كتب بواسطة

دائماً ما تظل التوقعات السياسية محل شك، حتى تضعها الأحداث على محك الاختبار الحقيقي. في سلسلة "هل كانوا على صواب؟"، نأخذكم في رحلة عكسية؛ نبحث في أوراق الماضي لنقرأ ما تنبأ به المحللون، ثم نصطدم بواقع الحاضر لنكتشف الحقيقة المجردة. واليوم، نضع الخبير "كريستيان بروز" (Christian Brose) تحت مجهر تحليلي دقيق، لنقيّم الإطار النظري لكتابه "سلسلة القتل" (The Kill Chain) في ضوء المعطيات الميدانية لعملية الغضب العارم.

المحلل ومنهجيته

يُعد كريستيان بروز من أبرز محللي التسلح والتكنولوجيا والاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية. إذ شغل منصب مدير هيئة موظفي لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي إبان عهد السيناتور الراحل جون ماكين، قبل انتقاله إلى قطاع تكنولوجيا الدفاع. وفي كتابه الصادر عام ٢٠٢٠ تحت عنوان: “سلسلة القتل: الدفاع عن أمريكا في مستقبل الحرب عالية التقنية“، لا يحلل بروز الأسلحة بوصفها عناصر منفردة، بل يحلل سلسلة القتل ذاتها؛ أي الدورة القتالية الممتدة من الرصد والاستشعار، مروراً باتخاذ القرار، وصولاً إلى التنفيذ والاشتباك. فوحدة التحليل الأساسية لديه هي “الشبكة”، وليست “المنصة”.

 

الأطروحة الأساسية

يرى بروز أن التفوق العسكري الأمريكي لم يعد يرتكز على أعداد محدودة من المنصات التقليدية الضخمة والمأهولة ذات التكلفة الباهظة —كحاملات الطائرات، وأسراب المقاتلات، والمدرعات الثقيلة— التي باتت مكشوفة بشدة أمام الذخائر الدقيقة الرخيصة ومنظومات “منع الوصول وتحريم المنطقة” (A2/AD). فالمستقبل، في نظره، ينتمي للضربات بعيدة المدى من مسافات آمنة (Standoff Strikes)، ولأنظمة القيادة والسيطرة المُدارة بالخوارزميات، ولأسراب الأنظمة الذاتية منخفضة التكلفة القادرة على إغراق دفاعات الخصم بكثافتها العددية. وباختصار: من يُغلق سلسلة القتل بشكل أسرع، هو من يحسم المعركة.

أولاً: ما توقعه بروز وحدث بالفعل؟

انتهاء عصر المنصات التقليدية: أثبتت عملية «الغضب العارم» صحة التشخيص التكتيكي الجوهري لبروز؛ فقد فككت الولايات المتحدة الدفاعات الإيرانية من مسافات آمنة، عبر إطلاق أكثر من ألف صاروخ “توماهوك” (أي نحو ثلث مخزونها العالمي قبل الحرب)، ونحو ١,١٠٠ صاروخ من طراز (JASSM-ER). أدى ذلك إلى تحييد الجزء الأكبر من القاعدة الصناعية والدفاعية الإيرانية قبل أن تضطر الطائرات المأهولة لاختراق الأجواء المتنازع عليها. وحين تعرضت هذه المنصات العسكرية الثمينة للخطر، كان الثمن فادحاً: إذ وثق تقرير للكونغرس فقدان أو تضرر ٤٢ طائرة أمريكية في غضون أربعين يوماً، شملت إسقاط مقاتلة (F-15E) فوق إيران، وتدمير طائرات تزويد بالوقود (KC-135) على الأرض في قاعدة الأمير سلطان، وإسقاط ٢٤ طائرة مسيرة من طراز (MQ-9 Reaper). وكان ذلك دليلاً دامغاً على أن الأصول العسكرية البطيئة وباهظة التكلفة لا تنجو داخل دوائر التهديد الكثيفة.

 

الدفاع الجوي والصاروخي كطوق للنجاة: أثبتت الوقائع حتمية ما دعا إليه بروز من ضرورة امتلاك دفاعات شبكية تديرها الخوارزميات، فقد اعترضت بطاريات “باتريوت” و”ثاد” و”إيجيس” متعددة الطبقات —والمدمجة عبر نظام آلي للقيادة والسيطرة— أكثر من ألف مسيرة هجومية وما يزيد على ٧٠٠ صاروخ باليستي، وخلال عملية الحرية الرامية لإعادة فتح مضيق هرمز، نجحت مظلة دفاعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في إحباط هجمات إيرانية منسقة استهدفت حركة الملاحة، دون وقوع خسائر أمريكية وفقاً للرواية الرسمية.

 

الكثافة العددية تتغلب على الأصول باهظة الثمن: خاض الطرفان المعركة بأسلوب “الأسراب”، فقد أطلقت إيران في الأيام الأولى أكثر من ألفي مسيرة من طراز “شاهد” لإنهاك الخوارزميات الدفاعية الأمريكية؛ بينما زجت الولايات المتحدة لأول مرة في معركة فعلية بمسيرات (LUCAS) الرخيصة والقابلة للتعويض، تلك التي تبلغ تكلفتها ٥٥ ألف دولار فقط، لتنجح في إغراق الدفاعات الإيرانية وتشتيتها، تماماً كما وصف بروز.

ثانياً: مسارات خالفت التوقعات

عنق الزجاجة يكمن في “المخزون”، لا في “سرعة القرار”: حصر بروز القيد الحاسم في سرعة الاستشعار واتخاذ القرار، لكن عملية «الغضب العارم» أثبتت أن العائق الأكبر يكمن في عمق المخزون الاستراتيجي. إذ استنزفت البحرية الأمريكية نحو ٣٢٪ من رصيدها العالمي من صواريخ “توماهوك”؛ ومُحي عملياً المخزون الكامل لصاروخ الضربات الدقيقة (PrSM) —والذي لم يتجاوز ٩٠ وحدة— كما استُهلكت حصة كبيرة من صواريخ “ثاد” الاعتراضية، لذلك فإن الثابت هنا أنه: لا توجد خوارزمية قادرة على إطلاق صاروخ من منصة دفاع جوي فارغة.

 

زمن التصنيع، لا سرعة الحوسبة، هو الفيصل: تتطلب إعادة إحلال هذه الأسلحة دورات إنتاج صناعية طويلة المدى تجاهلها نموذج بروز المتمحور حول البرمجيات؛ فصاروخ “توماهوك” يحتاج لنحو ٤٧ شهراً من لحظة الاعتماد المالي وحتى التسليم، في حين يحتاج الصاروخ الاعتراضي لمنظومة “ثاد” إلى ٥٣ شهراً، وصاروخ (SM-3 Block IIA) لقرابة ٦٤ شهراً. لذلك فإنه بحلول اليوم الرابع من العمليات، اضطر القادة إلى ترشيد استخدام الذخائر بعيدة المدى والعودة إلى قنابل (JDAM) الموجهة والرخيصة —مما أجبر الطائرات على الاقتراب المباشر من أهدافها، في تناقض صارخ مع رؤيته للضربات من مسافات آمنة. فضلاً عن أن استخدام صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات لإسقاط مسيرات لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف، ما أدى إلى خلق معادلة استنزاف مالي غير مستدامة بلغت تكلفتها قرابة ٢٩ مليار دولار في الشهر الأول وحده.

ثالثاً: فرضيات لم تتحقق

القدرات العسكرية ليست مرنة جغرافياً: يتعامل إطار بروز مع القدرات العسكرية وكأنها أصول سائلة يسهل نقلها بسلاسة، لكن إدامة الجهد الدفاعي في الخليج تطلبت سحب بطاريات “باتريوت” و”ثاد” وأطقم عسكرية من كوريا الجنوبية —رغم الرفض العلني لسيئول، ودون امتلاكها حق النقض— كما أُرجئ تسليم شحنات صواريخ “توماهوك” المُقررة لليابان. فبينما يمكن لتحديثات البرمجيات أن تنتقل بين مسارح العمليات في أجزاء من الثانية، فإن نقل بطارية صاروخية لتأمين جبهة معينة، يعني حتماً كشف جبهة أخرى وخلق ثغرة أمنية فيها.

 

اللوجستيات تخضع لقوانين الفيزياء، لا لسرعة الشبكات: لا تملك المدمرات البحرية القدرة على إعادة تلقيم خلايا الإطلاق العمودية في عرض البحر، مما أجبر السفن المستنفدة لذخائرها على قطع آلاف الأميال لإعادة التسليح، فيما دفعت قرارات دول الخليج بعدم استخدام القواعد العسكرية على أراضيها بخطوط الإمداد اللوجستي نحو جزيرة “دييغو غارسيا” النائية. بالتالي فإن ما تجلى هو أنه قد يمتلك القائد القدرة على الاستشعار واتخاذ القرار ببراعة مطلقة، لكن إذا كانت منصة الإطلاق تقبع على بُعد ١,٥٠٠ ميل لإعادة التذخير، فإن «سلسلة القتل» ستعجز ببساطة عن إنجاز مرحلة “الفعل”.

 

قدرة الخصوم على الالتفاف حول «سلسلة القتل» برمتها: يفترض نموذج بروز حدوث اشتباك عسكري مباشر. لكن إيران اختارت خوض حرب اقتصادية هجينة شملت: تلغيم وحصار مضيق هرمز، وتوجيه ضربات استراتيجية لمنشآت “رأس لفان” و”رأس تنورة” و”حبشان”، وشل مرافق حيوية للطاقة والمياه تابعة لدول محايدة. ونتيجة لذلك، تأرجحت أسعار النفط بعنف بين ٧٧ و ١١٩ دولاراً للبرميل؛ وانزلقت دول من الجنوب العالمي —كالفلبين وتايلاند وفيتنام ولاوس— في أزمات طوارئ طاحنة لنقص الوقود، وهنا تجلى بوضوح أن امتلاك سلسلة قتل عسكرية مُحكمة، لم يكن كافياً لحماية الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه.

الخلاصة

أصاب بروز في قراءة “طبيعة” الحرب الحديثة، لكنه أخطأ في تقدير “حساباتها المادية”، إذ كانت قراءته للمشهد التكتيكي للقرن الحالي قراءة صحيحة: فالمنصات التقليدية المأهولة باتت مكشوفة، والضربات عن بُعد مع الدفاع الموجه بالذكاء الاصطناعي أصبحا ضرورة لا غنى عنها، والكتلة القتالية القابلة للاستهلاك أثبتت قدرتها على الحسم —وهي استنتاجات أكدتها عملية الغضب العارم بالكامل.

 

لكنه حين توّج البرمجيات والخوارزميات والشبكات كمركز للثقل الاستراتيجي في المعركة، استخفّ بوزن المتغيرات المادية الراسخة —كالقدرة الإنتاجية للمصانع، وعمق المخزون الاستراتيجي، وخطوط الإمداد البحري، والموافقات السياسية للدول المضيفة، والتشابكات الاقتصادية العالمية— وهي ذات العوامل التي حكمت في نهاية المطاف مدى قدرة الولايات المتحدة على مواصلة القتال.

 

لذا، ينقسم الحكم على أطروحته بإنصاف إلى شقين: تشخيص بارع للداء التكتيكي، يرافقه خطأ جسيم في قراءة الدواء الاستراتيجي، والدرس الأهم الذي نستقيه هنا في فن الاستشراف العسكري هو أن النموذج التحليلي لا يستمد قوته إلا من متانة الافتراضات التي تُركت دون تمحيص، وفي المحصلة؛ قد تقرر “البرمجياتُ” مَن يطلق النار أولاً، لكن “القاعدة الصناعية” هي التي تقرر حتماً مَن يظل واقفًا على قدميه أخيراً.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *