ابق على علمٍ بأحدث الأبحاث والتحليلات من خلال المنشورات والدوريات والإصدارات الخاصة ومنشورات الفعاليات التي نصدرها، حيث تقدم تعليقات الخبراء لدينا رؤى قيمة حول العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
يرتكز الاقتصاد العالمي المعاصر على بنية تحتية رقمية ومادية متداخلة، حيث تعتمد استمرارية الأسواق الدولية على شبكة من كابلات الألياف الضوئية البحرية يبلغ طولها الإجمالي نحو ١,٣ مليون كيلومتر. تتولى هذه المنظومة الاستراتيجية نقل ما يتراوح بين ٩٥-٩٩٪ من حركة الاتصالات الرقمية العابرة للقارات، وتوفر القاعدة الأساسية لتسوية تحويلات مالية يومية تقارب قيمتها ١٠ تريليونات دولار. وفي حين تركزت التحليلات الجيوسياسية تاريخياً على تأمين الممرات المائية السطحية لضمان التدفق المستمر لموارد الطاقة التقليدية، أثبتت التحولات الراهنة أن استدامة النظام الاقتصادي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن هذه الشبكات المغمورة.
وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح تام في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، حيث تتطابق المسارات الجغرافية الحاكمة لحركة التجارة وسلاسل إمداد الطاقة مع خطوط عبور البيانات العالمية. ويمثل مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه ٢١ ميلاً بحرياً، النقطة المحورية لهذا التداخل، إذ يمر عبره قرابة ٢١ مليون برميل من النفط الخام وثلث إمدادات الغاز الطبيعي المسال يومياً، وبالتوازي مع ذلك، يمر عبر قاعه ١٧ نظاماً من الكابلات البحرية التي تنقل نحو ٣٠٪ من إجمالي حركة الإنترنت الدولية، ويؤدي هذا التركز المكاني الكثيف للبنى التحتية المادية والرقمية في نطاق جغرافي ضيق إلى خلق انكشاف أمني بالغ الخطورة، مما يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر منهجية متصلة بالتوترات الإقليمية.
وقد تحولت هذه المخاطر الهيكلية من نطاق التقييمات النظرية إلى واقع ميداني إثر اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في مطلع عام ٢٠٢٦ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضمن العمليات التي عُرفت باسم "الغضب الملحمي". أفرزت هذه المواجهات تغيراً جذرياً في العقيدة العسكرية الإيرانية؛ ففي ظل التحديات التي واجهت قدراتها العسكرية التقليدية لإعاقة حركة النقل السطحي للطاقة، برز توجه استراتيجي جديد يعتمد على التهديدات غير المتماثلة، ويتمثل هذا التطور النوعي في الانتقال من التلويح التقليدي بإغلاق الممرات الملاحية أمام ناقلات النفط، إلى استهداف شبكات كابلات الإنترنت البحرية وتوظيف إتلافها المتعمد كأداة للردع والضغط الجيوسياسي. ويعكس هذا التحول استغلالاً مدروساً لنقاط الضعف المادية الكامنة في البنية التحتية المدنية لتعويض الاختلال في موازين القوى، مما ينذر بتداعيات تتجاوز حدود النزاع الإقليمي لتؤثر بشكل مباشر على أسس الاقتصاد الرقمي في بيئة تتسم بتصاعد الحروب الهجينة وعسكرة المجال البحري.
كما يفرض هذا النمط المستحدث من التهديدات واقعاً يُصنف أكاديمياً بمفهوم الأزمة المزدوجة والمتزامنة، وهو مسار يؤدي فيه القطع المنهجي للكابلات البحرية إلى شلل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتدهور حاد في البنية التحتية الرقمية عبر مناطق الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا في آن واحد، وتتجاوز التداعيات المباشرة لهذا السيناريو مجرد انقطاع خدمات الاتصالات عن الأفراد، لتمتد مسببة إرباكاً تاماً لأنظمة المقاصة المالية الإلكترونية التي تدير استثمارات صناديق الثروة السيادية، وشللاً في مراكز القيادة والتحكم الرقمية التابعة لتكتلات الطاقة الحكومية. كما يترتب على هذا الاستهداف تعطيل شبكات القيادة والسيطرة العسكرية، وقطع قنوات الاتصال الضرورية لإدارة الملاحة البحرية وإعادة توجيه السفن أثناء الأزمات، فضلاً عن تقويض البنى التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تعتمد عليها دول المنطقة في استراتيجيات التنويع الاقتصادي.
