من يحكم الممرات البحرية؟ صعود عصر العبور المشروط
البرامج البحثية

من يحكم الممرات البحرية؟ صعود عصر العبور المشروط

ماذا لو لم يعد عبور الممرات البحرية مفتوحًا أمام الجميع؟ على مدى سبعين عامًا، استندت التجارة العالمية إلى افتراض بدا من رسوخه أقرب إلى البديهيات: أن السفن تستطيع عبور المضائق الاستراتيجية في العالم من دون إذن مسبق، أو رسوم، أو موافقة سياسية. وقد ترسخت هذه القاعدة إلى حد أنها نادرًا ما احتاجت إلى التصريح بها، ناهيك عن الدفاع عنها. لكن عام 2026 بدأ يقوض هذا اليقين. ففي أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، لم يعد العبور حقًا متاحًا على قدم المساواة، بل بات يخضع للفرز والتقييد وتحديد التكلفة تبعًا للاصطفاف السياسي. وفي ممر مائي آخر، أُعلن صراحة عن ثمن للعبور الآمن. أما على امتداد المسارات القطبية، فقد أصبحت التصاريح والرسوم بالفعل جزءًا من القواعد المنظمة للملاحة، فيما تتسع بهدوء أنظمة أقدم لإدارة الممرات البحرية والتحكم في العبور عبرها.   ولا تبدو هذه التطورات، عند جمعها في مشهد واحد، مجرد أزمات منفصلة أو استجابات مؤقتة لظروف استثنائية. بل قد تكون إشارات مبكرة إلى تحول أعمق يمس إحدى القواعد التي قام عليها الاقتصاد العالمي لعقود: انتقال نقاط الاختناق البحرية من فضاءات مشتركة مفتوحة أمام التجارة العالمية إلى أصول سيادية تستطيع الدول التحكم في الوصول إليها، وتحديد كلفة المرور عبرها، وتوظيفها أدواتٍ للنفوذ والضغط والمساومة. وإذا كان هذا التحول قد بدأ بالفعل، فإن ما يتغير لا يقتصر على قواعد الملاحة أو كلفة الشحن، بل يمتد إلى القيمة الاستراتيجية للجغرافيا نفسها. فحين يصبح المرور عبر المضائق والممرات الحيوية قابلًا للمنع أو التقييد أو التسعير وفق اعتبارات سياسية، تبدأ خريطة التجارة العالمية بدورها في اكتساب أسعار جديدة. إنها، بعبارة أخرى، بداية إعادة تسعير هادئة للجغرافيا التي تقوم عليها التجارة العالمية.
غلقٌ بعد غلق: الأثر المُحتمل لتهديدات الحوثيين للملاحة السعودية في باب المندب
البرامج البحثية

غلقٌ بعد غلق: الأثر المُحتمل لتهديدات الحوثيين للملاحة السعودية في باب المندب

وضعت أحداث عام ٢٠٢٦ أسواق الطاقة العالمية أمام اختبارٍ مرونة غير مسبوق، فبعد أن أخرج الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز (Strait of Hormuz) في فبراير نحو 13 مليون برميل يوميًا من الإمداد المتاح، اتجهت السعودية بمعظم صادراتها غرباً إلى البحر الأحمر، لتجد هذا المخرج ذاته مهدَّداً بعدما هدد الحوثييون في 20 من يوليو بفرض حصاراً بحرياً على مضيق باب المندب يستهدف الملاحة السعودية، وبذلك بات نفط المملكة مُهددًا لأول مرة في تاريخها الحديث مُهددًا بين الممرّين الملاحيّين اللتان تطل عليهما، بالتالي تحوّل سؤال "ماذا لو تعطلت الملاحة عبر باب المندب؟" من افتراضٍ نظري إلى احتمالٍ عملي، غير أن الإجابة ليست رقماً واحداً، بل تتوقّف على حجم الفاقد ونوع الشحنات المحتجَزة وقدرة الأسواق على إعادة توجيهها.   لذلك، يهدف هذا التحليل إلى قياس أثر إغلاق باب المندب قياساً كمّياً عبر ثلاثة سيناريوهات متدرّجة للتوقّف، وتفكيك آليّة انتقال الصدمة من احتجاز الشحنات إلى قفزة الأسعار، ثم تتبّع تبعاتها غير السعرية على المشتقات المكرّرة وقطاع الطيران والنقل البحري، وصولاً إلى المفارقة المالية التي تجعل الضرر الأكبر على السعودية كامناً في السيناريو المتوسط وليس التوقف الكامل.
نمط متكرر: كيف سترد إيران على اغتيال إسماعيل هنية؟
الإصدارات

