أوروبا وحلم السيادة التكنولوجية: أين ينتهي الطموح ويبدأ الوهم؟
البرامج البحثية

أوروبا وحلم السيادة التكنولوجية: أين ينتهي الطموح ويبدأ الوهم؟

شهدت المخاوف الأوروبية بشأن السيادة التكنولوجية تصاعدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من هاجس محدود الحضور في النقاشات السياسية إلى قضية محورية تتصدر الأجندة الأمنية والاستراتيجية للقارة. ويعود هذا التحول إلى جملة من التطورات المتسارعة التي كشفت بوضوح حجم الهشاشة الأوروبية في المجال التكنولوجي. ففي يونيو 2026، أعلنت أجهزة الاستخبارات الفرنسية التخلي عن خدمات شركة "بالانتير" الأمريكية المتخصصة في تحليل البيانات، والتي ظلت لسنوات منخرطة بعمق في منظومات الدفاع والأمن الشرطي الأوروبية، لصالح مزود محلي، مبررة القرار صراحة بالحاجة إلى تعزيز "الاستقلال الاستراتيجي". ولا يقتصر هذا القلق على فرنسا وحدها. إذ تشير التقارير إلى أن الجيش الألماني يستبعد تمامًا الاعتماد على شركة "بالانتير"، في حين تشهد المملكة المتحدة نقاشات برلمانية متصاعدة بشأن عقد مع الشركة تبلغ قيمته ربع مليار جنيه إسترليني. ويستند جانب من هذا الجدل إلى حقيقة مقلقة أبرزتها إحدى الدراسات القانونية بوضوح، مفادها أن البيانات الأوروبية، حتى وإن كانت مخزنة داخل مراكز بيانات تقع في أوروبا، قد تظل خاضعة لإمكانية وصول السلطات الأمريكية إليها بموجب القانون الأمريكي، بصرف النظر عن الضمانات التعاقدية القائمة. وبذلك، لم يعد الحديث عن "سيادة البيانات" مجرد مصطلح متداول في دوائر السياسات العامة، بل أصبح يعكس معضلة استراتيجية حقيقية تتجاوز الاعتبارات التقنية إلى صميم توازنات القوة والسيادة في النظام الدولي.   وازدادت هذه المخاوف حدة قبل أيام قليلة من كتابة هذا التحليل، حين أمرت الحكومة الأمريكية شركة "أنثروبيك" بوقف إتاحة الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، "ميثوس"، أمام أي مستخدم لا يحمل الجنسية الأمريكية، مبررة القرار باعتبارات تتعلق بالأمن القومي. وجاء رد الشركة لافتًا؛ إذ فضّلت تعطيل النموذج بالكامل أمام جميع المستخدمين، بمن فيهم الأمريكيون، بدلًا من تطوير آلية فورية للتحقق من الجنسية تسمح بتقييد الوصول خلال فترة زمنية قصيرة.   ورغم أن هذه الواقعة لم تستمر سوى بضعة أيام، فإنها لامست جوهر المخاوف الأوروبية بصورة مباشرة. فلم تعد الحدود المتقدمة للذكاء الاصطناعي تقع خارج نطاق السيطرة الأوروبية فحسب، بل أصبحت خاضعة عمليًا لسلطة حكومة واحدة تملك القدرة على تقييد الوصول إليها أو حجبه بقرار أحادي. ومع ذلك، لا يعني كل ما سبق أن على أوروبا الانجرار إلى رد فعل تحركه الهواجس، أو السعي إلى بناء بديل أوروبي كامل لكل شيء من الصفر وبوتيرة متسارعة. فكما تظهر تقديرات الكلفة، فإن محاولة تحقيق استقلال كامل عبر مختلف طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي قد تتطلب إنفاقًا يُقدَّر بتريليونات اليوروهات، وهو ما يتجاوز بكثير حدود الواقعية العملية.   ومن ثم، لا تكمن الاستجابة الأكثر عقلانية لأوروبا في السعي إلى امتلاك جميع حلقات المنظومة التكنولوجية، بل في طرح سؤال أكثر جوهرية: ما المجالات التي تستلزم سيادة فعلية؟ وأين يمكن للشراكات أن توفر بديلًا كافيًا عن التملك المباشر؟ وكيف يمكن توظيف مصدر القوة الحقيقي لأوروبا، والمتمثل في ريادتها التنظيمية والتشريعية، بصورة مقصودة وفعالة بدلًا من التعامل معه بوصفه مجرد تعويض عن مواطن الضعف الأخرى؟ وبعبارة أخرى، لا تعني السيادة امتلاك كل شيء، بل تعني الإدراك الدقيق للمجالات التي لا يمكن تحمّل تبعات الاعتماد فيها على الآخرين.
تداعيات امتلاك الصين لمنظومة الطباعة الحجرية
البرامج البحثية

تداعيات امتلاك الصين لمنظومة الطباعة الحجرية

شهد شهر ديسمبر من عام 2025 تحولًا هيكليًا في ميزان القوى التكنولوجي العالمي، إذ صادق ائتلاف صناعي مدعوم من الدولة الصينية – وتُنسق أعماله شركة "هواوي" – على تشغيل نموذج أولي وظيفي لنظام الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) في منشأة بمدينة شينزين. يُسقط هذا الإعلان الفرضية الأساسية التي هيمنت على الدوائر الجيوسياسية في واشنطن وبروكسل وطوكيو طوال العقد الماضي، والتي راهنت على أن التعقيد الهندسي المفرط لهذه التقنية سيُبقي الصين معزولةً دائمًا خلف حاجز تقني يمنعها من تجاوز دقة تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة بمعمارية 7 نانومتر.   استندت استراتيجيات الاحتواء الغربية إلى قناعة راسخة بأن احتكار سلاسل التوريد المعقدة لشركة "ASML" الهولندية سيضمن إقصاء الاقتصاد الثاني عالميًا عن إنتاج الرقائق المتقدمة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. بيد أن النموذج الصيني الجديد أبطل هذه الحتمية، لا عبر محاكاة الهندسة الغربية، بل بانتهاج مسار فيزيائي وهندسي مغاير فرضته ضرورات السيادة الوطنية ووفرته الموارد الرأسمالية الحكومية غير المحدودة.   يُثبت هذا النموذج الأولي، الذي يعتمد تقنية "تفريغ البلازما المُحفز بالليزر" (LDP)، تمكّن الكوادر الصينية من المبادئ الفيزيائية الأساسية للتحكم الضوئي عند طول موجي 13.5 نانومتر، مُتجاوزين بذلك مرحلة "الاستحالة العلمية" لينتقل الصراع الآن إلى مرحلة "التوسع الهندسي" والجدوى التشغيلية. يؤسس هذا الحدث لنهاية حقبة القطبية التكنولوجية الواحدة، ويُدشن عصرًا جديدًا من النظم البيئية المزدوجة في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما سيستوجب إعادة تقييم شاملة للمسلمات الاقتصادية والأمنية التي حكمت هذا القطاع لعقود.
الحرب الباردة لأشباه الموصلات: الولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين والهند
البرامج البحثية

الحرب الباردة لأشباه الموصلات: الولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين والهند