وتستند واقعية هذه التهديدات إلى سوابق مادية حديثة أثبتت الانكشاف الفعلي لهذه المنظومة، أبرزها الأعطال التي لحقت بكابلات البحر الأحمر إثر غرق السفينة روبيمار في عام ٢٠٢٤، وما تبعها من انقطاعات متعددة للخطوط في المنطقة ذاتها خلال شهر سبتمبر من عام ٢٠٢٥، مما يؤكد هشاشة هذه الشبكات أمام الحوادث العارضة والعمليات التخريبية المتعمدة.
وتأسيساً على هذه المعطيات الاستراتيجية والاقتصادية المعقدة، تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومفصل للتبعات المترتبة على هجوم واسع النطاق يستهدف البنية التحتية للاتصالات البحرية في الخليج العربي. عبر فحص القدرات التقنية والعسكرية المتاحة للجانب الإيراني لتنفيذ عمليات التخريب المادي تحت سطح البحر، وتحليل الدوافع الاستراتيجية الكامنة وراء هذا التصعيد غير المتماثل. ومن خلال دمج السوابق التاريخية القريبة مع البيانات المحدثة حول مستويات الاعتماد الرقمي الإقليمي والدولي للوقوف على حجم الخسائر المتوقعة في حال تنفيذ هذا السيناريو.
تفرض ظاهرة الهجرة المناخية تحدياتٍ جيوسياسية وإنسانية متشابكة، مُلقيةً بضغوطٍ متزايدة على الدول في مختلف مراحل سلسلة الهجرة. ووفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن البنك الدولي، يُتوقّع أن تُجبر التغيرات المناخية القاسية، وما يترتب عليها من كوارث طبيعية تشمل موجات الحرّ الحادة، والجفاف الممتد، وتراجع المحاصيل، والفيضانات المدمرة، نحو 143 مليون شخص في دول الجنوب العالمي على النزوح القسري بحلول عام 2050. وتُفرز هذه الكوارث أخطاراً جسيمة، لا سيّما في الدول النامية التي تعاني أساساً من ضعفٍ بنيويٍّ في خدماتها الأساسية ومواردها المالية المحدودة، وهو واقعٌ يدفع غالبية سكانها إلى العيش تحت خط الفقر. وفي ظل هذا السياق المأزوم، تتصاعد موجات الهجرة المناخية بشكلٍ ملحوظٍ نحو دول الشمال، حيث يبحث الأفراد عن ظروفٍ معيشيةٍ أكثر استقراراً وأمناً، هرباً من تداعياتٍ تُفاقم هشاشة أوطانهم الأصلية وتُهدد مقومات بقائهم.
تحتل منطقة شمال أفريقيا، بحكم موقعها الجغرافي الرابط بين الجنوب العالمي وأوروبا، محورَ عبورٍ استراتيجيًّا لهؤلاء المهاجرين، فيما يُمثّل جنوب أوروبا البوابة الأساسية للدخول إلى دول الشمال العالمي. وتُلقي هذه الضغوط المتزايدة للهجرة المناخية بظلالها الثقيلة على كلتا المنطقتين، مُولّدةً بيئةً خصبةً لاضطراباتٍ محتملةٍ قد تمتد آثارها عبر ضفتي البحر الأبيض المتوسط، بما يُهدد استقرار التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة. وفي محاولةٍ لإدارة هذه التدفقات المتصاعدة، تنخرط "دول المقصد" الأوروبية في تفاعلاتٍ معقدة مع "دول العبور" ضمن إطار ما يُعرف بـ "دبلوماسية الهجرة". وتقوم هذه الاستراتيجية على منح دول المقصد حوافز متنوعة، تشمل تسهيلات التأشيرات وفرصاً استثمارية، لدول العبور، مقابل تبني الأخيرة إجراءاتٍ فعالة لاحتواء المهاجرين غير النظاميين القادمين من أراضيها وتشديد الرقابة على حدودها، بينما يُقدَّم دعمٌ اقتصادي واستثماري موازٍ لدول المنشأ بهدف معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة.
