كتب بواسطة

قد تتصدر دولةٌ جداولَ القوة العسكرية، ثم تخرج من الحرب عاجزةً عن فرض الغاية التي خاضتها من أجلها؛ وقد يستنزفها خصمٌ أقل تسلحًا دون أن يملك القدرة على هزيمتها. في هذه المسافة بين امتلاك السلاح وبلوغ غايته يقع الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة قوة الجيوش: أن نقيسها بما تملك، لا بما تستطيع أن تفعل بما تملك.

 

ولم تكن هذه المسافة أوضح مما هي عليه اليوم. ففي عام 2025 أنفق العالم نحو 2.89 تريليون دولار على جيوشه، في زيادة سنوية هي الحادية عشرة على التوالي، وبلغ العبء العسكري 2.5% من الناتج العالمي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2009. غير أن هذا الإنفاق لم يشترِ القدرة على الحسم. في البحر الأحمر، أطلقت أقوى بحرية في العالم قرابة أربعمئة ذخيرة دفاعية، تتجاوز قيمتها مليار دولار، على مدى خمسة عشر شهرًا، في مواجهة جماعة مسلحة لا تملك أسطولًا ولا قوة جوية بالمعنى المؤسسي. ودفعت مصر ثمن حرب لم تخضها؛ إذ فقدت قناة السويس أكثر من 60% من إيراداتها في عام 2024، بما يقارب سبعة مليارات دولار. ثم جاءت الحرب مع إيران في عام 2026 لتستنزف، وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، نحو ثلثي مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت الاعتراضية في أقل من ستة أشهر.

 

لا تقول هذه الوقائع إن المال والسلاح بلا قيمة، بل تقول شيئًا أكثر إزعاجًا: إن الطريقة السائدة في قياس القوة العسكرية تحسب ما يسهل عدّه، وتُسقط ما يحسم النتائج. فالتصنيفات التي تتداولها وسائل الإعلام، وتستدعيها الحكومات في خطاب الردع، وتُبنى عليها توقعات الحروب، تبدأ من الترسانة وتنتهي إليها، كأن الطريق من المخزن إلى ساحة القتال، ومن ساحة القتال إلى طاولة التفاوض، طريق مستقيم بلا منعطفات.

 

ومن هنا ينطلق هذا التحليل من تعريف أكثر انضباطًا: القوة العسكرية هي ما تستطيع الدولة أن تفعله بما تملك، ضد خصم بعينه، في مهمة بعينها، ولمدة بعينها. وبين الملكية والفعل ثلاث عمليات تحويل لا تحدث تلقائيًا: تحويل الموارد إلى قدرة جاهزة، وتحويل القدرة إلى أثر عملياتي، وتحويل الأثر إلى نتيجة سياسية. وما نسميه هنا «مغالطة» هو كل استدلال يقفز فوق إحدى هذه العمليات، فيجعل من مؤشر جزئي حكمًا شاملًا.

 

ليست الفكرة جديدة؛ فقد ميّز إطار مؤسسة RAND منذ عام 2000 بين الموارد الوطنية والأداء الوطني والقدرة العسكرية، ونبّه إلى أن المؤسسات والابتكار هي ما يحوّل الأولى إلى الأخيرة. الجديد أن السنوات الثلاث الأخيرة قدّمت مختبرًا مفتوحًا لهذه الفجوة: من أوكرانيا إلى البحر الأحمر إلى المواجهة مع إيران، صارت الهوة بين القوة المسجلة والقوة المستخدمة قابلة للقياس بالأرقام، لا بالحدس وحده.

المغالطة الأولى: العدد على الورق هو القوة في الميدان

تبدأ المغالطة الأولى عندما يُعامَل عدد المنصات المسجلة بوصفه مقياسًا مباشرًا للقدرة، فمائة طائرة في السجلات لا تعني مائة طائرة قادرة على الإقلاع غدًا لتنفيذ مهمة محددة، ولا تكشف عدد الطلعات الممكن توليدها يوميًا، ولا حجم الذخائر المتاحة لها، ولا الفرق بين وحدة عاملة ووحدة في التخزين.

