ورقة الظل عدد 2: معضلة الصواريخ الباليستية والمسيرات
الإصدارات
21 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 2: معضلة الصواريخ الباليستية والمسيرات

يُمثل البرنامج الصاروخي ومنظومة الطائرات المسيّرة الإيرانية أحد أبرز المحددات الأمنية في الشرق الأوسط. فقبل اندلاع المواجهات العسكرية في فبراير 2026، امتلكت إيران أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في المنطقة، قُدّر –وفق تباين التقديرات– بما يتراوح بين 2500 و6000 صاروخ بعيد المدى، قادرة على استهداف العمق الإسرائيلي بسرعات تقارب 17 ألف كيلومتر في الساعة. وتزامن ذلك مع تكريس طهران لمكانتها كدولة رائدة في تطوير الطائرات المسيّرة، لا سيما طرازات "شاهد" المتعددة، ومسيّرات "كرار"، وأحدث إصدارات "كمان" المُعلن عنها في يناير 2026.   وقد تجلت محورية هذه القدرات حين شكلت أولوية قصوى للضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب؛ إذ استُهدفت مصانع الإنتاج، ومواقع التخزين، ومنصات الإطلاق، بهدف تقويض قدرات الردع الإيرانية وتحييد خطرها عن إسرائيل. وجاء هذا التصعيد الميداني متسقاً مع التوجه الأمريكي قبل الحرب، والذي لوّح بمنع طهران من امتلاك الصواريخ الباليستية وضرورة دمج هذا الملف ضمن المفاوضات النووية، وهو ما تُرجم فعلياً عبر استهداف متزامن للبنية التحتية لكلا البرنامجين؛ الصاروخي والنووي.   ولكن مع انطلاق مسار التفاوض، أضافت "مذكرة إسلام آباد" بُعداً استراتيجياً جديداً لهذه الإشكالية. فعلى عكس التوقعات بدمج القدرات العسكرية في الاتفاق الأولي، استُبعد ملف الصواريخ والمسيّرات من نص التفاهم المبدئي. وأعلنت إدارة الرئيس ترامب تراجعها عن موقفها السابق، مشيرة إلى عدم سعيها لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها الصاروخية، استناداً إلى حقها السيادي في الدفاع عن النفس. ويعكس هذا التحول "مقايضة استراتيجية" تعتمد على التغاضي المؤقت عن البرنامج الصاروخي مقابل احتواء البرنامج النووي، وتقييد تمويل الفصائل المسلحة في المنطقة.   إن هذا الاستبعاد لا يُعد مجرد إجراء تفاوضي شكلي، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مسار فترة "الستين يوماً" الانتقالية، واستراتيجية الطرفين بعدها. ويتطلب هذا المشهد تقييماً يتجاوز قياس الخسائر الميدانية، لفهم كيف تحولت هذه المنظومات من مجرد أدوات تسليح إلى ركيزة أساسية في معادلات القوة تفرض نفسها على الحسابات الإقليمية.    تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ يوليو ٢٠٢٦
ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟
الإصدارات
1 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري عليه خلاف، ولا مجرد نقطة صراع متكررة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى ساحة أساسية لاختبار معنى السيادة في المنطقة. فبينما تصر واشنطن على اعتبار المضيق ممراً دولياً تحكمه قواعد حرية الملاحة، يتعامل الحرس الثوري الإيراني معه كمنطقة سيادية تخضع لإدارته المباشرة، وتخضع لقواعد عسكرية يفرضها هو على أرض الواقع. ومن هنا، فإن أساس الأزمة لم يعد يتركز على سؤال: "هل المضيق مفتوح أم مغلق؟"، بل أصبح السؤال الأهم: ما هو مستقبل المضيق في ظل المفاوضات الجارية؟   وتكشف التطورات الأخيرة، خاصة بعد تلويح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق المضيق رداً على ما سماه انتهاك ببنود مذكرة التفاهم وخاصة فيما يتعلق بالحالة اللبنانية بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم، أن المشكلة لم تُحل، بل زاد تعقيدها. فقد تعاملت المذكرة مع المضيق كمسألة فنية يمكن إدارتها عبر ترتيبات للفتح والعبور لمنع الاحتكاك، بينما تعامل الحرس الثوري معه كرمز للسيادة والقوة وحق وضع القواعد. هذا الاختلاف جعل التفاهم نفسه عاجزاً عن إنهاء النزاع الحقيقي؛ لأن الخلاف بين الطرفين ليس على تفاصيل الإجراءات، بل على من يملك السلطة لاتخاذ هذه الإجراءات من الأساس.   وعلى الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً عقب توقيع الاتفاق المبدئي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب. فتنفيذ هذا البند يواجه تحديات معقدة تتعلق بآلية إعادة تشغيل الممر الملاحي، والترتيبات اللازمة لاستئناف حركة السفن، والقيود التي قد تستمر خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، فضلاً عن الخلاف حول الجهة التي ستتولى تنظيم وإدارة حركة المرور البحري داخل المضيق. وتكشف هذه التحديات أن إعادة فتح المضيق قد تتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاتفاق تعقيداً، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.   لذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة حدود أو عبور سفن، بل هي أزمة سلطة: سلطة من يضع القواعد، ومن يفرض الاستثناءات، ومن يملك الكلمة الأخيرة ليقرر ما إذا كان هذا الممر مفتوحاً، أو مغلقاً، أو مشروطاً. ولهذا السبب، لا يجب النظر إلى قضية المضيق اليوم كملف جانبي في الصراع الأمريكي-الإيراني، بل يجب اعتبارها من أهم القضايا التي تشكل وتغير مفهوم السيادة، سواء داخل إيران نفسها، أو في شكل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.