بحلول عام ٢١٠١، سيشهد مفهوم الديمقراطية وأنظمة الحكم تحولاً جذرياً يتجاوز الآليات التقليدية المتمثلة في صناديق الاقتراع والخطابات السياسية، ليحل محلها نظامٌ سيعتمد على واجهات رقمية شفافة تعرض مخرجات خوارزميات فائقة القدرة، ستتولى اتخاذ القرارات المصيرية نيابةً عن الشعوب، ولن تدور الإشكالية الجوهرية في الفلسفة السياسية حينها حول من يملك حق التصويت. بل سينتقل مركز الثقل ليطرح تساؤلاً أكثر عمقاً وخطورة: من سيمتلك صلاحية صياغة الشفرة البرمجية (Code) التي ستُسيّر المصائر البشرية وتتحكم في موارد العالم؟
وفي تلك الأثناء جلست "ندا" داخل قاعةٍ زجاجيّةٍ شاهقةٍ تشرف على قلب المدينة، حيث تمتدّ أمام ناظريها جدرانٌ رقميّةٌ عملاقةٌ تتلألأ برسومٍ بيانيّةٍ وخطوطٍ متموّجة. كان هذا المكان يعرف بـ "قاعة نّبض الشعب"؛ فهو بمثابة المركز العصبيّ الّذي ترصد من خلاله الخوارزميَات المزاج العام لحظةً بلحظة. خلت اللّوحة الرّئيسيّة من أيّ ذكرٍ لأحزابٍ أو مرشّحين، وحلّت محلّها سطورٌ من الأوامر البرمجيّة المعقّدة، ومؤشّراتٌ لونيّةٌ دقيقةٌ تقيس مستويات الخوف، والغضب، والرّضا، والثّقة، تمامًا كما تقاس معدّلات الحرارة والرّطوبة.
أطلقت ندا تَنَفُّساً حارّاً وتمتمت في سرّها: "لقد حدث كلّ هذا... لأنّ الدّيمقراطيّة تآكلت ذاتيًّا". وكانت قد درست في الجامعة ما اصطلح المؤرّخون على تسميته بـ عصر الفوضى السّياسيّة في أواخر القرن الحادي والعشرين؛ حينما استحالت الانتخابات إلى ساحاتِ حربٍ سيبرانيّةٍ مفتوحةٍ، تقودها فيالق من الرّوبوتات البرمجيّة، وتغرقها طوفاناتٌ لا تنقطع من الأخبار المزيّفة. في تلك الحقبة، هيمن المال العابر للحدود على كلّ شيء، مبتاعًا الحملات الانتخابيّة، واستطلاعات الرّأي، ومنصّات النّقاش العامّ. وأمام كلّ أزمةٍ مناخيّةٍ أو وبائيّةٍ أو ماليّةٍ، وقفت الحكومات المنتخبة مشلولةً، تنشغل بالصّراعات البينيّة أكثر ممّا تنشغل بالحكم.
في تلك اللّحظة المفصليّة، تراءى للحكومات والشّعوب المنهكة أنّ الحلّ المنطقيّ يكمن في خيارٍ وحيد: "ليكن القرار للآلة". برز في البداية ما سمّي بـ "نظام الحوكمة الخوارزميّة الشّاملة"؛ كنظمٍ متقدّمةٍ صمّمت لتعين صنّاع القرار على قراءة البيانات واتّخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر تجرّدًا من الانفعال. سوّقت هذه الأنظمة للجمهور آنذاك بوصفها "محايدة"، لا تسعى لشعبيةٍ زائلة، ولا تخشى صناديق الاقتراع، ولا تحرّكها المصالح الخاصّة. غير أنّ ما بدأ كأداةٍ مساعدة، لم يلبث أن تحوّل ليصبح مركز الثّقل وصانع القرار الأوحد.