وعلى الرغم من أن هذه الأساليب الدبلوماسية قد تُحقّق نجاحاً نسبياً في حالاتٍ معينة، أثبتت التجارب المتكررة قصورها في مواقف عديدة. ومع التفاقم المتوقع للاضطرابات المناخية، يُتوقع أن تتزايد موجات الهجرة الناتجة عن تغير المناخ، بما يُنذر بتآكل فعالية تلك الأدوات تدريجياً وصولاً إلى انعدام جدواها، وهو ما سيُحتّم على دول المقصد ابتكار آلياتٍ أكثر فاعلية واستدامة. وتُشير الدلائل إلى احتماليةٍ مرتفعةٍ لحدوث تداعياتٍ جسيمة تطال الجانبين؛ إذ قد تواجه دول العبور ضغوطاً متنامية على مواردها المالية تفوق قدرتها الحالية، بالتوازي مع تصاعدٍ ملموسٍ في حجم التهديدات الأمنية. وفي المقابل، قد تشهد دول الدخول تفاقماً في الأعباء الاقتصادية، وتوتراتٍ سياسية، واحتداماً في الاستقطابات الثقافية، بما يمنح التيارات اليمينية المتطرفة زخماً متزايداً قد يُفضي إلى تغييراتٍ جوهرية في بنية الاتحاد الأوروبي. وبذلك، تُنذر الهجرة المناخية بالتحول إلى تهديدٍ بالغ الخطورة على الاستقرار الإقليمي ما لم تُعتمد إجراءاتٌ فعالة وتنسيقٌ مشترك لاحتواء آثارها.
وعليه، تستعرض هذه الورقة البحثية الأثر المزعزع للاستقرار الذي قد تُخلّفه الهجرة الناجمة عن التغير المناخي على دول العبور في شمال أفريقيا ودول الدخول في جنوب أوروبا. وتنقسم الورقة إلى أربعة محاور رئيسية، هي: تدهور المناخ، والانعكاسات على دول العبور، والانعكاسات على دول الدخول، والحلول المقترحة. وتتناول الورقة التداعيات الاقتصادية والسياسية والأمنية المترتبة على هذه الظاهرة، مُؤكدةً الحاجة إلى تبني تدابير مخصصة تتلاءم مع أوضاع الدول المتضررة. وتخلص إلى ضرورة أن يُقدم الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز حلول الصمود والإنذار المبكر، حوافز أكثر جاذبية لدول شمال أفريقيا، وأن تُصاغ المقترحات بما ينسجم مع الواقع الفعلي والمتطلبات الاقتصادية والأمنية للدول الأفريقية، بما يُسهم في بناء شراكاتٍ متوازنة تُعالج جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
يواجه لبنان اليوم مفترق طرق حاسم يهدد سيادته الوطنية بشكل مباشر، ويتجلى هذا التحدي في قضية حصر سلاح حزب الله. ففي الخامس من أغسطس 2025، أصدرت الحكومة اللبنانية قرارًا مهمًا يكلف القوات المسلحة بوضع خطة لإرساء احتكار الدولة للأسلحة، بحيث يقصر حمل السلاح على مؤسسات الدولة فقط، تنفيذًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل، مع الالتزام بتنفيذ الخطة قبل نهاية العام الجاري. ويُعتبر هذا القرار نقطة تحول استراتيجية تضع حزب الله أمام خيارات معقدة، ما بين نزع السلاح الطوعي، أو التوجه نحو التحول السياسي، أو مواجهة عسكرية مباشرة مع الجيش اللبناني.
أما حزب الله، فيرفض هذا القرار بوصفه خطيئة كبرى، مهددًا بتجاهله، واعتبار نزع السلاح تهديدًا مباشرًا لمقاومة لبنان في مواجهة العدوان الخارجي. ويواجه القرار تحديات جمة نظرًا للدعم الشعبي والسياسي الكبير الذي يحظى به الحزب، بالإضافة إلى المناورات السياسية الرامية إلى عرقلة تنفيذ أي إجراءات تستهدف سلاحه. وفي ظل هشاشة النظام السياسي والطائفي في لبنان، تبرز مخاطر كبيرة من اندلاع مواجهة تؤدي إلى تصاعد الاحتقان الداخلي وزعزعة الاستقرار الأمني، مما يجعل أي صدام عسكري مباشر بين الجيش وحزب الله محفوفًا بالمخاطر، مع احتمال تفاقم الانقسامات الطائفية واتساع دائرة العنف. فهل سيتمكن الجيش اللبناني من مواجهة حزب الله؟
تُشكّل أزمة تخصيب اليورانيوم في إيران المحور الجوهري للصراع النووي القائم، حيث تتقاطع الاعتبارات التقنية مع محددات السيادة الوطنية، ويتداخل القانون الدولي مع منطق الردع الاستراتيجي. فمن منظور الجمهورية الإسلامية، يُعدّ امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، بما في ذلك التخصيب على أراضيها، حقًا أصيلًا ومكفولًا بموجب المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT). غير أن هذا "الحق" يتجاوز في الوعي السياسي الإيراني كونه خيارًا تكنولوجيًا، ليتحوّل إلى رمز سيادي وركيزة في سردية الاستقلال الوطني والتحدي لهيمنة القوى الغربية.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى التقنية ذاتها بوصفها البوابة المباشرة نحو إنتاج سلاح نووي. فالمعمار الفني القائم على أجهزة الطرد المركزي يتيح – مع توافر القرار السياسي – الانتقال من التخصيب المنخفض إلى إنتاج مادة انشطارية قابلة للتفجير خلال أسابيع معدودة. وقد تعاظمت هذه المخاوف بصورة غير مسبوقة عقب تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مايو 2025 أن إيران راكمت ما يزيد عن 400 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصب بنسبة 60%، وهو ما يكفي نظريًا لإنتاج ثلاث إلى خمس قنابل نووية بمجرد رفع النقاء إلى 90%، دون حاجة لإضافة بنية تحتية جديدة.
الخبرة التاريخية الإيرانية – من حرمانها من حصتها في مشروع Eurodif عام 1979 إلى انهيار مبادرة مفاعل طهران البحثي عام 2009 – عززت قناعة راسخة لدى النخبة الحاكمة بأن الاعتماد على الخارج في تأمين الوقود النووي ليس خيارًا موثوقًا. ومن ثمّ، فإن أي صيغة تفاوضية تتطلب التخلي عن التخصيب المحلي تُعدّ، من المنظور الإيراني، مساسًا جوهريًا بالكرامة السيادية والأمن الاستراتيجي للدولة.
وعليه، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في مستويات التخصيب أو أعداد أجهزة الطرد، بل في البنية السياسية العميقة لانعدام الثقة المتبادل. ولن يكون ممكنًا بلوغ تسوية مستدامة إلا ضمن إطار أمني أشمل يُعيد تعريف العلاقة بين إيران والنظام الإقليمي والدولي على أسس جديدة.
لذلك ينطلق هذا التحليل من مقاربة متعددة المستويات تُعالج أزمة التخصيب الإيراني بوصفها مسألة تتجاوز الطابع التقني، لتلامس جوهر الصراع بين السيادة الوطنية وهواجس الانتشار النووي. ويتناول التحليل أربعة محاور رئيسية: الخصائص التقنية للتخصيب، الدوافع السياسية والاستراتيجية الإيرانية، الحسابات الأمنية الغربية، وأطر الحلول المقترحة، مع التأكيد على أن أي تسوية دائمة تقتضي إعادة تعريف العلاقة بين إيران والنظام الدولي.
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم التهديدات، يصبح من غير الكافي أن نكون شهودًا على الكوارث بعد وقوعها، بل تصبح الحاجة ماسة إلى الرؤية الاستباقية، والتحرك قبل أن تدق ساعة الخطر. من هنا، يأتي هذا الإصدار الدوري من مركز الحبتور للأبحاث، تحت عنوان “سفينة نوح”، ليكون بمثابة جرس إنذار مبكر، ودعوة للاستعداد قبل فوات الأوان.
ولم يكن اختيار اسم “سفينة نوح” عنواناً لهذا العدد من قبيل المصادفة، فكما كانت تلك السفينة رمزًا للنجاة المبكرة من طوفان اجتاح العالم، نأمل أن يكون هذا الإصدار بمثابة سفينة معرفية تحمل في طياتها وعيًا مبكرًا بالمخاطر، ورؤية استراتيجية لمواجهتها والتأقلم معها. إنه محاولة لتجاوز ردود الفعل المتأخرة نحو بناء قدرة حقيقية على الاستباق والتخطيط والنجاة.
يندرج هذا العمل ضمن سلسلة الإصدارات الدورية التي يحرص مركز الحبتور للأبحاث على تقديمها، بوصفه مركز فكر عربي مستقل، يتبنى مقاربة تقوم على الإنذار المبكر واستشراف التهديدات الكبرى التي قد تطال الوطن العربي، سواء كانت ناتجة عن عوامل طبيعية، أو بفعل التطورات السياسية والتكنولوجية والصراعات الإقليمية والدولية.
وفي هذا العدد، نخوض تجربة غير تقليدية، حيث نسلط الضوء على أنماط من المخاطر التي لم تحظَ باهتمام كافٍ من قبل مراكز الفكر في العالم العربي، رغم أنها تحمل في طياتها تهديدات وجودية حقيقية. فنحن لا نتناول فقط المخاطر الأمنية والسياسية المألوفة، بل نذهب إلى أبعد من ذلك، نحو ملفات قلّما تجد طريقها إلى الأجندات البحثية العربية، ومنها: البراكين والكويكبات والعواصف الشمسية والتهديدات القادمة من الفضاء الخارجي، وما يمكن أن تمثله من أخطار على الحياة على الأرض والمنطقة العربية، كذلك المخاطر النووية، سواء تلك الناجمة عن الحروب، أو عن حوادث تسرب إشعاعي، أو حتى كسيناريوهات محتملة مرتبطة بالهجمات السيبرانية على منشآت نووية، كما يتطرق أيضا إلى الأوبئة والجوائح، ليس فقط من زاوية انتشار الأمراض، بل من حيث آثارها الهيكلية على الاقتصادات والمجتمعات، وارتباطها بتحولات النظام العالمي.
إن هذا الإصدار لا يدّعي امتلاك الإجابات النهائية، لكنه يطمح لأن يكون خطوة أولى نحو بناء وعي جمعي أكثر حساسية للمخاطر، وأكثر قدرة على الاستعداد لها. فالمعرفة، حين تكون مبكرة، تتحول إلى قوة. والاستشراف، حين يكون دقيقًا، يتحول إلى أداة إنقاذ.
نضع بين أيديكم هذا العمل في وقت دقيق، ونأمل أن يسهم في فتح نوافذ جديدة للنقاش والتخطيط، وأن يكون مدخلًا لتعاون عربي أوسع في مجال رصد المخاطر وبناء أنظمة فعّالة للإنذار المبكر.
تعكس المعلومات الواردة في هذا الإصدار الوضع القائم حتى مايو 2025. نُلفت عنايتكم إلى أن التطورات قد تطرأ بسرعة، مما قد يجعل بعض التفاصيل الواردة قديمة أو غير محدثة منذ ذلك التاريخ.
تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللحظة الراهنة على مفترق طرق، وتمر بلحظة حاسمة ستتشكل وفقا لها اتجاهات التفاعلات والعلاقات بين الدول، ومستقبل الأمن الإقليمي الذي مر بتهديدات حاسمة خلال الفترة القليلة الماضية، لذا يحاول الإصدار الراهن الذي أعده فريق من الباحثين المتمرسين بمركز الحبتور للأبحاث استشراف تلك التهديدات التي تواجه المنطقة ورسم خريطة سياسية واقتصادية وأمنية لشكل المنطقة خلال السنوات القادمة، وذلك من خلال مجموعة من التحليلات التي تتطرق للتحديات الجيواقتصادية وتأثيراتها على مستقبل المنطقة في ظل موجة التغيرات الكاسحة التي يشهدها النظام العالمي من ملامح صراعات اقتصادية أثرت وتتأثر بما يحدث من تصعيد أمني وعسكري، والذي خلف تغييراً في خريطة القوى الدولية ومن المتوقع أن يغير بصورة كبيرة ملامح النظام العالمي الحالي، هذا بالإضافة إلى ما خلفته حالة عدم اليقين القائمة على مخاطر تهدد المستقبل الاقتصادي للدول وتعوق أبرز وأهم ممرات وطرق التجارة الحيوية مثل قناة السويس ومضيقي باب المندب و هرمز، وهي الممرات التي تلعب دوراً هاماً ومحورياً في أمن الطاقة العالمية والتجارة الدولية، حيث بدت ملامح هذه المهددات فيما شهدناه من تهديدات وتوترات في البحر الأحمر ، ما أثار العديد من المخاوف من حدوث اضطرابات محتملة يمكن أن تتصاعد لتصل إلى مواجهات عسكرية أوسع نطاقًا، كما يتناول الإصدار أيضا الحدود الجديدة للحرب، ممثلة فيما يفرضه الفضاء السيبراني من تغييرات في شكل واستراتيجيات الحروب، وبالتالي في أنماط وطرق التسلح والردع التي لا زال الإقليم يقف على مسافة بعيدة منها فيما يتعلق بالاستعداد للمواجهة واستباق هذا النوع من التهديدات في الوقت الذي تعد فيه المنطقة هدفاً جاذباً للهجمات الإلكترونية والحروب غير التقليدية.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من عدم استقرار وتصاعد التوترات السياسية والأمنية التي خلفت أزمات إنسانية طاحنة برز تحدي الهجرة كمحدد محرك لمستقبل المنطقة، وعلى رأس هذه التوترات تأتي الحرب الأهلية في السودان، وحالة عدم الاستقرار في لبنان، والحرب في غزة، وقبلها تصاعد واستمرار تأزم الأوضاع الداخلية في سوريا وليبيا والعراق واليمن، وما خلفه كل ذلك من تحديات لدول الجوار وما خلفه أيضا من تأثيرات عميقة على ديناميكيات الهجرة في الإٍقليم وما ستخلفه من تأثيرات أمنية وسياسية حاسمة خلال الفترة القادمة، وما يمكن أن تمثله تحديات الهجرة أيضا من نقاط ضعف ومداخل لفرض أجندات خارجية على الدول المستقبلة للمساعدات، وفي نفس السياق تأتي التحديات المرتبطة بالمناخ في المنطقة والتي تدفع أيضا جهات فاعلة خارجية لفرض أجندتها ورهن ما تقدمه من دعم ومساعدات لمواجهة التغيرات المناخية بتغييرات وأجندات سياسية وأمنية تفرض أولويات مختلقة لدول الإقليم وتهدد استقراره.
وفي النهاية يمثل الإصدار الحالي ثمرة عصف ذهني عميق وبحث تم على مدى فترة زمنية ممتدة بين فريق العمل والعديد من الخبراء والمتخصصين لمحاولة إصدار استشراف منظم لمستقبل منطقة تعاني من الفوضى التي يصعب معها بناء نماذج تنبؤية حاسمة لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع خلال السنوات القادمة، ولأننا نعمل في مركز الحبتور للأبحاث بدأب لمحاولة إلقاء المزيد من الضوء على المناطق المعتمة وخاصة ما يتعلق منها بالأزمات المتوقعة والمخاطر المحتملة قمنا بإعداد هذا الإصدار ضمن سلسلة من المخرجات البحثية التي تهدف بصورة أساسية إلى المساهمة في خلق مستقبل أفضل وأكثر استقراراً للمنطقة المحاصرة بالتهديدات.
شهد النظام السياسي الإسرائيلي تحولات هيكلية على خلفية اندلاع عملية الأسد الزائر بين إسرائيل وإيران في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. حيث يمثل هذا الصراع انتقالاً من سياسات الردع التقليدي وحروب الوكالة إلى عقيدة المواجهة الشاملة والضربات الاستباقية الموجهة ضد البنية التحتية النووية والعسكرية في العمق الإيراني.
وتزامنت هذه التطورات العسكرية مع اقتراب الموعد الدستوري لإجراء انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في موعد أقصاه أكتوبر ٢٠٢٦، وذلك في ظل بيئة سياسية تتسم بالهشاشة بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم. فقد بدأت هذه المواجهة في وقت تعاني فيه القيادة التنفيذية من تراجع في مؤشرات الدعم السياسي، متأثرة بالتداعيات المستمرة للإخفاقات الاستخباراتية والأمنية المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر 2023. وتترافق هذه التحديات مع تراجع المؤشرات الاقتصادية المحلية، والانقسامات المجتمعية الحادة حول تشريعات التجنيد الإلزامي لليهود المتشددين، فضلاً عن مسار المحاكمات القضائية الجارية. وفي هذا السياق، تشير المعطيات التحليلية إلى مساعي القيادة التنفيذية لتوظيف حالة الطوارئ الوطنية بهدف توطيد تماسك القاعدة الانتخابية اليمينية، وإثبات مركزية القيادة الحالية في إدارة التهديدات الأمنية ضمن نظام برلماني معقد.
يفرض تقاطع النزاعات العسكرية الممتدة مع الدورات الانتخابية الديمقراطية تحديات بنيوية معقدة على السلوك التصويتي ومستقبل القيادات الحالية، حيث تتداخل متطلبات التعبئة الوطنية مع أزمات الثقة المؤسسية المتجذرة في الوعي العام، يقدم هذا التحليل قراءة للحسابات الانتخابية قبل وبعد اندلاع المواجهة، ويستعرض السوابق التاريخية لتأثير الحروب الممتدة على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كما
يحلل الدوافع الاستراتيجية والشخصية التي توجه عملية صنع القرار، وصولاً إلى استشراف مسارات إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية في استحقاق عام ٢٠٢٦.
شكلت العمليات العسكرية التي دارت رحاها في يونيو ٢٠٢٥، والتي استمرت لمدة اثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، نقطة انكسار حادة في مسار التوازن العسكري الإقليمي، حيث أسفرت المواجهة عن تآكل جوهري في البنية التحتية العسكرية لطهران وتكبدها خسائر مادية جسيمة، وقد تجلي عمق هذا الإخفاق العملياتي في الانهيار شبه التام لمنظومة الدفاع الجوي المتكاملة، حيث تشير التقديرات الاستخباراتية المؤكدة إلى نجاح إسرائيل في تحييد ما يربو على ٨٠ بطارية صواريخ "أرض-جو" وتدمير أكثر من ١٢٠ منصة إطلاق، الأمر الذي جرد المجال الجوي الإيراني من غطائه الحمائي وفرض حالة من السيادة الجوية الإسرائيلية المطلقة.
وفي خضم هذا التداعي، فقدت طهران فعلياً كامل ترسانتها من منظومة (S-300PMU2) "إس-300 بي إم يو-2" الروسية الصنع، التي كانت قد تسلمتها في عام ٢٠١٦ بعد مفاوضات مضنية وتكلفة مالية باهظة، إذ دُمرت هذه المنظومات بشكل ممنهج بين عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥. كما أثبتت الصناعات الدفاعية المحلية، المتمثلة في منظومتي "باور-373" (Bavar-373) و"خرداد-15" (Khordad-15)، عجزاً عملياتياً واضحاً عند اختبارها في بيئة قتالية حقيقية. مما كشف عن فجوة تقنية واسعة بين القدرات الهجومية الإسرائيلية ووسائل الدفاع الإيرانية فلم يسجل الدفاع الجوي الإيراني إسقاط أي مقاتلة إسرائيلية مأهولة، وقف سلاح الجو الإيراني عاجزاً بترسانته المتقادمة التي تعتمد على إرث ما قبل الثورة من طائرات "إف-14 تومكات" (Grumman F-14 Tomcat) و"فانتوم" و"تايغر"، مدعومة بطائرات (MiG-29) "ميغ-29" من حقبة التسعينيات. هذا العجز التام عن المنافسة أو الردع لم يثبت فشل التكتيكات فحسب، بل وجه ضربة قاضية للمسلمات الاستراتيجية التي قام عليها مذهب الدفاع الإيراني لعقود، والمتمثل في الاعتماد على "الردع الصاروخي غير المتكافئ" وشبكات الدفاع الطبقية الهجينة.
وأمام هذا الواقع الذي شهد تحييد القدرات الصاروخية وتفكيك المظلة الجوية، اضطرت القيادة الإيرانية إلى تبني استراتيجية إعادة ضبط ما بعد الحرب، مدشنة حملة استحواذ عاجلة تهدف إلى سد الفجوة التكنولوجية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا والصين لترميم الردع المفقود، ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط هل ينجح هذا "الردع الهجين" -المكون من صواريخ محلية وأسلحة مستوردة غير مدمجة كلياً- في الصمود أمام خصم أثبت بالفعل امتلاكه الجرأة والقدرة على توجيه ضربات مدمرة في العمق الإيراني.
“إن غلبة اللغة بغلبة أهلها, وأن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم”
عبد الرحمان بن خلدون
ليست اللغة مجرّد أداة للتواصل، ولا وسيلةً للمعرفة فقط، بل هي جوهر الكيان الإنساني، وبها تُستودَع الذاكرة، وتُبنى الهويّة، وتُصاغ الرؤية إلى العالم. إنّها الوعاء الذي يحفظ معالم الفكر وتفاصيل التاريخ، ويُعبّر عن وجدان الأمة ومزاجها الثقافي، كما يُعدّ أحد أبرز رموز السيادة والاستقلال الرمزي. ومن ثَمّ، فإنّ العلاقة بين اللغة والقومية، ومن ورائهما الأمن الهويّاتي والسياسي، ليست علاقة عرضيّة أو ثانويّة، بل علاقة عضوية ومصيرية، تُحتّم على الدول والشعوب أن تجعل من صيانة لغتها القومية إحدى أولوياتها الاستراتيجية.
وقد شهد العالم، منذ مطالع القرن العشرين، تحوّلات كبرى في بنية التفاعل الثقافي واللغوي، ازدادت حدّتها مع اتساع رقعة العولمة، وتزايد نفوذ اللغة الإنجليزية كلغة أولى للعلم والاقتصاد والتكنولوجيا والتواصل الدولي. هذا التمدد لم يكن بريئًا ولا محايدًا، بل صار يهدد بطمس اللغات القومية، وتهميش الثقافات المحلية، ونشر أنماط لغوية هجينة تخترق الفضاءات الإعلامية والتعليمية والمؤسساتية. أمام هذا التحدي الحضاري، انبرت بعض الدول، وخاصة ذات التاريخ اللغوي العريق، إلى بناء نماذج وطنية لحماية لغاتها القومية، تُقاوم الانسياق الكامل مع المدّ اللغوي الأجنبي، وتسعى إلى صون الخصوصية الثقافية والهويّاتية لمجتمعاتها.
ومن بين أبرز هذه التجارب، يبرز النموذج الفرنسي بوصفه أحد النماذج المتقدمة في مجال السياسة اللغوية الوقائية والتنموية. فقد أولت فرنسا لغتها القومية منزلة عليا في التصور السياسي والثقافي والتعليمي للدولة، وأحاطتها بمنظومة متكاملة من القوانين والمؤسسات، على رأسها قانون توبون (Loi Toubon) الصادر سنة 1994، والذي يعدّ تعبيرًا عن القلق السيادي تجاه تراجع مكانة اللغة الفرنسية في فضاءات الإعلام والاقتصاد والتقنيات. كما تلعب الأكاديمية الفرنسية (L’Académie française) دورًا محوريًا في صياغة التوجهات اللغوية الوطنية، ومراقبة استعمال اللغة، وتحديث المعجم، وتوفير بدائل للمصطلحات الدخيلة.
غير أنّ النموذج الفرنسي لا يُختزل في الجانب التشريعي وحده، بل يمتد إلى بنية التعليم، والإعلام، والصناعات الثقافية، والدبلوماسية اللغوية الدولية، ويعتمد على تصور شمولي يجعل من اللغة أداة وحدة وطنية، ووسيلة هيمنة ثقافية ناعمة، وآلية دفاع استباقي ضد التهجين والتذويب. وإنّ تحليل هذا النموذج من حيث خلفياته، وآلياته، ونتائجه، ومحدوديته، يُشكّل مادةً غنية للدرس والنظر، خاصة في السياق العربي الذي يشهد تفككًا لغويًا واضحًا، وتهميشًا تدريجيًا للغة العربية الفصحى في مقابل صعود اللهجات المحلية واللغات الأجنبية.
تتناول هذه الدراسة قضية "الأمن اللغوي العربي" في ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي؛ إذ تؤكد الدراسة أن الأمن اللغوي يتجاوز مجرد الحفاظ على بنية اللغة ليشمل الهُوية والاستقرار المجتمعي؛ حيث تنتقد الدراسة غياب التحليل السوسيولوجي النقدي لتأثير الذكاء الاصطناعي على اللغة العربية في الأدبيات العربية، ويغلب التركيز على الجوانب التقنية أو الاقتصادية. ومن ثم؛ تطرح الدراسة فكرة أن الأمن اللغوي العربي مهدد نتيجة تعميق الفجوة الرقمية-اللغوية، وهيمنة المحتوى الغربي، وإعادة تشكيل الاستخدام اللغوي اليومي؛ مما يؤثر على الهُوية والتماسك الاجتماعي. لذا، تستخدم الدراسة إطارًا نظريًّا تكامليًّا (يشمل البناء الاجتماعي للتكنولوجيا، الاستعمار الرقمي، نظرية بورديو، ونظريات الهوية) لتحليل هذه التحديات، مع الإشارة أيضًا إلى الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لدعم العربية (في التعليم، إتاحة المعرفة، الرقمنة، الإبداع، ودعم ذوي الهمم). ومن ثم؛ تقارن الدراسة بين بعض التجارب الدولية (لا سيما في الصين، فرنسا، الإمارات) في حوكمة تقاطع الذكاء الاصطناعي واللغة الوطنية؛ مستخلصة دروسًا للسياق العربي. وتخلص الدراسة إلى ضرورة تبني سياسات عربية استباقية وفعَّالة اجتماعيًّا. وعليه؛ تقدم هذه الدراسة توصيات تشمل بناء رؤية استراتيجية، والاستثمار في الموارد اللغوية الرقمية، وبناء القدرات، والحوكمة الأخلاقية، وتعزيز المحتوى المتنوع، ورفع الوعي المجتمعي، وتفعيل التعاون الإقليمي لضمان مستقبل آمن ومزدهر للغة العربية في العصر الرقمي.