أضحى التنافس العالمي حول أشباه الموصلات والتقنيات العسكرية المرتبطة بها المحور المركزي في صراع القوى الكبرى. ولا تزال الولايات المتحدة تحافظ على موقعها الريادي في صناعة أشباه الموصلات عالميًا، حيث تستحوذ الشركات الأميركية على نحو نصف السوق العالمية. غير أن هذه الهيمنة تواجه تحديًا متناميًا من الصين، التي شكّلت مبيعاتها نحو 20% من السوق العالمية لأشباه الموصلات في عام 2024. وتمضي بكين بخطى ثابتة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، على الرغم من استمرار التوترات التجارية والقيود المفروضة من واشنطن على حقوق الملكية الفكرية في إطار ما يُعرف بـ"الحرب التكنولوجية". وتطمح الصين إلى بلوغ مستوى 50% من الاكتفاء الذاتي في إنتاج أشباه الموصلات مع نهاية العام، مدعومةً باستثمارات ضخمة في مجال البحث والتطوير والتوسع السوقي لشركاتها الوطنية.   وفي المقابل، فإن موقع روسيا في الصناعات العسكرية المعتمدة على أشباه الموصلات بات يواجه قيودًا متزايدة. فعلى الرغم من احتفاظ موسكو بخبرة واسعة في مجال تصميم الأسلحة، إلا أنّ اعتمادها على المواد المستوردة ومعدات تصنيع الرقائق المتقدمة من الدول الغربية يكشف عن ثغرات حرجة في بنيتها التكنولوجية. وقد أدّت العقوبات الغربية المفروضة ردًّا على العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا إلى تقليص حاد في قدرة موسكو على الوصول إلى هذه المدخلات الأساسية. وفي مواجهة ذلك، سعت روسيا إلى إيجاد مصادر بديلة، لتبرز الصين كمزوّد رئيسي لمواد أشباه الموصلات. وتشكل هذه الديناميات جزءًا من الإطار الثلاثي الأوسع الذي يجمع روسيا والهند والصين (RIC)، والذي يرسّخ التحوّل الاستراتيجي لموسكو نحو شراكاتها الشرقية.   وفي الوقت ذاته، تشهد الهند تطورًا متسارعًا يجعلها لاعبًا بارزًا في قطاع أشباه الموصلات. وقد شكّل إعلانها في سبتمبر عن شريحة محلية الصنع تحمل اسم "فيكرام 32 - Vikram 32" محطة مفصلية في مساعي نيودلهي لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، كما يعكس مؤشّرًا على احتمال بروزها كمنافس للهيمنة الأميركية في هذا القطاع الحيوي. ويعكس تزايد انخراط الهند مع روسيا والصين حالة من الاصطفاف البراجماتي القائم على المصالح المتبادلة، لا سيّما في ظل تصاعد التوترات السياسية مع واشنطن. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على تجارة الهند في النفط الروسي قد شكّلت حافزًا إضافيًا لتعزيز هذا التعاون الثلاثي.   وعلى نحوٍ جماعي، تمثّل "الترويكا" المكوّنة من الصين وروسيا والهند ائتلافًا قائمًا على المصالح المشتركة أكثر من كونها تحالفًا أيديولوجيًا متكاملًا. وإذا ما تعزّزت هذه الشراكة، فقد يسهم ذلك في دعم قدراتها التصنيعية في مجال أشباه الموصلات بشكلٍ ملحوظ، ويمثل تحديًا جسيمًا للصناعة الأميركية. ومع ذلك، تبقى الخلافات العالقة — مثل النزاعات الحدودية غير المحسومة، وتباين الأولويات الاقتصادية، والفجوات التكنولوجية، فضلًا عن تأثير العقوبات — عائقًا أمام تحقيق اندماج تقني سلس. ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا معتبرًا على الهند، من خلال فرص جذبها عبر زيادة الاستثمارات، وخفض الرسوم الجمركية، والتعاون في مجال التكنولوجيا المتقدمة. وفي نهاية المطاف، فإن مسار الشراكة الثلاثية في قطاع أشباه الموصلات يحمل انعكاسات عميقة على النظام الدولي. إذ إن نجاح دمج هذه "الترويكا" لصناعتها في مجال الرقائق مع تقنياتها العسكرية قد يفضي إلى تسريع بروز نظام متعدد الأقطاب، ويحدث ثورة في قدرات المراقبة والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، إلى جانب القاعدة الصناعية الدفاعية الأوسع، الأمر الذي من شأنه إعادة تشكيل ديناميات القوة على الصعيد الدولي.