 

تقدّم المقاتلة الأمريكية F-35، أغلى برنامج تسليح في التاريخ، المثال الأوضح هنا، فقد راجع مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي (GAO) في أكتوبر 2024 إحدى عشرة طائرة تكتيكية، أُنفق على تشغيلها وصيانتها نحو 57.2 مليار دولار بين عامي 2018 و2023، وخلص إلى أن جاهزيتها “لم تحقق عمومًا أهداف وزارة الدفاع لعدة سنوات”، ثم جاء تقرير يونيو 2026 ليكشف أن نسبة طائرات إف-35 القادرة على أداء جميع مهامها تراجعت من 38.1% في 2021 إلى 24.6% في 2025، وأن النسخة التابعة لسلاح الجو لم تتجاوز 28.5% مقابل هدف معلن قدره 65%، بعبارة أخرى: من كل أربع طائرات في السجل، طائرة واحدة فقط جاهزة لكل ما صُممت من أجله.

 

ينبغي قراءة هذه الأرقام بحذر مزدوج، فهي لا تثبت ضعف القوة الجوية الأمريكية إجمالًا، إذ يظل حجم الأسطول وعمق الاحتياط ميزة حقيقية. لكنها تُثبت أن السؤال الصحيح ليس “كم طائرة تملك الدولة؟” بل “كم طائرة تستطيع أن تحشدها، وأين، ولكم يومًا، وبأي إسناد؟”. والأهم أن الدولة التي تنشر أرقام جاهزيتها بهذه الشفافية تبدو أضعف على الورق من دول لا تنشر شيئًا، دون أن يعني ذلك أن تلك الدول أفضل حالًا.

المغالطة الثانية: الإنفاق الأعلى ينتج قوة أكبر بالقدر نفسه

الميزانية العسكرية مقياس لما تدفعه الدولة، لا لما تحصل عليه، وقد ترتفع بفعل الأجور أو التضخم أو تكلفة صيانة معدات متقادمة، بينما يتأخر أثر الاستثمار في البحث والتطوير سنوات، لذلك يحذر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) صراحة من استخدام الإنفاق مقياسًا مباشرًا للقدرة، وينبّه إلى أن المقارنة بالدولار تتأثر بأسعار الصرف، وأن الإنفاق السنوي تدفق مالي يختلف عن القدرات المتراكمة.

 

تكشف أرقام 2025 حجم الالتباس، فقد أنفقت الولايات المتحدة 954 مليار دولار، والصين 336 مليارًا، وروسيا 190 مليارًا، أي أن الدول الثلاث استحوذت على 51% من الإنفاق العالمي. لكن روسيا، التي تنفق أقل من خُمس ما تنفقه الولايات المتحدة وحدها، أنتجت في عام 2024 ما بين 2 و2.3 مليون قذيفة مدفعية، في حين لم يتجاوز إنتاج الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين نحو 1.7 مليون قذيفة في 2025، إذاً السر ليس في حجم الميزانية، بل في بنيتها: اقتصاد حرب يخصص 7.5% من ناتجه للجيش، وصناعة مملوكة للدولة، وتكلفة عمالة ومواد أدنى، وأولوية واضحة للذخيرة على المنصات الباهظة.

 

وفي المنطقة العربية تبدو المفارقة أوضح، فقد بلغ إنفاق الشرق الأوسط 218 مليار دولار في 2025، وحلّت المملكة العربية السعودية ثامنة عالميًا بإنفاق 83.2 مليار دولار، بينما لم يتجاوز الإنفاق الإيراني المعلن 7.4 مليار دولار، وهو رقم يرجح SIPRI أنه أدنى من الحقيقة، ومع ذلك، فإن شبكة الصواريخ والمسيّرات التي بنتها إيران ووكلاؤها فرضت على خصومها تكاليف دفاعية تفوق ميزانيتها المعلنة أضعافًا، وهذا لا يمثل دليلًا على تفوق إيراني، بل على أن العلاقة بين المال والقوة تمر بخيارات مؤسسية وعقائدية وصناعية لا يكشفها رقم الميزانية وحده.

المغالطة الثالثة: التفوق التكنولوجي يضمن التفوق العسكري

تمنح التكنولوجيا مزايا حقيقية في الكشف والدقة والحماية والاتصال، غير أن مواصفات المنصة في ميادين الاختبار لا تنتقل كاملة إلى ساحة قتال فيها تشويش وخداع واستنزاف وخصم يتعلم، والمغالطة هنا مزدوجة: افتراض أن الأغلى أفضل، وافتراض أن الأحدث يلغي ما قبله.

