطلاع أجرته شركة KPMG بشأن استخدامات الذكاء الاصطناعي أنّ 66% من المشاركين باتوا يعتمدون عليه في مجالي العمل والحياة الشخصية؛ إذ أفاد 38% منهم باستخدامهم اليومي أو الأسبوعي لهذه الأنظمة، بينما أوضح 28% أنهم يلجأون إليها بوتيرة شبه منتظمة بما يكشف مدى تغلغل الذكاء الاصطناعي في الممارسات والسلوكيات الاجتماعية المعاصرة.
تشير هذه النتائج إلى أنّ غالبية المستجيبين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ وظائفهم اليومية، سواء ارتبطت بالعمل أو الدراسة أو الاحتياجات الشخصية. علاوة على ذلك، اتّسع نطاق هذا الاعتماد ليشمل الحكومات والأنظمة المالية العالمية والدول، إذ تعتمد هذه الجهات على منظومات الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة الخدمات وتسريع وتيرة تقديمها. ويُبرز ذلك كيف غدا الذكاء الاصطناعي جزءًا متجذرًا في النسيج البنيوي للمجتمع العالمي.
تخيّل الآن أن تتوقف جميع أنظمة وبرامج الذكاء الاصطناعي عن العمل في يومٍ واحد. ورغم أن احتمالات وقوع مثل هذا السيناريو ضئيلة، فإنه ليس مستحيلًا، كما أن العواقب الناجمة عن الاعتماد المفرط على هذه الأنظمة قد تكون مدمّرة. فحدوث شلل عالمي في الذكاء الاصطناعي سيضرب الاقتصاد العالمي ويزعزع توازن الجغرافيا السياسية، وقد يؤدّي إلى تبخر تريليونات من القيمة السوقية في البورصات، فضلًا عن كوارث خطيرة تطال الأمن الوطني في مختلف أنحاء العالم.
أصبحت أشباه الموصلات ساحةَ تنافسٍ إستراتيجي عالمي بين القوى الكبرى، لدرجةٍ يُطلق عليها البعض "النفط الجديد" نظرًا لأهميتها الاقتصادية والأمنية. فالرقائق الدقيقة تدخل في كل شيء، من الإلكترونيات الاستهلاكية والسيارات إلى أنظمة التسلح المتقدمة. هذا الدور المحوري جعل السباق التقني بين الولايات المتحدة والصين على أشده في هذا المجال، مع تأثيراتٍ جيوسياسية واضحة. وتؤكد تقارير متخصصة أن نتيجة سباق الابتكار في صناعة الرقائق ستحدد أي دولة ستقود تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، لما لذلك من تبعاتٍ إستراتيجية واقتصادية هائلة.
اتخذت الولايات المتحدة خطواتٍ حازمة لحماية تفوقها التقني، فأصدرت على مراحل منذ عام 2022 قيودًا صارمة على تصدير التقنيات والمعدات المتعلقة بالرقائق إلى الصين. شملت هذه القيود منع تصدير أنواعٍ متقدمة من الشرائح والحواسيب الفائقة وأدوات التصنيع، كما وضعت عشرات الشركات الصينية على قوائم سوداء. الهدف المعلن هو شلّ قدرة الصين على الوصول إلى التقنيات اللازمة لصنع الشرائح المتقدمة التي قد تعزز قدراتها العسكرية أو التجسسية. وقد نجحت هذه السياسة جزئيًا في إرباك قطاع أشباه الموصلات الصيني ورفع أسعار بعض الرقائق النادرة، لكنها في الوقت نفسه دفعت الصين إلى الرد باستنفار جهودها الذاتية؛ إذ ضخت دعمًا هائلًا لتطوير ابتكارات محلية يمكن أن تتجاوز التقنيات الحالية، مما يثير احتمال تفوقٍ صينيٍّ مفاجئ يقفز على ريادة الغرب التقنية. أي أن سلاح العقوبات التقنية جعل بكين أكثر تصميمًا على تحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، رغم ما تواجهه من تحديات.
على الجانب الآخر، لم تقف الصين مكتوفة الأيدي في هذا الصراع. فإضافةً إلى الاستثمارات الضخمة في شركاتها المحلية، استخدمت بكين أوراق ضغطٍ تجارية ضد الغرب. ومثالٌ حديث على ذلك ما حدث في أكتوبر 2025 حين حظرت الصين تصدير رقاقات شركة Nexperia (وهي شركة أوروبية تمتلك مصانع في الصين) ردًا على إجراءٍ هولندي بوضعها تحت الوصاية وإبعاد مديرها التنفيذي الصيني. سبّب هذا الحظر الصيني المفاجئ أزمةً لمصنّعي السيارات في أوروبا واليابان، إذ أعلن اتحاد مصنّعي السيارات الأوروبي أن مصانعهم على وشك التوقف خلال أيامٍ بسبب نقص الشرائح الحيوية للإنتاج. كما حذّرت شركات كبرى مثل Volkswagen وNissan من نفاد مخزونها الاحتياطي من الرقائق ما لم يتم إيجاد حلٍّ دبلوماسي عاجل. كذلك تأثرت أوروبا بقيودٍ صينية أخرى على تصدير المعادن الأرضية النادرة، ردًا على قيودٍ أمريكية. هذه الحرب التجارية التقنية باتت تهدد سلاسل التوريد الصناعية عالميًا، وتستدعي تحركاتٍ سياسية رفيعة المستوى، إذ سعى مسؤولون من الاتحاد الأوروبي إلى التفاوض مع بكين لتخفيف حدة هذه الإجراءات.
