تُعدّ حركة احتجاجات "لا ملوك" ظاهرة ذات دلالة تاريخية بكل المقاييس. فقد مثّلت تظاهرات الأمس الجولة الثالثة ضمن سلسلة من التحركات المتعاقبة، بعدما قال المنظمون إن الجولتين السابقتين، اللتين أُقيمتا في يونيو وأكتوبر 2025، استقطبتا نحو 5 ملايين و7 ملايين شخص على التوالي. أما في 28 مارس، فقد سجّل المنظمون أكثر من 3,100 فعالية في جميع الولايات الأمريكية الخمسين، بزيادة قدرها 500 فعالية مقارنة بجولة أكتوبر، مع توقعات بأن يصل عدد المشاركين إلى نحو 9 ملايين شخص.
وتنبع أهمية هذه الجولة على نحو خاص من اتساع امتدادها الجغرافي. إذ أفاد المنظمون بأن نحو ثلثي طلبات المشاركة جاءت من خارج المراكز الحضرية الكبرى، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات التسجيل في ولايات تميل تقليديًا إلى المحافظين، مثل أيداهو، ووايومنج، ومونتانا، ويوتا، وساوث داكوتا، فضلًا عن ضواحي انتخابية متأرجحة في ولايات مثل بنسلفانيا، وجورجيا، وأريزونا. كما أُقيم ما يقرب من نصف هذه الاحتجاجات في معاقل الحزب الجمهوري، حيث استضافت كل من تكساس وفلوريدا وأوهايو أكثر من 100 فعالية لكل منها.
وتتعدد الدوافع التي تحرّك الحشود المشاركة في هذه الاحتجاجات. إذ يصف المنظمون هذه التحركات بأنها اعتراض على ما يعدّونه "استحواذًا سلطويًا" من جانب ترامب، في إشارة إلى طيف واسع من السياسات، من بينها أساليب إدارته في إنفاذ قوانين الهجرة، والحرب في إيران، وحملات التشدد الفيدرالي في إنفاذ القانون داخل المدن، فضلًا عن الانتشار الأخير لعناصر وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية في المطارات. وقد اختيرت ولاية مينيسوتا لتكون الموقع المحوري للاحتجاجات، في ضوء مقتل "رينيه جود" و"أليكس بريتي" برصاص عناصر فيدراليين خلال موجة تصعيد في إنفاذ قوانين الهجرة في محيط مينيابوليس، وهي وقائع أسهمت في تأجيج الغضب العام وأعادت تسليط الضوء على كلفة هذا النهج الأمني. غير أن المفارقة تكمن في أن النظام الدستوري ذاته الذي يستند إليه المحتجون في تحدي ترامب، هو نفسه الذي يجعل من احتجاجات الشارع أداة غير كافية لإزاحته من منصبه.
ينصّ دستور الولايات المتحدة على مسارين حصريين لإزاحة رئيسٍ يتولى منصبه قبل انقضاء ولايته: العزل عبر الكونجرس، والتعديل الخامس والعشرون. ولا يتوقف تفعيل أيٍّ من هذين المسارين على حجم التعبئة الشعبية، مهما اتسع نطاقها.
يمرّ العزل عبر الكونجرس بمرحلتين متتاليتين. تبدأ الأولى في مجلس النواب، حيث يتعيّن الحصول على أغلبية بسيطة للتصويت لصالح عزل الرئيس، أي توجيه اتهام دستوري ورسمي إليه بارتكاب “جرائم ومخالفات جسيمة”. وإذا أُقرّ هذا الاتهام، تُحال القضية إلى مجلس الشيوخ، الذي يتولى محاكمة الرئيس سياسيًا ودستوريًا. وفي هذه المرحلة، لا يصبح العزل نافذًا إلا إذا صوّت ثلثا أعضاء المجلس، أي 67 عضوًا من أصل 100، لصالح إدانته وإبعاده من المنصب. وقد صُمّم هذا الشرط أصلًا ليكون بالغ الصعوبة، بما يجعل إزاحة الرئيس عبر هذا المسار أمرًا استثنائيًا لا يتحقق بسهولة. وعلى امتداد التاريخ الأمريكي، صوّت مجلس النواب لصالح عزل ثلاثة رؤساء: أندرو جونسون، وبيل كلينتون، ودونالد ترامب، الذي واجه هذا المسار مرتين. ومع ذلك، لم يُدن مجلس الشيوخ أيًّا منهم، ولم تنتهِ أي من هذه الحالات إلى الإطاحة الفعلية بالرئيس من منصبه. وفي ظل سيطرة الجمهوريين حاليًا على مجلسي النواب والشيوخ، واصطفاف أعضاء الحزب في مجلس الشيوخ إلى حدّ كبير خلف ترامب، فإن هذا المسار يبدو، من الناحية العملية، مسدودًا فعليًا.
