تعاقبت الأزمات على أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية بوتيرة لم تكد تتيح للقارة فرصة لاحتواء تداعيات أزمة حتى وجدت نفسها أمام أخرى. فمن الحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من تداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة، إلى عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية وما صاحبها من تحديات جديدة، تراكمت الضغوط وتداخلت آثارها. واليوم، يلوح في الأفق تحدٍ من نوع مختلف، لا يقل تعقيدًا عما سبقه، لكنه أكثر اتصالًا بالحياة اليومية لمواطني القارة: تأمين الغذاء. ولم يعد خطر نقص الإمدادات احتمالًا بعيدًا، إذ بدأت العوامل التي قد تقود إليه تتجمع في وقت واحد. فموجات الحر الشديدة والجفاف تضغط على المحاصيل والإنتاج الزراعي داخل أوروبا، بينما تعطل الحروب طرق التجارة وتهدد تدفقات الغذاء من الخارج. والأخطر أن هذين المسارين يتقاطعان ويعزز أحدهما أثر الآخر؛ فتراجع الإنتاج المحلي يزيد حاجة أوروبا إلى الاستيراد، في الوقت الذي تصبح فيه بعض المصادر التي تعتمد عليها لتلبية هذه الحاجة أكثر عرضة للاضطراب.
وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة مجرد موسم زراعي سيئ أو نقص مؤقت في بعض المحاصيل. فإذا استمرت الضغوط المناخية بالتزامن مع اضطراب الإمدادات الخارجية، فقد تجد أوروبا نفسها أمام أزمة غذاء تجمع بين تراجع المعروض وارتفاع الأسعار وتزايد الاعتماد على الأسواق الخارجية. ولن تظل التداعيات بالضرورة حبيسة حدود القارة؛ إذ قد تمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ولا سيما في الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد والأقل قدرة على تحمل ارتفاع الأسعار. وهكذا، لا يتعلق السؤال بقدرة أوروبا على تأمين احتياجاتها الغذائية فحسب، بل بمدى قدرة منظومتها الغذائية على الصمود حين يتزامن تراجع الإنتاج في الداخل مع اضطراب الإمدادات من الخارج.
يمر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بتحولات هيكلية إثر اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. ورداً على هذا التصعيد، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وناقلات النفط، معتمدة على قدراتها غير المتكافئة من الألغام البحرية، والصواريخ المتقدمة، والطائرات المسيرة لتحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية.
ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال. إذ أسفر الإغلاق عن تداعيات اقتصادية فورية تمثلت في توقف حركة الملاحة، وامتناع شركات التأمين عن تقديم تغطيتها للسفن، فضلاً عن تسجيل ارتفاع حاد في أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل. وفي مسعى لاحتواء الأزمة، طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة دبلوماسية تقضي بإنشاء ممر بحري آمن في مضيق هرمز تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان تدفق إمدادات الطاقة بسلام.
وتستند مبادرة كالاس إلى محاكاة "مبادرة البحر الأسود" التي أتاحت تصدير الحبوب الأوكرانية بضمانات دولية، وتأتي التحركات الأوروبية مدفوعة بمخاوف من أن انقطاع إمدادات الغاز سيقوض الإنتاج العالمي للغذاء لارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة الزراعية، وتهدف المبادرة إلى تحييد سفن الطاقة عن دائرة الاستهداف العسكري لتأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي ضوء هذه المعطيات، وهو ما يطرح تساؤل حول مدي جدوى هذه المبادرة في حلحلة الأزمة الراهنة؟ وما هي الخيارات المتاحة في حال فشل تنفيذ مقترح البحر الأسود؟
لطالما كان البحر الأسود بؤرة للتوتر منذ القرن السادس عشر. وعلى عكس حروب العصبة المقدسة، التي واجهت فيها الإمبراطورية العثمانية خسارة إقليمية لأول مرة، تشير الاتجاهات الحالية إلى وجود مكاسب تركية في المنطقة. لقد أعادت حرب أوكرانيا العمل باتفاقية مونترو، التي تمنح أنقرة اليد العليا في البحر الأسود وتجعل أعضاء الناتو الآخرين يقدرون الدور التركي الذي لا غنى عنه. تموج منطقة البحر الأسود مؤخرًا بالعديد من التطورات المتسارعة، بدءًا من تضاؤل القوة الروسية إلى تصاعد المخاوف الغربية، والتي تُقدم لأنقرة فرصًا ذهبية لتحقيق مكاسب على عدة أصعدة.