 

يمكن قراءة الوجه الأول في معادلة التكلفة، كالتالي: تكلف مسيّرة شاهد-136 نحو خمسين ألف دولار، بينما يكلف صاروخ باتريوت الاعتراضي نحو أربعة ملايين، أي ثمانين ضعفًا، وفي البحر الأحمر أطلقت البحرية الأمريكية، بين أكتوبر 2023 ويناير 2025، نحو 120 صاروخًا من طراز إس إم-2 (حتى 2.5 مليون دولار للواحد)، و80 من طراز إس إم-6 (نحو 4.3 مليون)، إضافة إلى صواريخ إس إم-3 التي تتراوح تكلفتها بين 12.5 و28.7 مليون دولار، وخلال ستة أسابيع فقط من ربيع 2025 أُسقطت سبع مسيّرات أمريكية من طراز إم كيو-9، يبلغ ثمن الواحدة نحو ثلاثين مليون دولار.

 

لكن قراءة هذه الأرقام بوصفها «انتصارًا للرخيص على الغالي» مغالطة معاكسة، فاعتراض مسيّرة رخيصة بصاروخ غالٍ قد يكون قرارًا رشيدًا تمامًا إذا كانت المسيّرة متجهة إلى مدمرة على متنها ثلاثمئة بحار، السؤال الحقيقي ليس سعر الطلقة الواحدة، بل إمكان تكرار الحماية عند كثافة الهجمات المتوقعة، وقدرة منظومة الدفاع على تخصيص الوسيلة المناسبة لكل تهديد. وهذا ما دفع البحرية الأمريكية نفسها إلى العودة للمدافع والبحث عن معترضات أرخص.

 

أما الوجه الثاني فتكشفه أوكرانيا، فرغم أن مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني (National Security and Defense Council of Ukraine) يقدّر أن المسيّرات من نوع إف بي في باتت مسؤولة عن نحو 60% من خسائر الجيش الروسي، وأن الطاقة الإنتاجية الأوكرانية تجاوزت ثمانية ملايين مسيّرة سنويًا، فإن ضباطًا أوكرانيين في أكثر وحدات المسيّرات كفاءة أكدوا لباحثي المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) أنهم لا يزالون بحاجة إلى المدفعية، وأن فاعلية المسيّرة تتضاعف حين تعمل معها لا بدلًا منها. التكنولوجيا الجديدة لا تُقاس منفردة، بل داخل تشكيل قتالي متكامل.

المغالطة الرابعة: امتلاك السلاح يعني امتلاك القدرة على استخدامه

قد تنتقل ملكية المنصة إلى الدولة، بينما تبقى عناصر تشغيلها موزعة بين موردين وحكومات وشركات أجنبية: الذخائر، وقطع الغيار، والبيانات الفنية، وتحديثات البرمجيات، والدعم الاستخباري، والمسألة هنا ليست مَن يملك السلاح، بل مَن يملك قرار استمرار عمله.

 

تمثل أفغانستان الحالة النموذجية. فقد أنفقت الولايات المتحدة 88.3 مليار دولار على بناء قوات الأمن الأفغانية حتى مارس 2021، وبلغ قوامها الاسمي أكثر من ثلاثمئة ألف عنصر، مقابل ما بين 55 و85 ألف مقاتل لحركة طالبان وفق تقديرات الأمم المتحدة. لكن العدد الفعلي المتاح في أي يوم لم يتجاوز نحو 180 ألفًا، وكانت واشنطن تموّل قرابة 75% من ميزانية عسكرية سنوية تتراوح بين خمسة وستة مليارات دولار. وحين سُحبت الصيانة التعاقدية الأمريكية عام 2021، تراجع توافر الطائرات بسرعة، في جيش بُني عقائديًا على الإسناد الجوي.

 

غير أن المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) لم يرجع الانهيار إلى عامل فني منفرد؛ فقد رصد أيضًا ضعف القيادة والفساد وتآكل المعنويات وأثر قرار الانسحاب، الدرس إذاً ليس أن الاعتماد على الخارج ضعف بالضرورة، فالتحالفات وتقاسم الأعباء مصادر قوة مشروعة، بل إن المطلوب هو تقدير «الاعتماد الحرج»: ما الذي يتوقف فورًا عند غياب دعم بعينه؟ وما البدائل؟ وكم يستغرق تفعيلها؟

المغالطة الخامسة: من يبدأ الحرب أقوى يستطيع أن يواصلها أقوى

مقارنة المخزونات صورة ثابتة للحظة بعينها، بينما القدرة في الحرب كمية متحركة: تتآكل مع استهلاك الذخائر وفقدان المعدات وإصابة الأفراد، وتتجدد بقدر ما يسمح به الإنتاج والإصلاح والتدريب، ولذلك قد يكون التفوق الأولي واسعًا ثم يضيق، إذا عجز صاحبه عن تعويض خسائره بالسرعة التي يستهلكها بها.

 

تكشف الأرقام الأخيرة إيقاع هذا التآكل. ففي خمسة عشر شهرًا فقط أطلقت البحرية الأمريكية في البحر الأحمر من صواريخ الدفاع الجوي أكثر مما أطلقته في الثلاثين عامًا السابقة، وفي الحرب مع إيران تراجع مخزون منظومة ثاد من 452 صاروخًا اعتراضيًا قبل الحرب إلى ما بين 234 و278، وتراجع مخزون باتريوت إلى نحو ثلث مستواه السابق، وكل ذلك في أقل من ستة أشهر، بينما تُقاس إعادة البناء بالسنوات.

 

وفي المقابل، رفعت روسيا إنتاجها من قذائف المدفعية من نحو 1.25 مليون قذيفة في 2022 إلى ما بين 2 و2.3 مليون في 2024، مع تقديرات بإمكان بلوغ أربعة ملايين سنويًا، ووثّقت دراسة RUSI عن العام الثالث للحرب الأوكرانية كيف تبدلت المزايا النسبية بين الطرفين مرحلةً بعد مرحلة، مع تكيف كل منهما مع تكتيكات الآخر، فالسؤال الحاسم في الحروب الطويلة ليس “من يملك أكثر؟” بل “من يعوّض أسرع، ويتعلم أسرع؟”.

 

ولا تساوي الطاقة الإنتاجية المعلنة التسليم الفعلي؛ إذ تقيدها المكونات والعمالة والتمويل، ويوضح تحليل لـ RUSI عن صناعة المسيّرات أن التحكم في الأنظمة الفرعية، من المحركات إلى الإلكترونيات، هو ما يحدد سرعة التحديث، وأن مصنع التجميع وحده لا يكشف عمق القدرة الصناعية.

المغالطة السادسة: القوة العسكرية سلّم واحد يصلح لكل المهام

يفترض ترتيب الدول على سلم واحد إمكان تلخيص مهام شديدة التباين في درجة إجمالية كلية، لكن الدفاع عن أرض قريبة، وتأمين ممر بحري، وتنفيذ حملة بعيدة، واحتلال إقليم، وردع ضربة استراتيجية، تتطلب تركيبات مختلفة من القوة، وقد تملك الدولة ميزة حاسمة في إحداها وقيودًا خانقة في أخرى.

 

على سبيل المثال: لا تظهر جماعة الحوثي في أي تصنيف جاد للقوة العسكرية، ومع ذلك، استطاعت بصواريخ ومسيّرات منخفضة التكلفة نسبيًا أن تعيد رسم خريطة الملاحة الدولية، وأن تُفقد قناة السويس أكثر من 60% من إيراداتها في عام واحد> هذا ليس انتقالًا في مركز القوة الشامل، بل تجسيد لقاعدة أبسط: إن القدرة على تعطيل مهمة تختلف جذريًا عن القدرة على السيطرة على مسرح، وإن الطرف الأضعف إجمالًا قد يحقق تفوقًا كافيًا في النقطة التي تعنيه.

 

لهذا ينبغي أن تبدأ كل مقارنة بتحديد المهمة والخصم والمدة والجغرافيا وافتراضات مشاركة الحلفاء، وتبقى التصنيفات الإجمالية مفيدة لرسم صورة أولية عن الموارد، لكنها تصبح مضللة حين تُستخدم للتنبؤ بنتيجة مواجهة لم تدخل ظروفها في الحساب، ويسري ذلك على السلاح النووي نفسه: فهو عنصر جوهري في الردع الاستراتيجي، لكنه لم يمنع حروبًا محدودة خاضتها دول نووية أو حروبا استهدفت تلك الدول، من أوكرانيا إلى المواجهة الهندية الباكستانية في مايو 2025، ولا يصلح بديلًا عن القدرات التي يتطلبها كل نزاع محدود.

المغالطة السابعة: التفوق العسكري يتحول تلقائيًا إلى مكسب سياسي

القدرة على تدمير هدف شيء، والقدرة على إقناع الخصم بقبول مطلب سياسي شيء آخر، فالخصم قد يتحمل خسائر هائلة إذا رأى في التنازل تهديدًا لبقائه، وتدمير قواته قد لا ينتج سلطة بديلة مستقرة، ويقتضي تقييم الإكراه أن نفهم ما يريد الطرف المستهدف حمايته، وما البدائل المتاحة له، وما إذا كان المطلب أصلًا قابلًا للتحقيق بالقوة.

