في الوقت الذي تشهد فيه التجارة العالمية توسعًا متسارعًا في الخدمات الرقمية، تواجه أقل البلدان نموًا مفارقة لافتة: فصادراتها من هذه الخدمات تواصل الارتفاع، بينما تتراجع حصتها من السوق العالمية. وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة في ظل تنامي دور الخدمات القابلة للتقديم رقميًا، التي باتت تمثل أكثر من نصف صادرات الخدمات العالمية، في حين لا تزال أقل البلدان نموًا تستحوذ على حصة ضئيلة للغاية من هذا السوق المتنامي. وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في الأرقام؛ فبين عامي 2015 و2023، ارتفعت القيمة الدولارية لصادرات هذه البلدان من الخدمات الرقمية بنسبة 43%، لكن حصتها من السوق العالمية انخفضت خلال الفترة نفسها. وتطرح هذه المفارقة سؤالًا محوريًا يتجاوز الأسباب المعروفة للفجوة الرقمية إلى البحث في العوامل التي تفسر استمرار اتساعها رغم نمو الصادرات. فهل يعكس هذا التفاوت تأخرًا في تطوير البنية التحتية الرقمية، يمكن تداركه تدريجيًا مع تحسن قدرات هذه البلدان؟ أم أن طبيعة سوق الخدمات الرقمية نفسها تسهم في ترسيخه، بما تتسم به من عوائد متزايدة مع اتساع النشاط، وتركز لرؤوس الأموال، وتزايد تشتت القواعد المنظمة للتجارة الدولية؟ فقد تمنح هذه العوامل البلدان والشركات التي سبقت إلى دخول السوق مزايا هيكلية تتعزز بمرور الوقت، مما يجعل الفجوة مرشحة لمزيد من الاتساع بفعل آليات السوق ذاتها، بدلًا من أن تتقلص تلقائيًا مع نمو صادرات البلدان المتأخرة.