نمط متكرر: كيف سترد إيران على اغتيال إسماعيل هنية؟

يحبس العالم أنفاسه مُنذ 31 يوليو 2024، في انتظار الرد الإيراني على اغتيال إسرائيل لإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في طهران ، وذلك أثناء مُشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني، مسعود بزكشيان، ما يُعتبر انتهاكًا صارخًا للسيادة الإيرانية من جهة، وتحديًا لقيادتها الإقليمية لحركات المُمانعة ضد ما تعتبره هيمنة الولايات المُتحدة وإسرائيل على دول المنطقة، من جهة آخري الأمر الذي يعتبر معه العالم الرد الإيراني مفروغًا منه في ظل الارتفاع غير المسبوق لسقف المواجهة بين الدولتين، خصوصًا أن هذا الاغتيال جاء ضمن سلسلة من الاغتيالات لرموز محور المُمانعة، فقبل ساعات فقط من الانفجار في طهران، نفذت إسرائيل هجومًا صاروخيًا في الضاحية الجنوبية لبيروت، اغتالت خلاله فؤاد شكر أعلى مسؤول عسكري في حزب الله، بعدما ادعت -دون تأكيد- اغتيال محمد الضيف القائد العسكري لحماس.   وبرغم الاتفاق على حتمية الرد، فإن اختلافًا حادًا حول طريقته يسود الأوساط السياسية والعسكرية، خصوصًا في ظل نمط الاستهدافات الإسرائيلية التي تستوجب ردًا إيرانيًا مُباشرًا لاستعادة قدرات الردع المفقودة، وامتلاك إيران من جانب آخر لوكلاء لديهم قُدرات الرد بدلًا منها، بما يُجنبها التكلفة العسكرية والاقتصادية للرد المُباشر، وعلى وجه أكثر تحديدًا بعدما أعلنت الولايات المُتحدة الأمريكية عن أنها ستُشارك بقواتها في الدفاع مُباشرة عن إسرائيل في حالة تنفيذ هجوم إيراني، وهو ما يعد تأكيدًا لموقفها السابق من الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل في إبريل الماضي.   إلا أننا نعتقد أن ما قد يُسهل توقع طبيعة الرد، هو دراسة نمط الردود الإيرانية السابقة على ذات النوعية من الاعتداءات، خصوصًا في ظل التاريخ الإيراني الحافل بالمواجهات مع دول جوارها بعد الثورة في سبعينيات القرن الماضي، والعداء المُباشر مع الولايات المُتحدة مُنذ ذلك الحين، لكن من بين هذه المواجهات وأكثرها تشابهًا مع الوضع الحالي، هو ما بات يُعرف الآن بحرب الناقلات التي دارت رحاها بين إيران والعراق خلال الفترة من 1984 وحتى 1988، واستدرجت خلالها الولايات المُتحدة لتضطر للانخراط في عملية عسكرية واسعة ضد القوات الإيرانية في الخليج العربي، على نحو ما سنصف لاحقًا.   تسعي الورقة الراهنة إلى إجراء تحليل معمق لأوجه التشابه والاختلاف بين الوضع الراهن والوضع السابق (تحديداً خلال حرب الناقلات) فيما يتعلق بديناميكيات المواجهة بين إيران والقوي التي تصطدم بها، وموقف الولايات المتحدة حيال هذه الصدمات، ما يُسهل توقعات الرد الإيراني في ظل إجمالي هذه المُتغيرات.