يقدّم التعديل الخامس والعشرون مسارًا دستوريًا منفصلًا، لكنه أبعد عن التأثر بالضغط الشعبي. إذ يتيح لنائب الرئيس، بالتوافق مع أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه، بما يفضي إلى نقل صلاحياته مؤقتًا إلى نائب الرئيس. وقد صُمّم هذا الإجراء للتعامل مع حالات طبية طارئة أو أوضاع عجز جسدي أو ذهني، لا كأداة لحسم الخلافات السياسية. ولم يُفعَّل هذا المسار قطّ بنجاح لإزاحة رئيس من منصبه، ولا توجد مؤشرات على أن نائب الرئيس “جي دي فانس” أو أعضاء الحكومة يدرسون اللجوء إليه. وخارج هذين المسارين، لا يوفّر النظام الدستوري الأمريكي أي وسيلة أخرى لإزاحة رئيس يتولى منصبه. فلا توجد انتخابات سحب ثقة لرئيس قائم، ولا يمنح الدستور احتجاجات الشارع أي دور في تفعيل الإبعاد المبكر من المنصب، كما لا توجد سابقة في التاريخ الأمريكي أجبرت فيها الحشود، مهما بلغ حجمها، رئيسًا على الاستقالة.
ومع ذلك، فإن نزول الملايين إلى الشوارع يُعدّ مؤشرًا دالًا على أزمة عميقة في الشرعية الديمقراطية. غير أن هذا المؤشر، في بنية النظام الأمريكي، لا يتحول بذاته إلى آلية دستورية. فالاحتجاج، في حدّ ذاته، لا يملك إبعاد رئيس من المنصب. لكنه قادر، في المقابل، على إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية، وهو ما تعكسه بالفعل تركيبة حركة “لا ملوك” واتساع امتدادها الجغرافي والسياسي.
وتكمن النقطة التي ينبغي أن تسترعي أكبر قدر من الانتباه داخل الحزب الجمهوري في الامتداد الجغرافي لتظاهرات مارس 2026. فمع صدور نحو ثلثي طلبات المشاركة من خارج المراكز الحضرية الكبرى، وارتفاع معدلات التسجيل بصورة لافتة في الضواحي الانتخابية المتنافس عليها في ولايات مثل بنسلفانيا، وجورجيا، وأريزونا، لم تعد هذه الحركة محصورة داخل القواعد التقليدية المضمونة للحزب الديمقراطي. كما أُقيم ما يقرب من نصف هذه الاحتجاجات في معاقل جمهورية، حيث استضافت كل من تكساس وفلوريدا وأوهايو أكثر من 100 فعالية لكل منها. وهذه، تحديدًا، هي الولايات والدوائر التي سيتحدد فيها مصير عدد من مقاعد مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026.
أما إذا نجح الديمقراطيون في استعادة السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي، وهو احتمال يظل واردًا تاريخيًا في ضوء النمط الأمريكي المعتاد الذي يخسر فيه حزب الرئيس مقاعد في أول انتخابات نصفية بعد وصوله إلى السلطة، فإن مسار العزل قد يتحول من فرضية دستورية بعيدة إلى احتمال سياسي قائم. فعندئذٍ، سيكون بوسع مجلس نواب يهيمن عليه الديمقراطيون التصويت بالأغلبية البسيطة لصالح عزل ترامب. ومع ذلك، سيظل عزله النهائي مشروطًا بالحصول على 67 صوتًا في مجلس الشيوخ، ما يعني أن ما لا يقل عن 19 عضوًا جمهوريًا سيضطرون إلى الانضمام إلى الديمقراطيين. وهو حاجز سياسي بالغ الصعوبة، لكنه لا يُعد مستحيلًا من الناحية النظرية إذا تدهورت البيئة السياسية المحيطة بالحزب على نحو حاد.
وفي هذا السياق، تبدو حركة “لا ملوك” أقرب إلى أن تكون مؤشر إنذار مبكر على قابلية الحزب الجمهوري للتعرّض لهشاشة انتخابية، لا أداة مباشرة لإبعاد ترامب من المنصب. ويبدو أن كثيرًا من المشاركين المخضرمين في هذه الاحتجاجات يدركون هذه الحقيقة بالفعل، إذ لخّص أحد الحاضرين الرسالة بقوله إن المطلوب هو النزول إلى الشارع، والتعبير عن الغضب، ثم العودة لاحقًا إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر. وإذا ما تحوّلت الطاقة التي ظهرت في الشارع خلال مارس 2026 إلى مشاركة انتخابية فعلية في نوفمبر، فقد تشكّل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 بداية مسار دستوري، يمر عبر الكونجرس، نحو إبعاده من المنصب، وهو ما لا تستطيع الحشود تحقيقه مباشرة.
تساعد تعليقات باحثي مركز الحبتور للأبحاث على المواضيع الجارية إلى تقديم تعقيبات سريعة عبر استعراض وجهات النظر الشخصية، وآراء الخبراء دون تحمل عبء الاستشهادات. و يضمن هذا النهج المرونة والسرعة في مواكبة الموضوعات المطروحة سريعة التطور.
تعليقات