بلغ تسييسُ أشباه الموصلات حدًّا جعلها ضمن أوراق التفاوض الجيوستراتيجية. فالولايات المتحدة لا تضغط على الصين فحسب، بل توسّع مظلة قيودها لتشمل دولًا ثالثة خشية تسرب التقنيات إلى بكين. وفي أكتوبر 2023 وسّعت واشنطن قيود التصدير لتشمل أيَّ دولٍ تخشى أن تعيد تصدير هذه الشرائح إلى الصين أو دولٍ منافسة، مما جعلها تشترط منح ترخيصٍ خاص لتصدير أحدث الرقاقات حتى إلى حلفائها في الشرق الأوسط. وقد أثار هذا الموقف استياءً ضمنيًا لدى دول المنطقة التي رأت فيه إعاقةً لطموحاتها التقنية، لكنه في الوقت نفسه دفعها إلى توثيق التعاون مع واشنطن، وأيضًا إلى التركيز على بناء قدراتٍ وطنية في صناعة الرقائق، كما فعلت السعودية والإمارات مؤخرًا.
يدرك الجميع أن مركز الثقل في صناعة أشباه الموصلات عالميًا هو شرق آسيا (تايوان وكوريا الجنوبية واليابان تحديدًا)، مما يزيد حساسية الخلافات السياسية حول تايوان بوصفها مقر شركة TSMC العملاقة. كما أن أي توترٍ عسكري هناك قد يؤدي إلى هزةٍ في إمدادات الرقائق عالميًا، ما يجعل قضية الرقائق مرتبطةً بالأمن الدولي بقدر ارتباطها بالاقتصاد. وهكذا بات الصراع على أشباه الموصلات محرّكًا للسياسات، من تحالفاتٍ تجارية جديدة إلى اتفاقاتٍ تمنح امتيازاتٍ لدولٍ في مجال الذكاء الاصطناعي مقابل ضماناتٍ أمنية. إنه صراعٌ تقني بمضامين حربٍ باردة حديثة، سيكون له تأثيرٌ عميق على خرائط التحالفات والنزاعات الدولية كما سنناقش لاحقًا.
أصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أولويةً قصوى على مستوى العالم نظرًا لإمكاناته الاقتصادية الهائلة وتأثيره المستقبلي في كل القطاعات. وتشير تحليلاتٌ حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو رقم مذهل يعكس التحول الجذري المتوقع مع تبنّي هذه التقنية. وتنتظر منطقة الشرق الأوسط مكاسب كبيرة، إذ يُقدَّر أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 320 مليار دولار في اقتصاد المنطقة بحلول عام 2030، ما يعادل 11% من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة أعلى في دول الخليج الرائدة تقنيًا. ومن المتوقع أن يشكّل الذكاء الاصطناعي حوالي 13.6% من اقتصاد الإمارات (قرابة 96 مليار دولار) و12.4% من اقتصاد السعودية (حوالي 135 مليار دولار) بحلول عام 2030. هذه التوقعات تفسر لماذا تتسابق الحكومات والشركات على ضخ الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتطوير استراتيجياتٍ وطنية له.
على الصعيد العالمي، تضاعف الإنفاق على أبحاث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، إذ تتسابق الشركات الكبرى مثل مايكروسوفت وجوجل وأمازون لدمج نماذج الذكاء الاصطناعي في خدماتها ومنتجاتها، مما أدى إلى ارتفاعٍ هائل في قيمة شركات الرقائق. فشركة Nvidia الأمريكية مثلًا بلغت قيمتها السوقية 2.6 تريليون دولار في منتصف عام 2024 بعد نجاحها في سوق شرائح الذكاء الاصطناعي. هذه الثورة التقنية فرضت نفسها على واضعي السياسات أيضًا، فهناك اليوم أكثر من 60 دولة وضعت استراتيجياتٍ وطنية للذكاء الاصطناعي أو أنشأت هيئاتٍ متخصصة له. وتسعى الاقتصادات الكبرى إلى تأمين الحصة الأكبر من سوق الذكاء الاصطناعي العالمي المتوقع أن يتخطى تريليون دولار سنويًا خلال العقد القادم.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصةً تاريخية لتنويع الاقتصاد والتحول إلى مجتمعاتٍ معرفية. ودول الخليج خصوصًا، السعودية والإمارات في المقدمة، تستثمر بقوة في التعليم والتدريب والبحث والتطوير المرتبط بالذكاء الاصطناعي. فقد أعلنت السعودية عام 2020 عن استراتيجيةٍ وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي بهدف أن تصبح من أعلى 15 دولة في هذا المجال بحلول عام 2030، ورصدت موارد مالية وبشرية كبيرة لتحقيق ذلك، منها إطلاق شركة وطنية برأسمال 15 مليار دولار كـ"بطل وطني" للذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى صندوقٍ عالمي للاستثمار في هذا المجال بقيمة 40 مليار دولار بالشراكة مع مستثمرين دوليين. وتشير هذه الأرقام إلى مدى الجدية في تحويل الاقتصاد السعودي ليكون قائمًا على المعرفة والابتكار.
أما الإمارات فكانت سبّاقةً في هذا المضمار؛ إذ عيّنت منذ عام 2017 وزير دولةٍ للذكاء الاصطناعي وأطلقت "استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي". وفي عام 2023 كشف "معهد الابتكار التكنولوجي" في أبوظبي عن نموذج اللغة الضخم Falcon 180B المدرَّب على 180 مليار معامل، مما وضع الإمارات على خريطة تطوير الخوارزميات عالميًا. كما جذب مركز الابتكار G42 في أبوظبي اهتمامًا عالميًا عندما أعلن عن شراكةٍ مع شركاتٍ أمريكية لإنشاء مجمّعٍ للحوسبة الفائقة للذكاء الاصطناعي بطاقة 5 جيجاوات، سيكون الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة. هذا المجمّع سيسمح باستيراد ما يصل إلى 500 ألف شريحة ذكاءٍ اصطناعي متقدمة من نوع Nvidia سنويًا بدءًا من العام الحالي بموجب اتفاقيةٍ أمريكية–إماراتية خاصة. وقد وُصفت الصفقة بأنها نصرٌ كبير للإمارات في سعيها لأن تكون لاعبًا عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصةً بعد فترةٍ كانت فيها مقيدةً بالقيود الأمريكية زمن الإدارة السابقة.
إذن، فإن الدول التي تستثمر مبكرًا وبقوة في الذكاء الاصطناعي ستحصد فوائد اقتصادية وإستراتيجية جمّة، وستكون لديها القدرة على رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات - كالصحة والتعليم والنقل وغيرها - عبر حلولٍ ذكية، وخلق صناعاتٍ ووظائف جديدة. أي أن الكفة ترجّح لصالح فرص عملٍ جديدة ونموٍّ اقتصادي يفوقان المخاطر، إذا ما وُضعت التشريعات والسياسات المناسبة لمواكبة هذه التقنية. من هنا نرى حرص دول المنطقة على الريادة في الذكاء الاصطناعي كجزءٍ من سباقٍ عالمي أوسع، سوف يحدد ملامح الاقتصادات القوية والقادرة على المنافسة في العقود القادمة.
في ظلّ تصاعد موجة الحماس إزاء الذكاء الاصطناعي (AI) يوماً بعد آخر، تتنامى في الوقت نفسه الهواجس المرتبطة بتداعياته المحتملة على أسواق العمل واستقرار المجتمعات. وتشير دراسات متعددة إلى أن الأتمتة الكاملة قد تفضي إلى خلخلة البنى الاقتصادية وإرباك المنظومات السياسية. ورغم وجاهة هذه المخاوف وأهميتها، فإن من الأجدر التذكير بأن الذكاء الاصطناعي، كغيره من التحولات التكنولوجية الكبرى، يُجسّد مجالاً مزدوج الأبعاد: فهو يثير القلق من مخاطره بقدر ما يفتح آفاقاً رحبة لفرصه.
إن استدامة المجتمعات المستقرة مرهونة بفاعلية قوة العمل فيها؛ فإلغاؤها كلياً يتناقض مع أبسط مبادئ الاقتصاد مثل العرض والطلب، ويقوّض أسس الاستقرار السياسي التي تقوم على صلابة الطبقة الوسطى وتماسكها. وتُبرز هذه الحقائق البنيوية أن الذكاء الاصطناعي لن يفضي إلى اندثار العمل البشري بصورة مطلقة، بل سيُدمج، سواء عبر مسارات تلقائية أو من خلال سياسات واعية، في أنماط من شأنها الحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي. ومن هذا المنظور، يغدو المستقبل الذي يرسمه الذكاء الاصطناعي أقل قتامة بكثير مما يتوجس منه البعض.