قوّة الردع الخفيّة: الاعتماد الاستراتيجي لحلف الناتو على منظومات الطاقة
البرامج البحثية
26 ديسمبر 2025

قوّة الردع الخفيّة: الاعتماد الاستراتيجي لحلف الناتو على منظومات الطاقة

في مختلف دول حلف شمال الأطلسي، يُعاد بناء الجيل القادم من القدرات العسكرية على أساس تحوّل بنيوي عميق يعيد تعريف طبيعة القوة العسكرية ذاتها. فبدل الاعتماد التقليدي على الوقود، تتجه المنظومات العسكرية على نحو متسارع إلى إدماج الكهرباء والبطّاريات عالية الأداء بوصفها عناصر مركزية في بنية الردع المعاصر. ويمتد هذا التحوّل من الأنظمة غير المأهولة والذخائر الذكية إلى مراكز القيادة المتنقّلة وشبكات الاستشعار المتقدمة، بما يعكس انتقال الردع الأطلسي إلى نموذج تشغيلي ذي طابع كهربائي متنامٍ. ويُقدَّم هذا المسار بوصفه قفزة تقنية تحمل وعودًا واضحة، تشمل تسريع قدرات الانتشار، وخفض البصمات الضوضائية، والحدّ من الاعتماد على سلاسل الإمداد الثقيلة. غير أنّ هذا التحوّل، على الرغم من مزاياه التشغيلية، يُنتج في بنيته العميقة أنماطًا جديدة من الهشاشة الاستراتيجية الصامتة، قد لا تقتصر آثارها على إعادة تشكيل أدوات الردع، بل تمتد إلى إعادة رسم توازناته الأساسية.   ومع كل خطوة إضافية نحو التحوّل الكهربائي، يتزايد انكشاف حلف شمال الأطلسي أمام سلاسل توريد هشّة وأسواق معادن حرجة شديدة التقلّب. فقد أصبحت البطّاريات عنصرًا محوريًا في قدرة الحلف على نشر القوّة وإدارة العمليات، لكنها تمثّل في الوقت نفسه نقطة ضعف كامنة في هذه القدرة ذاتها. إذ باتت الجاهزية القتالية، وفعالية الردع، وتماسك التنسيق العملياتي مرهونة بمواد تُستخرج أو تُعالَج خارج نطاق السيطرة المباشرة للحلف. وفي ظلّ انتقال الحرب على نحو متسارع إلى نمط رقمي وكهربائي، يواجه الناتو معضلة استراتيجية مختلفة في جوهرها: ليست مرتبطة بسرعة الابتكار، بل بقدرته على تأمين مرتكز الطاقة الذي تقوم عليه منظومته العسكرية، ومنع تحوّل أدوات التحديث إلى قنوات اعتماد بنيوي تُقوّض أسس الردع بدل أن تعزّزها.
توترات متصاعدة: هل تتجه أوروبا الى حرب جديدة؟
البرامج البحثية
21 أكتوبر 2025

توترات متصاعدة: هل تتجه أوروبا الى حرب جديدة؟

تعود أوروبا إلى أجواء التوتّر التي ظنّت أنها طوتها منذ عقود. ففي تحذيرٍ صريح، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إنّ "بولندا اليوم في أقرب نقطةٍ من اندلاع صراعٍ مفتوح منذ الحرب العالمية الثانية"، وذلك عقب انتهاكٍ مفاجئٍ للمجال الجوي البولندي من قِبل روسيا أثار قلقًا واسعًا داخل البلاد وخارجها. ففي التاسع من سبتمبر، اخترقت أسرابٌ من الطائرات المسيّرة الروسية الأجواء البولندية، ما دفع طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الإقلاع لاعتراض عددٍ منها، في أول مواجهةٍ مباشرةٍ بين الحلف وموسكو منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022. ورغم أنّ الحادثة قد تُفسَّر بوصفها اختبارًا من الرئيس فلاديمير بوتين لمدى جاهزية الناتو واستجابة أوروبا، فإنّها تُسلّط الضوء على هشاشة المشهد الأمني الإقليمي واحتمال انزلاق القارّة نحو مواجهةٍ جديدة. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤدّيه بولندا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وهو دور يتجاوز في وزنه وتأثيره موقع أوكرانيا، فإنّ اندلاع صراعٍ مباشرٍ بينها وبين روسيا قد يضع الأمن الأوروبي بأسره أمام اختبارٍ وجودي غير مسبوق. والسؤال المطروح اليوم: إلى أيّ مدى تقترب أوروبا من هذه المواجهة؟ وهل تملك القدرة على احتواء تداعياتها؟
بين الصين والشرق الاوسط: ما هي أولويات ترامب في ولايته الثانية؟
البرامج البحثية
3 ديسمبر 2024

بين الصين والشرق الاوسط: ما هي أولويات ترامب في ولايته الثانية؟

تُعد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (NSS) وثيقة شاملة أصدرها مجلس الأمن القومي بالاشتراك مع الفرع التنفيذي للحكومة الأمريكية للكونجرس، ووقع عليها الرئيس. وتُحدد الوثيقة بشكل رئيسي القضايا الكبرى المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي وآليات تعامل الإدارة معها باستخدام كافة أدوات القوة الوطنية. في هذا السياق، ستشكل استراتيجية الأمن القومي (2024-2028) إحدى أهم أولويات الرئيس المنتخب، دونالد ترامب.   لا يكمن التحدي الأساسي في التنبؤ بتداعيات هذه الاستراتيجية، بل يتمثل في تحديد أي منطقة ستحتل الأولوية في استراتيجية الأمن القومي (2024-2028)، في ظل واقع جيوسياسي واقتصادي غير مستقر تتخلله النزاعات في المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا والشرق الأوسط.   تشير الأولويات المتوقعة للأمن القومي خلال فترة ترامب الثانية إلى أنها ستكون متأثرة بسياسات ولايته الأولى وخطاب حملته الانتخابية الأخيرة، مما يقدم لمحة عن نهجه المتوقع، على الرغم من تناقضاته الظاهرة، ويبدو أن مؤلف كتاب "فن الصفقة" سيتبنى نهجاً انتقائياً من الناحية الاقتصادية في ملفات السياسة الخارجية.   تتسم رؤية ترامب للعالم بطابع تجاري بحت، وهو ما تجلى في استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 ومبدأ "أمريكا أولاً". كما يعكس برنامج الحزب الجمهوري توجهاته المقبلة تحت شعار "استعادة السلام في أوروبا والشرق الأوسط"، في إشارة إلى نهج تاريخي مثل "السلام بالقوة" المعتمد من قبل جورج واشنطن ورونالد ريجان. ولكن تعتمد نسخة ترامب، المسماة "السلام من خلال القوة"، على أساليب أكثر إكراهاً، مثل التهديدات والعقوبات الاقتصادية، مع التركيز على استخدام النفوذ الاقتصادي والتدابير الصارمة لحماية الاقتصاد الأمريكي من خلال الحفاظ على السلام. من المتوقع أن تكون الأولويات الرئيسية موجهة نحو الصين، مع تحول ملحوظ في التركيز نحو الشرق الأوسط، ربما على حساب أوروبا وحلف شمال الأطلسي، ويُنظر إلى الأخير على أنه أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.