 

في مارس 2025 أطلقت الولايات المتحدة حملة جوية واسعة على الحوثيين، وبعد أقل من شهرين انتهت بتفاهم رعته سلطنة عُمان يقضي بوقف الهجمات المتبادلة على السفن الأمريكية، بينما أعلن الحوثيون أن الاتفاق لا يشمل إسرائيل. أي أن أكبر قوة عسكرية في العالم خرجت بتحييد سفنها، لا بإعادة فتح الممر الذي خاضت الحملة من أجله، وقبل ذلك بأربع سنوات، انتهت عشرون عامًا من الوجود الأمريكي في أفغانستان بعودة الحركة التي جاء لإسقاطها، وتختلف شروط النجاح بين الطرفين، فقد يكفي المدافع أن يحرم المهاجم من هدفه، بينما يحتاج المهاجم إلى تغيير مستدام على الأرض. وصمود المدافع لا يعني أنه بات أعلى قدرة قتالية، بل قد يعني أن متطلبات نجاحه أقل، وأن كلفة هدف المهاجم تجاوزت ما يقبل دفعه.

 

ويجب الحذر هنا أيضًا من الخطأ المعاكس: اعتبار كل إخفاق سياسي دليلًا على ضعف عسكري، فقد تكون المشكلة في تصميم الهدف ذاته، أو في القيود السياسية على استخدام القوة، أو في غياب أي تصور لما بعد العمليات، كما أن عدم اندلاع حرب قد يكون من آثار الردع، وإن كان إثبات ذلك يتطلب أدلة على حسابات الخصم لا افتراضات عنها.

نحو قياس أكثر دقة للقوة العسكرية

تكشف المغالطات السبع أن تقييم القوة العسكرية يتطلب تتبّع العلاقة بين الموارد والقدرات والنتائج، فالموارد المادية والمالية تتيح بناء القوة، والمؤسسة العسكرية تحدد جاهزيتها وكفاءة توظيفها، فيما تؤثر ظروف المواجهة والأهداف السياسية في النتائج الممكن تحقيقها. ومن ثم، تظل الترسانة نقطة انطلاق ضرورية للتقييم، على أن تُقرأ في ضوء المنظومة التي تمنحها فاعليتها.

 

يبدأ التقييم الرصين بتحديد المهمة والخصم والإطار الزمني، ثم يفحص الجاهزية، وتكامل القوات، واستدامة الإمداد والتعويض، وسرعة التكيف، وموثوقية سلاسل الدعم، ومدى ملاءمة القدرات للأهداف، وتساعد قراءة هذه الأبعاد مجتمعة على تفسير الفروق التي لا تظهرها المقارنات العددية وحدها. كما تتطلب تقديرًا واضحًا لحدود المعرفة؛ فغياب بعض البيانات يزيد مساحة عدم اليقين، وتفاوت الإفصاح بين الدول يستدعي الحذر في المقارنة، فيما تظل نتائج الاختبارات والتمارين والأداء المتكرر أكثر دلالة من واقعة منفردة، وتمنح هذه المقاربة التخطيط الدفاعي أساسًا أوضح لتحديد الأولويات وتعظيم العائد من الاستثمار. فقد تستدعي مهمة معينة توسيع حجم القوات، بينما تتطلب أخرى تعزيز التدريب، أو الصيانة، أو مخزونات الذخيرة، أو مرونة الإمداد، وتتحدد قيمة كل استثمار بمقدار ما يضيفه إلى قدرة متكاملة، قابلة للاستخدام والاستدامة في الظروف المتوقعة، وعلى هذا الأساس، تكتسب تصنيفات القوة العسكرية قيمتها حين تُستخدم مدخلًا للمقارنة، مع إدراك حدود قدرتها على تفسير الأداء أو توقع نتائج الصراعات، ومن هنا فالسؤال الذي ينبغي أن يقود التقييم هو: ما الذي تتيحه هذه القدرات للدولة، وتحت أي شروط، ولأي مدة؟ الإجابة عن هذا السؤال تنقل النقاش من ترتيب الجيوش إلى فهم قدراتها الفعلية، وتمنح أرقام التسلح معناها الاستراتيجي.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *